تعدد الاحزاب
كاتب الموضوع الأصلي: عادل العتيبي1
هناك علاقة وثيقة بين النظرية الديمقراطية وتعدد الأحزاب، فتقوم هذه النظرية علي أنه لا ديمقراطية بدون أحزاب، ويعتبر غياب التعدد الحزبي دليلا علي عدم ديمقراطية النظام السياسي. وينطلق هذا الافتراض من تعريف الديمقراطية بكونها حكومة تعدد الأحزاب. ويشار الي هذا النوع من الديمقراطية، بعدد من المسميات ، مثل الديمقراطية الغربية، والديمقراطية الليبرالية ، والديمقراطية التعددية .
وينطلق هذا التصور من اعتبار أن المثل الأعلي السياسي هو قيم الديمقراطية الليبرالية، بحيث يصبح النموذج الديمقراطي الليبرالي القائم علي تعدد الأحزاب هو النتيجة الطبيعية لعملية التطور السياسي. وكانت الليبرالية هي النسق الفلسفي الرئيسي للحضارة الغربية، طوال القرون الاربعة الماضية. وكان بروزها وانتشارها علي هذا النحو ، تعبيرا عن الروح الجديدة التي غمرت القارة الاوروبية في نهاية العصور الوسطي، مع انهيار النظام الاقطاعي – الكنسي وانتصار الرأسمالية ، وما رافق هذه العملية من تحولات جذرية في البيئة المادية والفكرية. ووضح ذلك في الاكتشافات الجغرافية ، ونمو النزعة التجارية ، وسقوط العلاقات الاقتصادية للعصور الوسطي ، واكتشاف الطباعة ، وما واكبها من سرعة انتشار المعرفة، والثورة العلمية التي غيرت آفاق تفكير الانسان في الحياة. وبزغت حركة الاصلاح الديني وفلسفة النهضة للمناداة بحرية الانسان الفرد . وظهرت البروتستانتية التي يري ماركس فيبر، في تحليله للعلاقة بينها وبين ما يسميه معنويات النظام الرأسمالي ، أنها كانت قوة دافعة للديمقراطية . وأضحت المنطلقات الاساسية لذلك العصر هي الفرد، والعقل ، والطبيعة، والسعادة، والتقدم. وأصبح العقل هو فلسفة الوجود، وتأكد الحق المطلق للانسان في النقد والتحليل . ومن أبرز نتائج هذا التطور أن المركز الاجتماعي، لم يعد هو الأساس القانوني للمجتمع ، واحتل العلم مكانة محورية ، كعامل يتحكم في تشكيل أفكار الناس. وسقطت فكرة أن العصر الذهبي للانسان كان في الماضي ، بفعل مذهب التقدم والاعتقاد في قدرة العقل الانساني، علي وضع أسس رشيدة لتنظيم المجتمع. وأدي انتشار الاختراعات الي جعل التغير سمة المجتمع بدلا من الاستقرار. وفي هذا المناخ الجديد ، انتشرت الدعوة لأن يقرأ الانسان ما يشاء ، وأن يصور الفنان ، وأن يعبر المفكر عن كل مايريد . ومع حلول القرن السابع عشر ، برزت فكرة الحقوق الطبيعية للانسان، التي عرفت بصفة عأمة علي أنها تشمل حق الحياة والحرية والملكية ، ولم تلبث أن اتسعت تدريجياً ، لتتضمن حقوقا أساسية كحرية القول والتعبير والاجتماع .
وبوجه عام ، يمكن القول بأنه منذ القرن السابع عشر كان معظم مفكري الغرب قد انتهوا الي المناداة بالحرية السياسية، وكان جوهر رسالتهم الفلسفية ، هو العمل علي تحرير الفرد من قيوده .
وقد مهد هذ المناخ ، مع تباين وتنوع المصالح والانتماءات، لقيام أحزاب سياسية متعددة، يعبر كل منها عن اتجاهات وغايات قطاع أو فئة أو طبقة من المجتمع . وارتبط نمو الأحزاب السياسية، كما سبق توضيحه بالتوسع في الاختصاصات البرلمانية، وتقرير حق الاقتراع العام، وساعدت علي نشوئها عوامل مثل جمعيات الرأي والنوادي الشعبية والصحافة والنقابات .
