تركيا تمثل أمام المحكمة
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالمجيد الحازمي1
اسطنبول ـ في أفلام هوليود التي تدور في قاعات المحاكم، نعلم دوماً أن البطل الذي لفق له الأشرار التهمة سوف تبرئ المحكمة ساحته في النهاية ـ ولكن ليس قبل أن يضيق الخناق حول عنقه. ففقط عندما يبدو الأمر وكأن الأدلة المتراكمة كافية لإدانته، يطرأ تحول مفاجئ على الأحداث فتثبت براءته ويفتضح أمر الذين افتروا عليه كذباً ولفقوا له التهمة.
وإذا وجدت المحاكمات العسكرية الجارية الآن في تركيا طريقها إلى الشاشة، فلن نجد نقصاً في مثل هذه الخواتيم. ففي سلسلة من الدعاوى القضائية الغريبة قضت المحاكم التركية بسجن مئات من المتهمين ـ من الضباط العسكريين والصحافيين والأكاديميين والمحامين ـ بتهمة التآمر للإطاحة بحكومة البلاد المنتخبة ديمقراطيا.
ويروج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لهذه المحاكمات بوصفها دليلاً على تحول تركيا الجديد نحو الديمقراطية وحكم القانون. كما تلقى هذه المحاكمات دعماً قوياً من وسائل الإعلام التابعة لما يطلق عليه مجموعة جولين ـ التي تشكل حليفاً قوياً لحكومة أردوغان وتتألف من أتباع رجل الدين المسلم فتح الله جولين. والواقع أن هذه المحاكمات تُعَد انتهاكاً خطيراً لحكم القانون وسيادته، حيث تحولت السلطة القضائية إلى سلاح سياسي مسلط على رقاب معارضي الحكومة وخصوم حركة جولين.
وهي قضايا هزلية مضحكة ـ أو كانت لتصبح كذلك لو لم تكن جارية في بلد يؤوي 74 مليون نسمة ولا يجوز لنا أن نستهين بأهميته الاستراتيجية. ولا تخلو هذه الدعاوى القضائية في واقع الأمر من الألغاز المتمثلة في المزاعم الخيالية، والمؤامرات الوهمية، والافتراءات الغريبة والتلفيق، والمكائد الواضحة، والمنعطفات الساذجة في الأحداث والتي لو ضمها أي كاتب سيناريو في هوليود إلى نصه لتحول إلى مضحكة بين أهل صناعته.
ولنتأمل هنا قضية “سليدج هامر”، حيث اتُهِم أكثر من مائتي ضابط عسكري بالتآمر وتدبير انقلاب في عام 2003 للإطاحة بالحكومة المنتخبة آنذاك. وتحتفظ النيابة العامة بما يبدو وكأنه دليل دامغ: خطط تفصيلية وضعها المتهمون، كما تزعم النيابة العامة، وتصف سلسلة من العمليات المروعة لزعزعة استقرار البلاد. ويعلن الضباط براءتهم مؤكدين على أن الوثائق التي تتحدث عن الانقلاب مفبركة ومصطنعة، ولكن من قد يصدقهم في ضوء مزاعم جهات الادعاء والحكومة ووسائل الإعلام الكبرى؟
ولقد نالت هذه المحاكمة أكثر من نصيبها من لحظات نهاية الأفلام. فقد أثبت العديد من المتهمين أنهم كانوا خارج البلاد ولم تكن لديهم القدرة على الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر التي يفترض أنهم وضعوا عليها مخططاتهم. ويبدو أن آخرين وردت أسماؤهم وعناوينهم خاطئة. كما أثبت تقريران للطب الشرعي أن خط اليد المسجل على القرص المدمج الذي يفترض أن يدينهم كان مزورا.
وربما كان الأمر الأكثر درامية على الإطلاق أن وثائق الانقلاب تحتوي على الكثير من المعلومات التي ما كان من الممكن بأي حال التوصل إليها في ذلك الوقت، بما في ذلك الإشارة على شركات، ومنظمات غير حكومية، ومستشفيات، والعديد من الكيانات الأخرى التي نشأت أو تأسست بعد سنوات من تاريخ وضع المخططات المزعومة.
