أ.د. أحمد محمد وهبان

تركيا والجوار العربي

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد الدريهم 1,3,4

تركيا والجوار العربي

خلال الحرب التي قادها أتاتورك لتحرير تركيا من احتلال دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى رفض الزعيم التركي مساعدة ودعم وفود دول بلاد الشام التي زارته وعرضت عليه توحيد قواها من أجل رفع الاحتلال عن تركيا وبلاد الشام معا، وأصر حينها وقبل أن ينشئ الجمهورية الجديدة ويضع أسس العلمانية فيها، على فصل المسارات، لان طموحاته ومشاريعه المستقبلية المتجهة إلى الغرب رغم حربه معه لم يكن فيها مكان للعرب المسلمين أو للشرق عموما.
كان أتاتورك من أشد المؤيدين لوجوب طلاق الجامع والسياسة على غرار ما حدث في أوروبا من طلاق بين الكنيسة و الحكم، وكان يؤمن بأنه قادر على أن يطوع الشعب التركي لتقبل هذه الأفكار، لكنه كان يرى انه ليس لدى العرب القدرة على التكيف مع ما يريد أن يطرح فكان لا بد من الانفصال، الانفصال عن الجوار العربي الإسلامي، والتاريخ العثماني وتقاليد تلك الحقبة، وساعده في ذلك تغيير الحروف العربية إلى لاتينية، ومنذ ذلك الحين –أي منذ قيام الجمهورية التركية الحديثة– كان العرب المسلمون يجسدون في نظر الزمرة الحاكمة في تركيا قيم التخلف والرجعية التي لا بد من التخلص منها، ومنذ ذلك الحين أيضا ارتبطت في أذهان الكماليين صورة سيئة نمطية عن العرب والمسلمين.
ومن هنا يمكن الربط بين توجهات الأحزاب السياسية في تركيا وعلاقتها مع العالم العربي، فكلما كان توجه الحزب إسلاميا كان أقرب إلى التفاهم مع العالم العربي، و كلما كان توجه الحزب كماليا علمانيا غربيا ، كلما كان العالم العربي ابعد ما يريد أن يراه .
ورغم أن تركيا تعرضت للاحتلال من قبل دول أوروبية فإنها سعت لأن تكون في صف تلك الدول القوية المتقدمة، وهو ما مهد مستقبلا لدخول تركيا حلف الأطلسي وحلف بغداد، بل وحتى الانزلاق في محادثات سرية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون عام 1957 حيث زار تركيا سرا والتقى نظيره التركي عدنان مندريس، من أجل بحث ما سمي حينها بخطر المد القومي العربي في المنطقة على تركيا وإسرائيل.
بعد تلك الفترة بدأت تتبلور في العالم استقطابات الحرب الباردة، وفيما سعت عدد من الدول العربية على رأسها مصر لتشكيل منظمة دول عدم الانحياز، وأخرى فضلت تقوية علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي مثل سوريا، كانت تركيا قد حسمت خيارها بانضمامها إلى الناتو، فتحولت إلى سد شرقي له ضد المد الشيوعي القادم من الشرق، وبالتالي زادت عوامل الفرقة بين العرب وتركيا عاملا إضافيا وهو الاستقطاب الدولي بين أميركا والاتحاد السوفياتي في حربهما الباردة والتي كان خلالها جيران تركيا من العرب ميالين أكثر للتعاطف مع الاتحاد السوفياتي الذي زودهم بالسلاح، في مقابل تركيا التي تحولت في السبعينيات إلى حقل خصب للقواعد العسكرية الأميركية التي انتشرت فيها من شرقها إلى غربها.
علاقات قلقه
في الثمانينيات من القرن الماضي حاول الرئيس توركوت أوزال توطيد العلاقات مع العالم العربي وبالتحديد مع حلفاء أميركا منهم وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، لكنه فشل حينها بسبب ضعف القوانين التركية التي لم تستطع أن تحمي الاستثمارات السعودية حينها فتبخرت بسبب الفساد الذي كان مستشريا في أجهزة الدولة التركية، وثانيا بسبب رفض القوى العلمانية المساعدات والاستثمارات السعودية التي كانت تأتي جميعها مشروطة ببناء مساجد ومراكز تحفيظ القرآن.
ومن ذلك المثال يبدو لنا أهمية عامل الفكر الكمالي العلماني في تحديد العلاقة مع العالم العربي الإسلامي
ورغم كون التقارب السعودي التركي في بداية الثمانينيات مصلحة أميركية بالإضافة إلى كونها مصلحة سعودية تركية مشتركة لموازنة المد الإيراني الشيعي الذي بدأ يصدر ثورته إلى المنطقة معلنا أميركا شيطانا أكبر، إلا أن العامل الكمالي العلماني كان أكبر من تلك المصلحة.