ويلاحظ لدي دراسة دساتير دول الغرب الليبرالية أن الأحزاب نشأت – وتنشأ – فيها في ظل مناخ يتقبل وجود هذه الأحزاب وتعددها دون نص صريح في الدستور يقرر منح المواطنين حق تكوين هذه الأحزاب ، عملا بالمنهج الذي يعتبر تكوين الأحزاب ، حقا طبيعيا مستمدا من حق الاجتماع، وإنشاء الجمعيات وحرية الرأي والفكر والصحافة. والظاهرة الغالبة في الدول الليبرالية هي تعدد الأحزاب السياسية – ثلاثة أحزاب أو أكثر. ومع ذلك فإنه يغلب علي بعض هذه الدول ، وخاصة ذات التقاليد الانجلو سكسونية ، مثل بريطانيا والولايات المتحدة واستراليا ، ظاهرة ثنائية الأحزاب الفعالة في الحياة السياسية ، حيث يوجد حزبان كبيران، أحدهما يحصل علي الاغلبية ويحكم، والثاني يقبع في المعارضة، وذلك مع وجود أحزاب صغيرة غير مؤثرة .
أولا : الأساس الفكري لتعدد الأحزاب :
وقد وجد تعدد الأحزاب سندا قويا في المفاهيم الأساسية التي قامت عليها الديمقراطية الغربية، أو ما يعبر عنه أحيانا بالأساس الفلسفي لليبرالية والذي يقوم علي عدد من المفاهيم الأساسية أهمها :
1 – مفهوم سيادة الأمة : ووفقا لهذا المفهوم ، فإن المحكومين هم أنفسهم أصحاب القرار النهائي فيما يهمهم من أمور ، أو ما يعبر عنه بأنهم المحكومون والحاكمون في آن واحد. وكان بزوغ هذا المفهوم ، تعبيرا عن الرغبة في الحد من السلطات المطلقة للملوك، وذلك بالقول بأن للأمة شخصية تختلف عن شخصية الأفراد ، وأن لها إرادة تعلو إرادتهم. وعلي أساس هذا المفهوم ، صيغت دساتير أوروبا بعد الثورة الفرنسية تأثرا بأفكار جان جاك روسو (الفيلسوف الفرنسي) في الارادة العامة .
2 – مفهوم إرادة الاغلبية : وظهر هذا المفهوم انعكاسا لحقيقة أنه لا إجماع علي شئ ، وأن مجموع المواطنين لا يتخذون نفس الموقف ، وإنما ينقسمون غالبا الي اغلبية وأقلية. ولذلك جري العمل علي أن ارادة الاغلبية ، هي التي تمثل إرادة الأمة ، وعلي الاقلية أن تقبل بذلك .
3 – مفهوم حرية المعارضة : برز هذا المفهوم لمواجهة مشكلة أن مفهوم إرادة الاغلبية، لا يحل التناقض بين قضية السلطة وقضية الحرية بالنسبة للأقلية . ولذلك يجب الاعتراف لهذه الأقلية بحق المعارضة ، أي حرية نقد رأي الاغلبية والدعوة الي تغييره عن طريق كسب الرأي العام الي صفها . والمقصود بالمعارضة هنا المعارضة السلمية التي تعتمد علي الرأي والاقناع .
4 – مبدأ الفردية : المستمد من المذهب الفردي الذي يعد حجر الزاوية في الفكر الليبرالي، ويقوم علي افتراض أساسي مؤداه ان الانسان الفرد هو الحقيقة الأولي في الاجتماع الانساني ، وأن ذلك الفرد يتمتع -بحكم الطبيعة نفسها- وقبل وجود الدولة وسلطتها بحقوق وحريات طبيعية ، وأن واجب الدولة وغايتها حماية تلك الحقوق والحريات، وأن مجموع المصالح الفردية يحقق في النهاية مصلحة الجماعة دون تدخل واسع النطاق من الدولة . وترتب علي اعتبار الليبرالية أن الفرد حجر الزاوية في الفكر والمجتمع نتائج أهمها اعتبار الفرد أسبق من المجتمع، وأن الفرد غاية في ذاته ، وأن المبادأة الفردية تحمل في ثناياها بذرة ضرورية للخير الاجتماعي.
5 – مفهوم الدولة الحارسة : وهو الامتداد الطبيعي للمذهب الفردي، إذ يجب علي الدولة أن تمتنع أعلي مؤسساتها السياسية، وهي الحكومة، عن التدخل في شئون الافراد ، بحيث تقتصر وظيفتها علي حراسة المجتمع ومراقبة الحريات. ويجدر التنوية بأن هذا المفهوم أخلي الطريق بعد ذلك لمفهوم دولة الرفاهية ، بعد أن ازداد تدخل الدولة في تنظيم المجتمع تدريجيا، وخاصة منذ ثلاثينات القرن العشرين.
6 – مفهوم الحريات العامة : وهو التطبيق العملي لمبدأ الفردية، وتشمل هذه الحريات حقوقا شخصية مثل حق الملكية وحق الانتقال والحق في حياد القضاة ، وحقوقا معنوية مثل الحرية الدينية وحرية إبداء الرأي وحرية الصحافة والنشر والتعبير ، وحقوقا سياسية مثل حق الانتخاب والتصويت وتكوين الجمعيات والانضمام اليها والمشاركة في الانشطة السياسية، وحقوقا نقابية مثل حق تكوين النقابات والأحزاب وحق اختيار المهنة .
