أ.د. أحمد محمد وهبان

تسريبات ويكليكس انعكاس حقيقي للفكر الليبرالي الحر المجرد

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب411

لا تزال ما سميت بـ “فضيحة ويكليكس” تحوز على الاهتمام الأكبر والحيز الأهم من أحاديث الناس ونشرات الأخبار في عالمنا حالياً. وربما سيمضي وقت طويل قبل أن يبدأ الناس بنسيان هذه الجرعات الوثائقية –إذا جاز التعبير- التي تلقوها مؤخراً حول عدد من الأحداث والشؤون السياسية والاقتصادية التي تم تسريبها من خلال نشر وثائق سرية عائدة لوزارة الخارجية أو وزارة الدفاع الأميركية (سربت بداية 450 ألف صفحة، ولاحقاً نحو 250 ألف صفحة.. والحبل على الجرار..)، وهذه الوثائق والبرقيات المسربة تمثل –بشكل أوبآخر- تصورات وآراء وتحليلات لعدد من السفراء والدبلوماسيين وخبراء السياسة الأمريكية، حول عدد كبير من الأحداث العالمية والشؤون الدولية المتعلقة بهذه الدولة وذاك الزعيم، وبهذا الموقع أو تلك الشخصية السياسية..الخ. وقد ألقت تلك الوثائق الضوء على الكثير من المعطيات والوقائع حول الحرب في كل من العراق وأفغانستان، وحول طبيعة السياسة الخارجية لبعض القوى الدولية الكبرى كأميركا وفرنسا وبريطانيا، وأيضاً روسيا والصين وحتى إيران وبعض دول الخليج العربي.
وفي ظني أن من أهم أسباب انكباب الناس على متابعة وملاحقة أخبار تلك الوثائق، وما تضمنته من روايات وفضائح وممارسات شنيعة، هو أن مجتمعاتنا البشرية باتت –من جراء قيام الدول كلها وخاصة الكبرى منها باعتماد سياسة الكواليس واللعب تحت الطاولة- غير قادرة في كثير من الأحيان على فهم وملاحقة سياسات حكوماتها اتجاه كثير من الأحداث والتحولات والمتغيرات الدولية، وخاصة ما يتصل منها بشؤونها الداخلية، كما أنها ملت من سياسة الكواليس وما يجري وراء الستار وما وراء الكاميرات من صفقات وعقود وبيع وشراء وغيرها، وهي وجدت في تلك الأوراق والوثائق المسربة ما يمكن أن يشبع نهمها وفضولها وشبقها لمعرفة بعض الحقائق والخفايا المتعلقة بمجتمعاتها وكيفية تفكير قادتها وزعاماتها، وموقفهم من بلدانهم، وماهية نظرتهم لأبناء مجتمعاتهم.. ووالخ.. خاصة في دول العالم العربي والعالم الثالث عموماً، حيث أن السياسة الحقيقية الرسمية المعتمدة من قبل حكام تلك البلدان هي السياسة المحجوبة عن الناس التي تتم خلف جدران ونوافذ مغلقة كلياً، والبعيدة عن التصريحات المعلنة الطنانة الرنانة التي لا انعكاس إيجابياً لها على الحياة الداخلية لتلك المجتمعات.. بل على العكس من ذلك، يعلم المواطن أو الفرد العربي (فالمواطنية شبه معدومة في عالم العرب والمسلمين) أن العالم الداخلي الحقيقي للكثير من قياداته ونخبه الحاكمة سياسياً والممسكة بمفاصل وركائز مجتمعه اقتصادياً واجتماعياً، هو عالم مليء بالأسرار والأحجيات والتعقيدات، ولا يمكنه الإطلاع حتى على أجزاء يسيرة وبسيطة منه إلا من خلال تلك التسريبات التي يمكن أن تحدث بين الفينة والأخرى من خلال ما تطلقها المواقع الدولية في العالم الديمقراطي الغربي هنا وهناك.. لأن ما يجري في داخل القصور والغرف الرئاسية المغلقة لكثير من الأمراء والملوك والحكام العرب هو شيء سري للغاية خاص بهم، ولا علاقة للشعب والناس به لا من قريب أو بعيد، لا من حيث الأموال المصروفة والإنفاقات الهائلة غير المحسوبة، ولا من حيث طبيعة المداولات والقرارات المصيرية المتخذة في غير مكان وموقع، والتي قد يلعبون من خلالها بمصائر شعوبهم وأمن ومستقبل مجتمعاتهم، كما هو حاصل بالفعل.!!..
إن الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تريد أن تعرف فعلاً حجم الفضائح والصفقات والارتكابات والتورطات التي تفضح زعامات وشخصيات بلدانها المرموقة (السياسية والاقتصادية) التي تقول لها معسول الكلام في العلن وأمام الكاميرات، وتتحدث نقيضه وراء الكواليس عند عقد الاجتماعات مع دبلوماسيي وقادة الدول الكبرى..
لقد أضحى عالم الإنسان المعاصر –نتيجة أخبار وصور الدمار والعنف والحروب وسياسات الحجب والإخفاء وممارسة سياسة الكذب على الناس والشعوب- عالماً مضجراً ومزيفاً، وأصبح المسرح الكوني الإنساني مملاً بلا معنى وآفاق مفتوحة، وهو لا يزال يبتعد شيئاً فشيئاً عن الرؤية الهدفية والغائية الإنسانية التي محورها وأساسها خدمة الإنسان ومحاولة بناء عالم إنساني أرقى وأمثل وأكثر شفافية ووضوحاً ومصداقية، عالم يستطيع فيه كل إنسان أن يعرف ويطلع على كل ما يجري حوله من تحولات وأحداث تتعلق بمصائره الكونية بشكل واضح، خاصة ما يجري من تلك الأحداث خلف الكواليس المظلمة والغرف المغلقة والأقبية والمطابخ السرية الخاصة بكيفية صناعة القرارات الدّولية.
وقد أثبت هؤلاء الناشرون لتلك الوثائق فعلاً لا قولاً -وبقطع النظر عن كيفية وآليات تسريبها، ومن ساعدهم في الوصول إليها، وعن القصدية أو العبثية في نشرها- أن الديمقراطية لا تزال هي الفكرة الإجرائية الأصح والأحسن لإدارة الشأن العام، وبناء مجتمعات متطورة، وأنها النظام الأكثر ضمانة في العالم لمعاملة الناس بصورة يمكن معها تحريض وإثارة أجمل ما فيهم من خصال وقيم وطاقات بهدف العمل المنتج الخلّاق، ودفعهم للبناء الإيجابي، ومعاملتهم بشيء من الوضوح والشفافية والصدق.
وأن من حق هؤلاء الناس جميعاً أن يطلعوا على حقائق واستراتيجيات سياسات حكوماتهم، وطبيعة تفكيرها، وأن يعوا طبيعة تفكير قادة بلدانهم بعيداً عن سياسات الحجب وإجراءات المنع وآليات الرّدع المتبعة حتى الآن، لأن النظام الديمقراطي القائم أساساً على الحرية ومشاركة الناس في صنع القرار السياسي لبلدانها من خلال النواب والممثلين المنتخبين ديمقراطياً- لا يجتمع أبداً، بل يتناقض كليةً مع ممارسة سياسة إخفاء مئات آلاف الوثائق المتعلقة بمصيره ومستقبل مجتمعه، والتي تكلفه (كناخب) أو كدافع ضريبة مليارات الدولارات من جيبه وعرقه وجهده.. وهو يحتاج باستمرار –وهذا حق له يضمنه الدستور الديمقراطي- إلى أن توضح له حكوماته سياساتها الخارجية، والمواقع التي تقوم بصرف أموال الدولة فيها بكل شفافية ومصداقية كما ذكرنا.

