بندر بن سلطان.. نموذج بناة الدبلوماسية السعودية في الخارج
كاتب الموضوع الأصلي: مالك الغربي 131
ما أن تناقلت وكالات الأنباء وشاشات الفضائيات نبأ خطاب صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، حتى عكفت أجهزة التحرير على القص والحذف لكي تبرز خطاب السفير بشكل درامي، وكأنه صرخة ضد ثوابت الاسلام وكفر بواح والحاد ما بعده الحاد. قامت الدنيا عند بعض المغرضين والحاقدين، لأن السفير السعودي تحدث عن رؤية مشروعة للتاريخ الاسلامي. ذلك التاريخ الذي له وعليه، ويحتاج الى العديد من القراءات لانتشاله من الوهم والخرافة والزيف والمبالغة. رفع المصاحف على الرماح والقتل باسم الدين، وغيرها أمور تحتاج الى مراجعة خاصة وحقيقية وعميقة بعيد عن التشنج وتهييج المشاعر.
بندر بن سلطان، جندي محترف، ودبلوماسي محنك وسياسي بارع. كنت أشاهده والدمع يذرف من عينيه رغبة في مضاعفة التدريب ليل نهار لكي يلحق بركب زملائه في خط المعركة، عندما حدث اعتداء على حدود المملكة الجنوبية. وعندما تمرس كنت أعمل في معيته وهو قائد لسرب المقاتلات في شرق المملكة. كان قائدا عسكريا واستراتيجيا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كان يعد رجاله بمزيج من أربعة عناصر: القوة الروحية، الولاء الوطني، الانضباط العسكري، والتفوق الفني. ما أن انتقل من العمل العسكري الى السلك الدبلوماسي حتى تفوق على كثير من أقرانه واستطاع في وقت قصير أن يعرف مفاتيح اللعبة والتركيبة السياسية الاميركية. بعد فترة قصيرة من عمله ملحقا عسكريا في واشنطن، عين سفيرا لخادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة.
بعد عشرين عاما من العمل الدؤوب في أصعب وأقوى عواصم العالم أصبح بندر بن سلطان عميدا للسلك الدبلوماسي. لم يكن بندر بن سلطان ذلك السفير العادي، فقد تحقق للمملكة ولكثير من الدول العربية والاسلامية الشيء الكثير والتسهيلات التي لا تحصى. أمسى بندر بن سلطان ومجموعة العمل الخاصة به من أقوى المجموعات المنظمة للعمل الدبلوماسي الحر والذي تحسب له المجموعات السياسية الاميركية والدولية وقبل ذلك الاسرائيلية ألف حساب. كان بندر بن سلطان، ولا يزال، يعمل بذات العناصر الأربعة التي خبرتها عندما كنت أعمل تحت أمرته: الروح الايمانية والوطنية والانضباطية والفنية الفائقة. صحيح أن الأمير بندر يستند الى قوة المملكة العربية السعودية والدعم والثقة التي أولتها اياه القيادة السعودية، ولكن بندر كان ولا يزال وسيظل بارزا وماهرا.
عمل بندر بروحه الايمانية على تقوية العمل الاسلامي في الولايات المتحدة حتى أصبحت المساجد تنتشر في كل مدينة وقرية اميركية. أقنع كثير من القيادات الاميركية أن الاسلام هو دين المحبة والعدل والسلام، وأن من واجبهم أن يدعموا هذا الدين الجميل لكي ينتشر في مجتمعاتهم، وهكذا كان. أما روحه الوطنية فمواقف لا تحصى في الكونغرس الاميركي والبيت الأبيض وآلاف الساعات وملايين الأميال يقطعها ذهابا وايابا لكي يعالج ويجادل، حتى تحقق الكثير وانتصرت السعودية ومعها مبادئها العربية والاسلامية العادلة في كثير من القضايا. النجاح في نشر العمل الاسلامي والرؤية الوطنية السعودية لم يكونا خافيين على الأعداء من الخارج ومن الداخل. كان اللوبي الصهيوني يعرف تماما حقيقة ذلك «البعبع» الدبلوماسي السعودي ويحسب له ألف حساب. عرفت، أيضا، تلك الجماعات المتطرفة من كهوفها كيف تستغل تلك الحصانة والتسهيلات التي غرسها بندر في العلاقة مع واشنطن. وقعت الواقعة في سبتمبر 2001 من مجموعة متطرفة استغلت التسهيلات البندرية، وحاول من وراؤهم ضرب العلاقة بين الدولتين. في نفس الوقت وبنفس القدر، استغلت الأطراف الصهيونية ذلك الحدث لزيادة الهوة بين الدولتين، أيضا. كان ذلك وبندر قاب قوسين أو أدنى من تحقيق اختراق سياسي كبير في الشأن الفلسطيني. قبيل 11 سبتمبر كان بندر يعمل بصمت على نقل وتنفيذ رسائل سمو الأمير عبد الله ولي العهد السعودي وباتصال شبه يومي على تحقيق الفوز. ويبقى سؤالنا حائرا: هل التقت مصالح المتطرفين في ذلك العمل الشائن؟
عندما كان بندر بن سلطان يقدم المساعدات تلو المساعدات كسفير لخادم الحرمين الشريفين، لم نكن نسمع تلك الأصوات النشاز التي انطلقت تعوي في بعض الفضائيات، كمحاولة يائسة لاثبات وجودهم والنيل من أجدر سفراء العالم. وجدوا في سمو الأمير بندر غايتهم ومناهم الذي انحسر في كهوف الظلام بعد الحادي عشر من سبتمبر. فهو أمير من العائلة المالكة السعودية، وسفيرها في واشنطن عاصمة الولايات المتحدة التي يعتبرها معظمهم شيطانهم الأكبر. المثير، أن أجندة تلك الأصوات الباحثة عن السلطة لم تعد خافية على الفرد العادي، اذ اعتادوا على الابتزاز السياسي بتلبيس كل ما يتعارض معهم برداء ديني وعقدي. يبرز جزء من ذلك الابتزاز في اطمئنان فئة منهم أنهم لن يهاجموا من قبل أي أحد مستترين خلف ستارين: الأول، لبسهم عباءة رجال الدين وانضواؤهم تحت مسمى طلبة العلم. ثانيا، ما توليه المملكة العربية السعودية من أدب جم تجاه رجال الدين وما تخلعه على طلبة العلم من حصانة.
الغريب، أن أجدر اثنين من السفراء السعوديين: الأمير بندر بن سلطان، والدكتور غازي القصيبي، تلقيا الكثير من الهجوم، ليس من المتطرفين اليهود فقط، بل من المتطرفين المسلمين أيضا. أليس في ذلك أشد العجب! أم هو العداء من الداخل؟
يتساءل واحد من تلك الأصوات الشاذة: من نحن؟ وهل عندنا عند؟ نقول له قول شاعرنا القصيبي: «أجل نحن الحجاز ونحن نجد.. هنا مجد لنا وهناك مجد».
وختاما، نقول لكل أولئك في الخارج والداخل بيتاً سبق أن أستشهد به الملك فيصل (يرحمه الله) في أواسط الستينات: أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم.. أو سدوا المكان الذي سدوا