7 – مفهوم المساواة المدنية أو المساواة أمام القانون: بمعني تطبيق القانون علي الجميع بلا تمييز بين الافراد بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة أو المركز الاجتماعي وهو صدي لما كان قد أعلنه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في عقده الاجتماعي، من أن القانون إنما هو قواعد عأمة مجردة غير منحازة. وقد تصدرت بيان الثورة الفرنسية لاعلان الحقوق عام 1789 عبارة أن (الناس يولدون أحرارا، وهم متساوون في الحقوق. والميزات الاجتماعية لا يمكن أن تقوم إلا للمصلحة العامة) .
وخلاصة هذه المفاهيم، أن تعدد الأحزاب يرتبط ارتباطا وثيقا بالديمقراطية التي تقوم علي اساس المذهب الفردي وما ينبني عليه من نظرية للحقوق والحريات الطبيعية للأفراد ، والتي تحقق فكرة سيادة الأمة من الناحية القانونية ، ويترجم ذلك في صورة حكومات أغلبية، لا تصادر حق الاقلية في إبداء رأيها والدفاع عنه. وهذه الحكومات مقيدة وليست مطلقة ، ذلك أن سلطتها تقف عند حد الحقوق والحريات الطبيعية ولا تستطيع أن تتجاوزها . وبمعني آخر فقد وضعت الليبرالية نظاما للحقوق الاساسية لا تستطيع الدولة أن تقتحمه ، وذلك في نفس الوقت الذي تحرص علي الاحتفاظ بحق إقرار النظام العام.
ثانيا : وظائف الأحزاب في النظام التعددي :
تستند النظرية الديمقراطية في القول بضرورة التعدد الحزبي لممارسة حياة ديمقراطية ، الي عدد من المبررات والوظائف الذي تقوم بها الأحزاب في اطار النظام السياسي والتي يمكن تصنيفها علي النحو التالي :
1 – إدارة الصراع السياسي في المجتمع :
إن الأحزاب هي نوع من الجماعات المنظمة. ونزعة حب الانضمام أو الانضواء تحت لواء إحدي هذه الجماعات هي – كما يقول لورويل في مؤلفه عن الرأي العام – إحدي نزعات، بل غرائز النفس البشرية، وتلك الغريزة هي التي جعلت من الانسان مخلوقا اجتماعيا.
إن الانسان أودعت فيه – كما يقول برتراند راسل في مؤلفه عن الفرد والسلطة – كل الغرائز العدوانية، الي جانب غرائز الابتكار والبناء . وهذه الغرائز ينبغي اشباعها ، وفي مقدمتها غريزة المنافسة، فالأفراد لا يستطيعون ان يكونوا سعداء بلا تنافس بينهم لأن التنافس كان منذ ظهور البشرية حافزا علي القيام بأهم انواع النشاط . وهذا التنافس لا يمكن القضاء عليه ، ولكن يمكن تنظيمه ، حتي لا يتخذ شكلا ضارا باتجاهه الي العنف. ومن المسالك غير الضارة ، التنافس السياسي في إطار النظام الدستوري والقانوني.
وتلعب الأحزاب السياسية دورا هاما في ادارة الصراع السياسي في المجتمع بشكل يبعده عن دائرة العنف والتطرف. والواقع أن هناك عدة عوامل تتوقف عليها قدرة الأحزاب علي إدارة عملية الصراع السياسي بشكل سلمي. وتتمثل أهم هذه العوامل في :
– نوعية القيادات الحزبية، أي اتجاهات ومهارات تلك القيادات.
– مدي اتساع قاعدة الأحزاب السياسية وانتشارها في انحاء البلاد .
– طبيعة علاقة تلك الأحزاب بالهياكل الحكومية القائمة .
2 – ضمان الحريات العامة :
يعتبر تعدد الأحزاب أمرا ضروريا لصيانة حرية الرأي والتعبير والاجتماع . حيث لا يوجد أحد أو جماعة من الناس تستطيع أن تستأثر بالحقيقة الكاملة دون سائر الناس .
في هذا السياق فإن تعدد الأحزاب وحرية تكوين المؤسسات والجمعيات والمنظمات السياسية يكفل مبدأ حيويا في الحياة السياسية الديمقراطية ، وهو حرية المعارضة لكونها تمثل ظاهرة صحية في الحياة السياسية . فالديمقراطية لا تقوم فحسب علي أن للأغلبية حق الحكم، ولكن كذلك علي أن للأقلية حق المعارضة. وتبدو أهمية تعدد الأحزاب في جعل هذه المعارضة منظمة. ذلك أن مفهوم المعارضة معروف منذ القدم. وفي العصر الاغريقي كانت المعارضة تعني – كما يذكر هيرودوت في عرضه عن التاريخ – المواطن الذي لا يقبل صورة الحكم القائمة، والذي يجب أن تكون حقوقه وحرياته مكفولة، مقابل أن يحترم القانون القائم . فتعدد الأحزاب إذن ، يسبغ علي هذه المعارضة الفردية صفة التنظيم، مما يجعلها أكثر قوة وقدرة علي التأثير .