1 Comment

  1. تغليب السلطة على الدولة في العالم العربي

    يطرح المشهد الراهن للدولة في الغالبية الساحقة من الأقطار العربية سؤالاً حول موقعها ودورها في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقومية. يرتبط السؤال بازدياد مظاهر تؤشر الى انحسار متوال في الدور المفترض ان تقوم به الدولة، وذلك لمصلحة قوى وجماعات نهض وجود الدولة على تجاوزها. ينتج عن هذا المسار سؤال اوسع يطرحه كثيرون حول المدى الذي تمكنت فيه المجتمعات العربية من بناء الدولة، ام ان جل ما قامت به هو تكوين سلطة وأجهزة؟

    مثّل نشوء الدولة في أوروبا واحداً من درجات تطور الحداثة. لعب النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري دوراً في بلورة مفهوم القومية الذي شكل قاعدة الكيانات الأوروبية المقسومة على نفسها او المتنازع عليها.

    ساعد قيام الدولة في اوروبا على بلورة قواعد قانونية ومبادئ تتصل بالفصل بين السلطات والمساواة امام القانون وحماية الحريات وتحقيق المواطنية وغيرها… فشكلت هذه المبادئ اسساً استندت إليها انظمة الاستقلال في العالم الثالث والعالم العربي في وضع دساتيرها وقوانينها.

