أ.د. أحمد محمد وهبان

تدوينات السلطة في مفهوم نظام الحكم الاسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: نواف محمد الغفيلي

نواصل معا تدوينات السلطة فى المفهوم الإسلامى وهى سلسلة موسوعة مصطلحات سياسية نتحدث فى هذه التدوينة عن نظام الحكم :

الدعائم التي يقوم عليها نظام الحكم الإسلامي ثلاث :

أ – مسؤولية الحاكم .

ب- ووحدة الأمــة .

جـ-واحترام إرادتها .

ولقد تحقق هذا النظام بأكمل صوره في عهد الخلفاء الراشدين بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم – فكانوا يشعرون أتم الشعور بالتبعات الملقاة على كواهلهم كحكام مسؤولين عن رعاياهم ، ويظهر ذلك في كل أقوالهم وتصرفاتهم وحسبك أن تقرأ ما قاله عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حين ولي الخلافة، وعمر بن عبد العزيز حين وليها كذلك .

وجاءت سيرتاهما مطابقتين لقولهما : ” أيها الناس قد وُليت عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم ، وأشدكم اضطلاعاً بما ينوب من مهم أموركم ، ما توليت ذلك منكم ، وكفى عمر مُهماً مُحزناً انتظار موافقة الحساب يأخذ حقوقكم كيف أخذها ووضعها أين أضعها ، وبالسير منكم كيف أسير فربي المستعان” ، فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونه وتأييده ، وكان يقول : “لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات لخشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب” .

وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : ” فإنه ليس بعد نبيكم – صلى الله عليه وسلم- نبي ولا بعد الكتاب الذي أُنزل عليه كتاب ألا ما أحل الله عز وجل حلال إلى يوم القيامة ، وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة ، ألا لست بقاضٍ ولكنني منفذ ، ألا وإنني لست بمبتدع ولكني متبع ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله عز وجل ، ألا إني لست بخيركم ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حِملاً ” ، وقدِمتْ إليه مراكب الخلافة بعد دفن سليمان بن عبد الملك فأمر بتأخيرها ، وركب بغلته وعاد إلى منزله ، فدخل عليه مولاه مُزاحم فقال : يا أمير المؤمنين لعلم مهتم ؟! فقال: ” بمثل هذا الأمر الذي نزل بي اهتممت إنه ليس من أمة محمد في مشرق ولا مغرب أحد إلا قِبلي حق عليّ أداؤه إليه ، غير كاتب إليّ فيه ولا طالبه مني ” .

وكانت الأمة مجتمعة الكلمة باستمساكها بأهداب الدين واعتقادها فضل ما جاء به من أحكام ، ورعايتها لأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتشديده في الوحدة حتى أمر بقتل من فارق الجماعة أو خرج على الطاعة ، فقال : “من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاضربوه بالسيف كائناً من كان ” ، كما قال : ” من خرج على الطاعة وخالف الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عميَّة يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عَصبَة ، أو ينصر عَصبَة فقتل ، فقِتلة جاهلية ، ومن خرج على أمتي يضرب برها و فاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي ذا عهد عهده ، فليس مني ولست منه “.

كما كانت إرادتها محترمة مقدورة ، فما كان أبو بكر يمضي في الناس أمراً إلا بعد أن يستشيرهم وخصوصاً فيما لا نص فيه ، وكذلك كان عمر بن الخطاب ، فقد جعل الخلافة من بعده شورى في الستة الذين توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو عنهم راض .

مسؤولية الحاكم – الوزارة :

فأما عن مسؤولية الحاكم فإن الأصل فيه في النظام الإسلامي أن المسؤول فيها هو رئيس الدولة كائناً من كان له أن يتصرف وعليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة فإن أحسن أعانته وإن أساء قوّمته ولا مانع في الإسلام في أن يفوّض رئيس الدولة غيره في مباشرة هذه السلطة وتحمل هذه المسؤولية، كما عرف ذلك في “وزارات التفويض” في كثير من العهود الإسلامية ورخَّص الفقهاء المسلمون في ذلك وأجازوه ما دام فيه مصلحة والقاعدة في مثل هذه الأمور رعاية المصلحة العامة

قال الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية . “والوزارة على ضربين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه ، وإمضاءها على مقتضى اجتهاده ، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة قال تعالى حكاية عن نبيه عليه الصلاة والسلام (اجعل لي وزيراً من أهلي ، هارون أخي ، اُشدد به أزري ، وأشركه في أمري) [طه] فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة ، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر بها على نفسه ، وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل ” .

والأصل في هذه المسؤولية في النظام النيابي ، أن المسؤول هو الوزارة ولا مسؤولية على رئيس الدولة ، وقد جرى على هذا الوضع الدستور المصري والدستور الإنجليزي ، فصرح كل منهما بمسئولية الوزارة ، وإخلاء رئيس الدولة من كل مسؤولية واعتباره لا يخطئ ، واعتبار ذاته مصونة لا تمس .

على أنه لا مانع في النظام النيابي ، من تحمل رئيس الدولة المسؤولية واعتبار الوزارة تابعة له في ذلك ، كما يقرر ذلك دستور الولايات المتحدة ، والغريب أن تشير كتب الفقه الإسلامي إلى هذا الوضع أيضاً ، وتسمى هذه الوزارة “وزارة التنفيذ” فيقول المارودي في كتابه “الأحكام السلطانية” أيضاً : ” وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل ، لأن النظر مقصور فيها على رأي الإمام وتدبيره ، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة ، يؤدي عنه ما أمر ، وينفذ ما ذكر ويُمضي ما حكم … ” ولا شك أن هذا من سعة مادة الفقه الإسلامي ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان .

ب – وحدة الأمة :

وأما عن وحدة الأمة فإن الإسلام يفترضها افتراضاً ، ويعتبرها جزءاً أساسياً في حياة المجتمع الإسلامي لا يتساهل فيه بحال ، إذ أنه يعتبر الوحدة قرين الإيمان: (إنما المؤمنون أخوة) [الحجرات] ، كما يعتبر الخلاف والفرقة قرين الكفر ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [ آل عمران ] ، أي بعد وحدتكم متفرقين ، وكما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم وجوه بعض ” ، فعبّر بكلمة الكفر عن الفرقة والخلاف وأن يضرب بعضهم وجوه بعض .

وحدة أخوة :

والأمة الإسلامية واحدة لأن الأخوة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان لا يتم إلا بها ولا يتحقق إلا بوجودها ، ولا يمنع ذلك حرية الرأي وبذل النصح من الصغير إلى الكبير ، ومن الكبير إلى الصغير وذلك هو المعبر عنه في عرف الإسلام ببذل النصيحة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :” الدين النصيحة ، قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” ، وقال : ” إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُوُدِّع منها”، وفي رواية : ” وبطن الأرض خير لهم من ظهرها” ، وقال : ” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” .

ولا تكون الفرقة في الشؤون الجوهرية في الأمة الإسلامية ، لأن نظام الحياة الاجتماعية الذي يضمها نظام واحد هو الإسلام معترف به من أبنائها جميعها .

والخلاف في الفروع لا يضر ، ولا يوجب بغضاً ولا خصومة ، ولا ديكتاتورية يدور معها الحكم كما تدور .. ولكنه يستلزم البحث والتمحيص، والتشاور وبذل النصيحة، فما كان من المنصوص عليه فلا اجتهاد فيه ، وما لا نص فيه فقرار ولي الأمر يجمع الأمة عليه ، ولا شيء بعد هذا .

Leave a Comment