كما أن ممارسة الحريات والحقوق السياسية لا يمكن تحقيقها دون تنظيم ، والأحزاب هي التي تتولي ذلك التنظيم. والتنظيم – لدي روبرت ميتشيل أحد علماء السياسة – هو الوسيلة الوحيدة لخلق إرادة عأمة. وعلي هذا النحو، فالتنظيم في يد الجماعة الضعيفة سلاح من أسلحة الكفاح ضد الأقوياء ، لأن كفاحا ما لا يمكن أن تكون له فرصة للنجاح إلا إذا كان ثمة تضامن يجمع بين الافراد الذين يبتغون هدفا واحدا.
ويقوم تعدد الأحزاب ، في الأصل السليم، علي خلافات معينة في الرأي ، وفي تصور الحلول للقضايا الأساسية. والذين ينضمون الي حزب من الأحزاب إنما ينضمون إليه لأنهم يؤمنون برأي معين ، ويريدون أن يدافعوا عنه في ظل تنظيم يوفر لرأيهم وأفكارهم من القوة، مالا يمكن أن يتوافر لهم وهم أفراد . وفساد الأحزاب في بعض البلاد ، وعدم قيامها علي أساس مبادئ معينة لا يعني فساد نظام تعدد الأحزاب في جملته. وحتي القول بفساد النظام الحزبي لا يرتب نتيجة أن يكون البديل هو الحزب الواحد إلا إذا كان يراد للفساد أن يكون مركزا غير منتشر، وأن يكون مستورا غير مفضوح .
وبوجه عام ، فإن تعدد الأحزاب يكفل الضمانات الحقيقية لممارسة الأفراد لحرياتهم العامة .
3 – توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتشكيل الرأي العام :
تساهم الأحزاب في تشجيع التجمع الانساني بكل صوره لتحقيق أهداف مشتركة، وبصفة خاصة، التجمع السياسي، وتدريب المواطنين علي العمل السياسي ، والمشاركة في شئون بلادهم، وتشجيع الفرد علي الإقدام علي هذه المشاركة بالانتماء الي جماعة سياسية منظمة في حزب من الأحزاب، ومن ثم شعوره بالأمن السياسي ، مما تتحقق معه الشجاعة الأدبية في ابداء الرأي في المسائل العامة.
ويكفل تعدد الأحزاب عنصر الاختيار للأفراد. فحرية انضمام الفرد الي حزب ما ، أو رفض الانخراط في عضويته، أمر له أهمية كبري في تحقيق الديمقراطية ، وذلك عن طريق تعدد التنظيمات المختلفة والمفتوحة أمام الأفراد وأمام الناخبين من أجل انتخاب ممثلين لهم في الحكومة. والتوزيع الاختياري لأصوات الناخبين بين التنظيمات الحزبية هو الذي يحدد ما يحصل عليه كل حزب من مقاعد في البرلمان والحكومة .
والأحزاب السياسية هي التي تقدم المرشحين الصالحين لتولي الوظائف النيابية والادارية والعامة ، وهي التي تقدم البرامج السياسية والطرق اللازمة لتنفيذها والوسائل الفعالة لنقد اعمال الحكومة . واذا كان الشعب في مجمله يستطيع الحكم علي صلاحية السياسة الحكومية أو عدم صلاحيتها ، فإنه لا يستطيع أن يقدم سياسة بديلة عنها ، إلا في حالة توافر التنظيمات السياسية وغيرها من الامكانات التي توفرها الأحزاب ، وتتيح له المعلومات الكافية لفهم هذه السياسة.
كما أن وجود أحزاب متعددة يعطي فرصا للاختيار بين برامج وسياسات متباينة تتقدم بها الأحزاب المختلفة، ويسعي كل حزب منها الي الحصول علي تأييد المواطنين لبرامجه وسياساته في الانتخابات العامة ليحصل علي اغلبية تمكنه من تولي الحكم ووضع هذه البرامج موضع التنفيذ. علاوة علي أن وجود الأحزاب يكفل تحقيق المشروعات العامة بقدر أكبر من السرعة والفاعلية نتيجة التأييد الشعبي الذي تحققه الأحزاب الحاكمة لهذه المشروعات .