ولنتخيل معاً مشهد قاعة المحكمة. يشير محامي الدفاع إلى الدليل الرئيسي ويوجه حديثه إلى المدعي: “أنت يا سيدي تزعم أن القرص المدمج يحتوي على كافة الوثائق التي تدين موكلي أعِد في عام 2003. هل تستطيع أن تفسر لي كيف كان بوسع موكلي أن يعرف أسماء ضباط على الفرقاطة التي لم تنضم إلى البحرية إلا في عام 2005؟ أو أرقام لوحة السيارة التي صدرت رخصتها في عام 2006؟”. واستدار القاضي باتجاه المدعي بترقب. ولكن المدعي الذي كان غارقاً في عرقه لم يحر جوابا. فيهبط القاضي بمطرقته على مكتبه محدثاً صوتاً مكتوماً ويعلن رفض الدعوى.
أو لنتأمل قضية مجموعة ن الضباط الشباب المتهمين بتنظيم شبكة دعارة وسرقة أسرار الدولة. ومرة أخرى تستند الاتهامات إلى ملفات إلكترونية، يفترض أنها وجدت في منازل المتهمين. ولكن الشرطة ارتكبت خطأً أولياً فضح الاتهام الملفق: فبعد أن تلقت كما زعمت اتصالاً من مجهول عن أحمد أ. (اسم مستعار)، قمت قوات الشرطة عن طريق الخطأ بتفتيش منزل أحمد ب. ـ ورغم ذلك نجحت على نحو ما في العثور على ملفات إدانة بين ممتلكات أحمد ب. ومن الواضح أن أحمد ب. ليس أحمد أ.، والتفسير الوحيد هو أن الأدلة كانت مزروعة ـ ولكن في المنزل الخطأ. وفي النهاية تم إطلاق سراح أحمد ب. (بعد تسعة أشهر)، ولكن القضية لا تزال مستمرة.
والأمثلة المشابهة كثيرة في قضايا مشابهة. فهناك على سبيل المثال المدعي العام الذي يستجوب أحد المشتبه بهم عن خطة لترويع المسيحيين قبل أن “تكتشفها” الشرطة بالفعل. وهناك الصحافي الذي سجن لأن ملاحظاته عن مخطوطات غير مكتملة كتبت باليد عن حركة جولين اعتُبِرت بمثابة تعليمات موجهة من منظمة إرهابية. وأحد كبار رجال الشرطة الذي دون بياناً يفصل الآثام التي ارتكبها المدعون من أتباع حركة جولين، فسُجِن بعد أن وجدت الشرطة تسجيلات غير قانونية لمكالمات تم اعتراضها في مكتبه ـ الذي كان قد أخلاه قبل أيام.
يبدو أن التبرئة تأتي بسرعة في مثل هذه الحالات في هوليود، ولكن ليس في تركيا، التي تبدو محاكمها حتى الآن غافلة عن المشاكل الفاضحة التي تحيط بالأدلة التي قدمها المدعون وقوات الشرطة. ويستمر نظر قضايا بالغة السخافة، ويتم جر المزيد من الناس إليها وتوريطهم فيها. حتى أن وسائل الإعلام المستقلة الرئيسية لا تأتي على ذِكر مثل هذه التناقضات خشية استفزاز الحكومة أو شبكة جولين.
سوف تنهار هذه القضايا في النهاية لا محالة تحت وطأة العبث الجماعي الذي يحيط بها. ولكن الضرر الواقع سوف يمتد إلى ما هو أبعد من معاناة مئات من الأفراد الأبرياء الذين احتجزوا تحت ذرائع كاذبة. فالآن قد تضيع كل الآمال في أن تتخلص تركيا أخيراً من بقايا الحكم الشمولي وتتحول إلى ديمقراطية مستقرة.
داني رودريك أستاذ في جامعة هارفارد، وزوج ابنة المدعى عليه الرئيسي في قضية سليدج هامر.