    تكونت الدول العربية منذ نصف قرن تقريباً. قامت في سياق النضال من أجل الاستقلال الوطني وعلى حاملة مشروع قومي ذي مضمون اجتماعي وسياسي وطني. استوحت النخب العربية التي استلمت زمام الحكم في الكثير من أنظمة الاستقلال مبادئ تنظيم الدولة المعمول به في الغرب وأخضعت بعض نصوصه بما يتوافق مع واقع المجتمع المحدد. تحوي الأقطار العربية راهناً دساتير تتشابه في التوجهات والقوانين والتشديد على الأهداف المركزية للدولة، وتشدد على الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية والقومية، وتؤكد على الفصل بين السلطات وتأمين التوازن في ما بينها وسيادة القانون على جميع أبناء الشعب. كما تذهب هذه الدساتير بعيداً في التزام المبادئ الديموقراطية في الحكم التي تكفل المساواة بين المواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتضمن الحقوق العامة لا سيما منها حرية الإعلام والفكر والمعتقد والعمل السياسي. وتشدد على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وتسعى الى الارتقاء بمستوى الإنسان العربي. وتؤكد هذه الدساتير أيضاً على مساواة المجموعات السياسية والأقليات والطوائف والإثنيات ومكافحة التمييز ضدها أو المس بحقوقها.

    شكل تحقيق الاستقلال وتعيين مبادئ الدولة التي تستند الى الدستور والقوانين أحد مصادر شرعية السلطة. ويشهد العالم العربي منذ عقود تغييباً شبه كامل لهذه القواعد الدستورية والقانونية، وبالتالي انحساراً في شرعية السلطة، وذلك لمصلحة تمركزها في يد قوى محددة وبما لا يتناسب مع المبادئ التي أسست لقيام الدولة، مما عنى تراجعاً في منطق الدولة لمصلحة منطق السلطة. وقد يبدو هذا الحكم غريباً، خصوصاً انه يصعب الفصل بين السلطة والدولة.

    اذا كان السؤال حول الدولة والسلطة في الدول المتقدمة عبثياً ولا معنى له، فإنه ذو دلالة راهنية كبيرة في العالم العربي. هنا، يصيب الدولة الوهن على حساب سلطات متنوعة الانتماءات، عسكرية او طائفية او اثنية. لقد تحولت الدولة العربية الى سلطة استبدادية تستند الى الأجهزة، وتمارس تغييباً للحريات العامة. وتميز بين المواطنين لمصلحة الجهة التي ينتمي إليها الحاكم. اختزلت سلطة واحدة مجمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فعززت من الطغيان. تحولت الجيوش الى أداة لسحق الإنسان العربي والى سيادة نظام الطاعة المطلق. فقلصت الحريات الفكرية والسياسية. بديلاً من النهوض الاقتصادي، ساد الفقر والبطالة والأمية والفساد. نجم عن ذلك غياب المحاسبة والمراقبة. غاب تداول السلطة، وانتهكت النصوص الدستورية التي تقول بها.

    لا يعود غريباً بعد ذلك ان تنبعث في العالم العربي مكونات ما قبل الدولة، من استعادة للطوائف والعصبيات القبلية والعلاقات العشائرية، وان يحتدم الصراع في ما بينها من أجل اقتسام المؤسسات والبلد إجمالاً، ولو أدى ذلك الى الإطاحة بما كان المجتمع قد حققه من تقدم وتحديث. هكذا بات المواطن العربي يعبر عن نفسه، ليس بانتمائه الى هذا البلد أو ذاك بمقدار انتسابه الى طائفة أو قبيلة أو عشيرة. بات السعي الى تغيير الحاكم مشروع حرب أهلية بسبب الاندماج بين الحاكم والجماعة التي يمثل. يشهد على ذلك حجم الاصطفاف التي تعيشه المجتمعات العربية وإمكان تحوله حروباً أهلية تهدد العديد من الأقطار وتهز كيانات راسخة في المنطقة. في ظل هذا المناخ تصبح الحاجة الى الاستعانة بالخارج أساسية في حسم الصراعات وتحقيق الغلبة لمصلحة هذه الجماعة أو تلك. كما تصبح قدرة هذا الخارج على النفاذ الى قلب المجتمعات العربية واختراقها اكثر يسراً.

    تطمح المجتمعات العربية الى التقدم والحرية والاستقلال. يؤشر المسار العربي الراهن الى ما يعاكس هذا الطموح. يستحيل الخروج من هذا المأزق من دون استعادة الدولة ومنطقها وتحقيق سيادة القانون، وهو أمر يصعب تحقيقه ما لم تتوافر قوى ومؤسسات تؤمن حقاً بالتغيير السلمي وإعادة استنهاض المجتمع بجميع مقوماته وجماعاته.

Leave a Comment