وقد أثبتت التجربة حاجة كل من الناخب والنائب لوجود الأحزاب السياسية . فالناخب يحس بالحاجة الي من يقوده ، ويقدم له برنامجا ، ويفسر له ما قد يكون غامضا عليه من الشئون العامة. والنائب كذلك يشعر بالحاجة الي جهاز منظم يزوده بالمعلومات اللازمة التي يعتمد عليها في المناقشات البرلمانية وتوجيه الاسئلة والاستجوابات، كما يشعر بالحاجة الي تعضيد زملاء له من النواب ينتمون الي نفس الحزب ، ويشكلون فريقا أو تكتلا برلمانيا يكون له من التأثير والفعالية أضعاف ما يملكه نائب منفردا .
وتفسر هذه الضرورة بردها الي عدد من المزايا التي تحققها تعدد الأحزاب مثل تنظيم وترتيب الأفكار والمبادئ السياسية والاجتماعية المختلفة ووضعها في شكل أولويات محددة يتم علي أساسها توجيه الفنيين للعمل علي تنفيذها عندما يصل الحزب الي الحكم.
وتعمل الأحزاب علي مساعدة جمهور الناخبين علي تكوين آرائهم السياسية . فاذا ترك كل ناخب وشأنه ، فإن الديمقراطية تصبح شيئا مستحيلا ، إذ يكون من الصعب ، في كثير من الحالات ، تكوين إرادة عأمة .
في هذا الاطار يمكن القول إجمالا ان الأحزاب السياسية تقدم الاطار الأكثر أهمية وملاءمة لتحقيق المشاركة السياسية وعدم قصرها علي فئة أو طبقة اجتماعية معينة خاصة مع اتساع وسائل الاتصال الجماهيري وانتشار التعليم. ذلك أن ظهور الأحزاب السياسية نفسها يمكن ان يزكي لدي الافراد الرغبة في الممارسة السياسية. علي أن مجرد وجود الأحزاب أوالنظام الحزبي لا يضمن بذاته تحقيق المشاركة السياسية . فهناك بعض النظم الحزبية التي تقلص المشاركة. وقد حدد بعض علماء السياسة عدة عوامل تؤثر علي قدرة النظام الحزبي في استيعاب أو قمع مطالب المشاركة السياسية أهمها :
– القيم التي تتبناها النخبة الحاكمة عند تبلور النظام الحزبي، وهل تشجع هذه القيم علي توسيع قاعدة هذه المشاركة أم تقليصها .
– الاجماع السائد في المجتمع حول موقع قيمة المشاركة وبالتالي حول دور النظام النيابي.
– مدي مرونة النظام الحزبي وقدرته علي استيعاب الاجيال الجديدة الراغبة في المشاركة وتوفير فرص لهم.
علي ان الاستجابة الايجابية من جانب الأحزاب والنظم الحزبية لمطالب المشاركة يمكن تحليلها وفق أكثر من معيار، مثل درجة وصور المشاركة المسموح بها، واختلاف قدرة النظم الحزبية المختلفة علي تحقيقها .
من ناحية درجة أو صور المشاركة التي يسمح بها ، يمكن التفرقة بين المشاركة بالانتماء الحزبي المحدود ، والمشاركة بالانتماء الحزبي الكامل.
ويقصد بالنشاط الحزبي المحدود سماح النظام السياسي للجماعات المختلفة بتنظيم أحزابها الخاصة مع حرمانها من أي نافذة للحكم أو السلطة .
أما الانتماء الحزبي الكامل فيقصد به منح الأفراد والجماعات حقوق المشاركة السياسية الكاملة سواء من خلال الأحزاب القائمة أو إنشاء أحزاب جديدة .
4 – التحديث والتنمية السياسية :
تقوم الأحزاب السياسية بدور هام في تحديث المجتمعات، أي تحقيق التطور من أوضاع تقليدية تقوم علي أعراف موروثة وذات طابع قبائلي أو عائلي أو مستمدة من تفسيرات معينة للدين ، الي اوضاع حديثة تقوم علي مؤسسات يتخصص كل منها في وظائف معينة وسياسات عقلانية قائمة علي الاختيار الشعبي.
وهذا هو ما يركز عليه مفهوم التحديث الذي يعرفه علماء الاجتماع والسياسة بأنه عملية تطور يحدث في ظلها تكيف للمؤسسات مع الظروف المتغيرة التي تنتج عن زيادة المعرفة الانسانية بشكل مستمر مما يسمح للانسان بالسيطرة علي البيئة التي يعيش فيها.
ولذلك يرتبط مفهوم التحديث علي هذا النحو بالتنمية السياسية التي يقصد بها – في ابسط معانيها – ترشيد ممارسات السلطة السياسية وجعل المجتمع أكثر قابلية للمشاركة في صنع القرارات العامة وزياة دور الرأي العام، وتوفير الظروف التي تكفل حل الازمات الناجمة عن التطور السياسي مثل ازمات الشرعية والمشاركة والتوزيع والهوية والتكامل.