وحتى مع تكرار المحاولة في أيامنا هذه بعد زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى أنقرة في أغسطس/ آب 2006 لإعادة إحياء ذلك التعاون لموازنة النفوذ الإيراني المتمدد في المنطقة، فإن الأوساط السياسية التركية اشترطت لأي تعاون أن يكون بهدف المصلحة المشتركة سياسيا وليس بسبب الدين الواحد أو خدمة مشاريع دينية، ورفضت الدخول في متاهات التوازنات الشيعية السنية في المنطقة وركزت على التعاون من أجل استقرار العراق سياسيا وحل مشكلة الملف النووي الإيراني، ونأت بنفسها عن سياسة الأحلاف السنية أو الدينية المطروحة.
وبقيت النظرة في تركيا على هذه الحال، العلمانيون الأتراك ضد أي تعاون مع الدول العربية على أساس ديني أو لمصلحة دينية والإسلاميون على العكس منهم إلى حين وصول حزب الرفاه الإسلامي إلى السلطة حيث تغيرت هذه النظرة وانضم بعض الإسلاميين إلى التيار العلماني القائل بأنه لا فائدة من التعاون مع العرب طالما بقيت أنظمتهم بعيدة عن الديمقراطية.
وعندما وصل نجم الدين أربكان –الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا– إلى السلطة من خلال ائتلاف حكومي مع السيدة نانسي تشلر زعيمة حزب الطريق عام 1996، راهن في أول ما راهن على العالمين العربي والإسلامي، فخانه طموحه، وغدرت به أحلامه، إذ تعمد أربكان أن تكون أول زيارة خارجية له إلى طهران التي كان يرى فيها مكملا وداعما لعالم الإسلام السني، وراح أربكان إلى ما أبعد من ذلك فشكل مجموعة الدول الصناعية الإسلامية الثمانية –دي 8– على غرار الدول الصناعية الكبرى الثماني، متحديا بذلك النظام العالمي الغربي ومحاولا إخراج تركيا من تحت السيطرة و الهيمنة الأمريكية.
لكن أكثر زيارات أربكان فشلا كانت إلى الدولتين العربيتين اللتين راهن عليهما وهما ليبيا ومصر، ففي ليبيا تعرض أربكان لانتقادات شديدة من قبل الرئيس معمر القذافي الذي انتقد النظام العلماني الجمهوري التركي وتوجهات تركيا الغربية، ثم عاد بعد 8 سنوات على الزيارة ليقول إن الأتراك هم أساس التطرف الإسلامي في العالم كما انتهت زيارة أربكان إلى مصر بقطيعة سياسية غير معلنة بعد أن حاول أربكان أن يتدخل كوسيط في ملف الإخوان المسلمين الذين عرض الرئيس حسني مبارك حينها على أربكان إرسالهم إلى تركيا ليبقوا تحت رعايته هناك من قبيل الاستنكار، بل وحتى المملكة العربية السعودية ربطت دعمها لمشاريع أربكان بتوسيع الدعوة الدينية في تركيا للمذهب الوهابي.
كل ذلك جعل كثيرين ومن بينهم وزير أربكان حينها للشؤون الخارجية السيد عبد الله غول يقتنعون بأن لا فائدة من دعوة العالم العربي للتعاون أو إنشاء مشاريع مشتركة طالما بقيت الأنظمة في الدول العربية تابعة للولايات المتحدة الأميركية، بعيدة عن الديمقراطية وليست سيدة رأيها، وهو الدرس الذي تعلمه الإسلاميون الاصلاحيون –إن جاز التعبير– في تركيا فقامت علاقات حزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة رجب طيب أردوغان مع الدول العربية على أساس المصلحة المشتركة وليس وحدة الدين والعقيدة، ولعل ظروف المنطقة قد ساعدت في ذلك من خلال إملاء تحديات مشتركة على المنطقة كان أهمها المشروع الأميركي المسمى بالشرق الأوسط الموسع الذي بدأ عمليا باحتلال العراق وتمزيقه، وهو ما جمع المصلحة التركية مع العربية.
المتغير الاسرائيلي
في المقابل رسمت العلاقات التركية الإسرائيلية منحنيات مختلفة تصاعدا وهبوطا حسب الشروط المحيطة، فتركيا أول دولة إسلامية اعترفت بإسرائيل عام 1949، لكن علاقاتها بقيت سطحية للغاية، وسحبت تركيا سفيرها من تل أبيب في حرب عام 1967، لكن العلاقات عادت عام 1994 مع تحرك عملية السلام في المنطقة، حتى تطورت بدرجة خطيرة عام 1996 من خلال توقيع 22 اتفاقية عسكرية وسياسية واقتصادية، من أخطرها كان تدريب الطيارين والجنود الإسرائيليين في تركيا، وتحديث المقاتلات والدبابات التركية في إسرائيل، والشاهد أن توقيع تلك الاتفاقيات جاء في عهد حكومة يفترض أنها إسلامية إذ إن على رأسها نجم الدين أربكان،