واستنادا الي مجمل دراسات التنمية السياسية ، فإن المقومات الأساسية لمفهوم التنمية السياسية التي يفترض أن يسعي اليها المجتمع ، إنما تتمثل في ثلاثة مفاهيم أساسية وهي المساواة والتمايز والقدرة ، بمعني ان يعرف المجتمع قواعد ونظم تتسم بالعمومية وأن يكون هناك نوع من التخصص في الأبنية السياسية ، ويكون للنظام السياسي قدرة علي الاستجابة للمطالب الشعبية .
في هذا الاطار يربط بعض علماء السياسة تحقيق التنمية السياسية بالأبعاد الرئيسية للتحديث الذي سبقت الاشارة اليه ، والتي يمكن ادراجها تحت ثلاثة عناوين أساسية اولها : ترشيد السلطة، بمعني ان تستبدل بالسلطات التقليدية المتعددة (الدينية والعائلية والعرقية) سلطة سياسية موحدة وعقلانية ومؤسسات. وثانيها تمايز وظائف سياسية جديدة، وتنمية أبنية متخصصة لممارسة هذه الوظائف . وثالثها المشاركة المتزايدة في السياسة، من جانب الأفراد والجماعات في المجتمع .
وتؤكد الأدبيات السياسية في هذا السياق علي أولوية توافر النظام العام والاستقرار السياسي في المجتمع علي أساس ان من أهم المعايير السياسية في التمييز بين البلدان المتقدمة وتلك النامية ليس هو شكل الحكم ، ديمقراطي أو دكتاتوري وإنما هو درجة الحكم . أي التمييز بين البلاد التي تتضمن سياساتها الاجماع والعقلانية والشرعية والنظام والفعالية والاستقرار من ناحية، وبين تلك البلاد التي تعاني من القصور في كل تلك الجوانب من ناحية أخري . ومن هنا لا يكفي ان تقوم الحكومات علي انتخابات حرة وعادلة في البلدان النامية. فلكي تكون الانتخابات مجدية لابد من افتراض وجود مستوي معين من التنظيم السياسي، إذ ليست المشكلة في اجراء الانتخابات وإنما في تكوين التنظيمات.
وهذا هو الذي يفسر لنا التراجع الذي حدث في بعض البلاد النامية في سياق عملية التحديث، ، حيث لم تؤد هذه العملية الي تنمية سياسية رغم تحقق بعض مظاهر التحديث مثل التعليم والتصنيع والانتقال من الريف الي المدن، إلا أن ذلك لم يؤد الي تحقيق بعض المظاهر الاخري المرتبطة بالتنمية السياسية مثل الديمقراطية وبناء المؤسسات والتنافس الحر، وانما ادي الي توجه نحو النظم العسكرية ونظم الحزب الواحد، وبدلا من الاستقرار حدثت في بعض البلاد انقلابات عسكرية أو حركات تمرد وصراعات عرقية أو أهلية متكررة .
ومن هنا يؤكد علماء السياسة علي ضرورة تحقيق الاستقرار العام عن طريق إيجاد المؤسسات السياسية مثل الأحزاب التي تنظم عملية المشاركة السياسية .
علي ان الأمر يختلف في البلدان النامية التي تسعي الي التحديث ، ففي سياق ظروف تلك الدول تناط بالأحزاب السياسية وظائف ومهام تتعلق بالتحديث وبالتنمية السياسية لا تقل في أهميتها عن الوظائف التقليدية للأحزاب السياسية، وتضحي الأحزاب – من هذا المنظور – قوي مؤسسية تؤثر علي التحديث والتنمية السياسية وليست مجرد نتاج لهما ، بل أن قدرة المجتمع علي مواجهة أعباء التحديث وأزمات التنمية تتأثر الي حد بعيد بأنواع الأحزاب القائمة فيه ومدي فاعليتها ، ولذلك لم يكن غريبا أن أصبح الحديث عن الأحزاب في الغالبية الساحقة من أدبيات التحديث والتنمية يتم من خلال تحديد دورها كواحدة من أبرز أدوات التحديث .
5 – التنشئة السياسية :
تعد الأحزاب السياسية من أهم وسائل التنشئة السياسية الهأمة في أثناء الفترات الأولي للتنمية السياسية، وذلك باعتبارها من بين المؤسسات القليلة التي تهتم بالتأثير علي الاتجاهات السياسية. وفي البلاد النامية تسعي الأحزاب الي غرس قيم غالبا ما تكون مختلفة عن تلك التي تلقاها الأفراد في طفولتهم. ومن خلال عملية التنشئة السياسية تمارس الأحزاب تأثيراتها علي القضايا بعيدة المدي للتنمية السياسية بشكل عام.
6 – ضمان الرقابة الشعبية :
يكفل تعدد الأحزاب وجود معارضة منظمة تراقب الحكومة، وتنتقدها عندما تنحرف، وتسعي بالطرق المشروعة لكي تكسب أغلبية الرأي العام. وكل ذلك يضمن رقابة الشعب علي أعمال الحكومة. كذلك تساعد الأحزاب علي تحديد المسئوليات السياسية للحكومات المتعاقبة، حيث تكون كل حكومة مسئولة مسئولية سياسية أمام الشعب، هي والحزب الذي تنتمي اليه، عما تقوم به من أعمال خلال فترة توليها الحكم . ويكون للشعب تجديد الثقة بالحزب الذي شكلت منه أو عدم تجديدها في الانتخابات العامة، علي ضوء ما حققته تلك الحكومة من سياسات، وما التزمت به من رعاية مصالح الشعب الهأمة. فالرقابة علي هذا النحو لا يمكن أن تنجز بشكل مثمر إلا في ظل تعدد الأحزاب.
كذلك فإن وجود أحزاب يراقب بعضها بعضا ويكشف بعضها أخطاء الآخر يؤدي الي ان تكون حقيقة الأمور العامة مطروحة علي الشعب، غير خافية عليه ، ومن ثم يستطيع أن يشكل رأيه ، ويحدد موقفه واتجاهه . ومحصلة ذلك أن وجود تعدد الأحزاب أمر ضروري لتحقيق رقابة شعبية.
7 – ضمان سلمية انتقال السلطة :
فتعدد الأحزاب يقدم طريقة سلمية لتغيير القيادات واحلالها من خلال الانتخابات العامة. وبذلك يمكن ضمان الانتقال الشرعي والسلمي للسلطة، بالطريق الديمقراطي الي الحكومة والبرلمان المشكلين من الحزب الذي يحوز ثقة جماهير الناخبين. ويحدث ذلك في حالة تغير اتجاه الرأي العام وفقا للمتغيرات المختلفة من آراء وأوضاع ومصالح اجتماعية وسياسية .
وكذلك يضمن تعدد الأحزاب استيعاب كل أو معظم الاتجاهات في اطار النظام السياسي. أما من حيث لا توجد تنظيمات سياسية تضم المعارضين للحكومة.. عندئذ لا يكون ثمة خيار لهؤلاء المعارضين سوي الطاعة أو التمرد والخروج علي النظام.
8 – توفير الشرعية السياسية :
تعرف الشرعية بأنها البناء الدستوري المقبول من المجتمع، وهي المصدر الذي تستمد منه الحكومة سلطتها النهائية، والمثُل التي تعبر هذه الحكومة عنها .
ويحدد بعض علماء السياسة دور الأحزاب في حل مشكلة الشرعية للنظم السياسية في ثلاثة جوانب متكاملة وهي : نشاط الأحزاب في تعظيم أو ترقية شرعية النظام من خلال حشد التأييد الجماهيري ، ونشاط الأحزاب في تقديم مظلة واسعة من العلاقات المتداخلة ، والتي تجمع بين القطاعات الاجتماعية المختلفة ، وأخيرا ما تقوم به الأحزاب من الالحاح من أجل تقديم أهداف معينة للحكم .
9 – التكامل القومي :
يعني التكامل القومي بشكل عام ادماج العناصر الاجتماعية والاقتصادية والدينية والعرقية والجغرافية في الدولة الواحدة. وهذا المفهوم يتضمن جانبين : الأول قدرة الحكومة علي السيطرة علي الاقليم الخاضع لسيادتها القانونية، وثانيهما توافر مجموعة من الاتجاهات لدي الشعب ازاء الأمة عموما تشمل الولاء والاخلاص والرغبة في احلال الاعتبارات الوطنية فوق الاعتبارات المحلية أو المدنية أو الاجتماعية.
وقد اهتمت غالبية الأحزاب السياسية الحاكمة في كثير من الدول خاصة في آسيا وأفريقيا بتحقيق التكامل القومي من خلال إحكام السيطرة علي كافة أرجاء اقليم الدولة ، والحد من الولاءات الذاتية الضيقة. ولكن يقتضي نجاح الأحزاب السياسية في ذلك أن يكون الانتماء علي أساس البرامج والأفكار والمصالح وليس علي الأسس العرقية أو الدينية أو غيرها من العوامل التي تشيع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
ثالثا : المشاكل والانتقادات التي توجه الي تعدد الأحزاب :
تعرض مفهوم تعدد الأحزاب الي عدد من الانتقادات، يمكن الاشارة الي أهمها علي النحو التالي :
1 – تعدد الأحزاب قد يقود الي عدم الاستقرار الوزاري :
ينطلق هذا الانتقاد من أن تعدد الأحزاب يفترض أن ممارسة السلطة تنتقل من مجموعة الي مجموعة أخري وفقا لتحول اتجاهات الرأي العام مما يؤثر علي قدرة الحكومات المتتالية علي رسم وتنفيذ سياسات متكاملة في الشئون العامة، وخاصة في النموذج الديمقراطي البرلماني .