وهنا يمكن القول إن إهمال الدول العربية لتركيا قد ساعد –ولم يكن وحده فقط المسؤول– في دفع تركيا باتجاه إسرائيل، فالمنطقة كانت خارجة للتو من حرب باردة وضعت أوزارها، وكان على دول المنطقة –وهو ما تقتضيه الطبيعة السياسية– تشكيل أحلاف إقليمية تعوضها عن أحلافها مع احد القطبين السياسيين، وفيما اختارت اغلب الدول العربية التقارب مع القطب الأميركي وإبقاء العلاقات معه، وجدت تركيا نفسها في فراغ إقليمي محاطة بدول يجمعها معها العداء والخلافات من كل جانب، فكانت المحاولة الأولى من خلال مشروع ترجت أوزال الطموح الذي لم ير النور لإنشاء اتحاد تركي موسع مع دول جمهوريات آسيا التركية التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي والغنية بالبترول مع دول البلقان على غرار الاتحاد الأوروبي، لكن حلمه اصطدم أيضا بدكتاتورية الأنظمة التي استلمت الحكم في جمهوريات وسط آسيا.
هنا توجب على تركيا أن تجد بديلا فكانت الهرولة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، ذلك أن تركيا ما تزال تحمل على كتفيها عقدة الإمبراطورية الكبيرة التي لا يمكنها أن تعيش وحدها أو بمفردها دون شركاء أو حلفاء، ومع صد الاتحاد الأوروبي لها، وانصراف العرب والمسلمين عنها، وقعت في مصيدة المخطط الأميركي الذي كان يسعى لإنشاء حلف إقليمي يجمع تركيا والأردن وإسرائيل على غرار حلف بغداد القديم، لكن تغير الشروط الإقليمية والدولية على عتبة القرن الواحد والعشرين فتحت أمام تركيا أبواب الاتحاد الأوروبي، فأعادت تركيا عندها حساباتها من جديد، وأعادت صياغة علاقاتها مع إسرائيل التي كانت في السابق وسيلة للوصول إلى قلب الإدارة الأميركية، لكنها تحولت الآن إلى منافس في المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ورح واشنطن مشروع الشرق الأوسط الكبير ونظرية صدام الحضارات.
والشاهد أن إهمال العرب لتركيا قد دفع بها إلى أحضان إسرائيل، لكن لم يكن للعرب دور في إعادة تقييم تركيا لعلاقتها بتل أبيب بل إن الظروف الدولية وطموح تركيا للعب دور قيادي في المنطقة من خلال مشروع الشرق الأوسط الموسع، ومن خلال علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، هو ما دفعها للعودة بتلك العلاقة عن الشريك الإستراتيجي إلى دولة صديقة.
ولعل العرب قد فقدوا أي تأثير على علاقة أنقرة بتل أبيب بعد تقديمهم مقترح السلام في قمة لبنان عام 2002، فطالما أن السلام مع إسرائيل هو هدف العرب الإستراتيجي، فأن علاقات غيرهم مع إسرائيل لا يجب أن تزعجهم بالمفهوم التركي، كما إن رفض تركيا دخول الحرب على العراق إلى جانب أميركا زاد من شعبيتها في العالم العربي وغير الصورة التقليدية السائدة عنها بأنها ذراع أميركي في المنطقة، بعد أن استطاعت أنقرة أن تفسح لنفسها هامشا من الحرية بعيدا عن سياسات واشنطن المتبعة في الشرق الأوسط
على أن سعي تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي قد ساعد على التقارب بين تركيا والعرب، فتركيا تقدم نفسها على أنها العنصر الذي سيساعد الاتحاد الأوروبي على أن يتعولم ويعدد ثقافاته ويتحول بعد ذلك إلى قوة سياسية وعسكرية دولية وألا يبقى ناديا اقتصاديا مسيحيا إقليميا، وهذا التقديم هو الذي يزيد من سعر تركيا لدى سياسيي الاتحاد الأوروبي الذين احتاروا في تبرير قبول تركيا كمرشح لعضوية الاتحاد أمام شعوبهم.
وحتى تكون تركيا ذلك العنصر الفاعل فأن عليها أن تكون على علاقة طيبة مع دول الشرق الأوسط خاصة الدول العربية. الغريب أنه على عكس ما اعتادت أن تختلف من أجله الشعوب فإن قضيتي الموصل ولواء الإسكندرون لم تكونا عاملا حسم في تحديد العلاقات بين العرب و تركيا لا سلبا ولا إيجابيا، هكذا فإننا نرى أن صراع العلمانيين والإسلاميين قد أسهم في تحديد العلاقة بين تركيا والعالم العربي، لكن العنصر الأهم هو الديمقراطية و حرية القرار السياسي ، التي كلما زادت عند كلا الطرفين كلما زاد اقترابهما و تعاونهما و العكس بالعكس .

Leave a Comment