ومما يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار ، ما يحدث غالبا في ظل تعدد الأحزاب من عدم استطاعة حزب بمفرده أن يحرز الأغلبية المطلقة للمقاعد البرلمانية مما يؤدي الي ضرورة تشكيل وزارة ائتلافية من عدد من الأحزاب قد يكون بينها تعارض، وما يصحب ذلك من تعقيدات ، وتوزيع للمسئوليات ، وخلافات داخلية بسبب الصراع الحزبي، وخاصة عندما تكون هذه الأحزاب المؤتلفة قائمة علي مبادئ أو برامج جامدة، بحيث يكون من الصعب علي أي منها أن ينزل عن بعض مبادئه في سبيل التفاهم مع الآخرين دون أن تتعرض قيادة الحزب لمشاكل وصعوبات في صفوف الحزب وقواعده، فتكون النتيجة تصدع الائتلاف الحاكم وسقوط الحكومة. ومن مساوئ عدم استقرار السلطة علي هذا النحو ، أنه يؤدي الي فقدان روح الاستمرار في الحياة السياسية والادارية ، فضلا عن أنه يحيط النظام بإطار من عدم الثقة قد يدعو الي البحث عن صورة أخري من صور الحكم ، ربما تتجاوز الإطار الديمقراطي .
ولكن يرد علي هذا الانتقاد في العادة بأن ظاهرة عدم الاستقرار ليست مقصورة علي نظام تعدد الأحزاب من ناحية، كما أن هذا النظام ليس العامل الوحيد الذي يؤدي الي عدم الاستقرار من ناحية اخري. ولذلك فليس ثمة ما يدعو الي الافتراض بأن العدول عن تعدد الأحزاب يؤدي بالضرورة الي توافر الاستقرار الوزاري .
2 – مخاطر غياب الديمقراطية داخل الحزب :
لعل أحد الانتقادات التي توجه الي الأحزاب أنها قد تخضع، في الواقع ، لسيطرة وتوجيه نخبة معينة أو قلة من الأفراد تتمثل في قيادات الحزب، مما يؤدي الي الإضرار بأحد المفاهيم الهأمة في الديمقراطية الليبرالية عندما يسود حكم الاقلية بدلا من حكم الأغلبية .
واذا كان هذا التخوف يظل قائما في مختلف أنماط النظم الحزبية، فإن مخاطره تبرز في ظل تعدد الأحزاب، لما يؤدي اليه التنافس الحزبي من تدعيم نفوذ قيادات الحزب، بحيث تسيطر علي شئون الحزب سيطرة مطلقة. ويظهر ذلك ، بوجه خاص ، في عملية الانتخابات، حيث يكون الحزب وسيطا بين هيئة الناخبين وهيئة المرشحين ، وذلك لأهمية الترشيح الحزبي، وإسهام الحزب في تحمل نفقات الدعاية الانتخابية وتعضيد المرشح في الانتخابات . وترتيبا علي ذلك ، يري البعض أنه اذا لم تراع قيادات الحزب اختيار أفضل وأكفأ العناصر الصالحة للترشيح للعمل النيابي والوظائف العامة، أو اذا أساءت هذا الاختيار، بدافع التنافس علي كسب الرأي العام، أو لاعتبارات شخصية ومصلحية ، فإن ذلك يؤدي الي ضعف السلطة وفسادها. كما يقود الي هذه النتيجة، من باب آخر، تركيز السلطة في زعامات الحزب، أو نزوع هذه الزعامات الي خنق حرية النائب عضو الحزب في ابداء رأيه بالبرلمان، وإرغامه علي التصويت في اتجاه القرار الحزبي ، حتي لو لم يكن علي قناعة كاملة بصوابه .
ويرد أنصار تعدد الأحزاب علي هذا الانتقاد عادة ، بأن ارتفاع مستوي الوعي السياسي في المجتمع هو الضمانة لتجنب هذه المخاطر ، وأن الممارسة والمران ، في ظل التعدد الحزبي هما السبيل الوحيد الي ذلك .
3 – مخاطر سيطرة المصالح الاقتصادية الكبري علي الأحزاب :
يثير هذا الانتقاد مشكلة تمويل الأحزاب السياسية. وهي مشكلة تنبع من حاجة هذه الأحزاب الي المال لادارة نشاطها مما يجعلها تلجأ الي الجماعات ذات المصالح الكبري في المجتمع ، مثل المؤسسات المالية والتجارية والصناعية، وهو ما يعتبره البعض مكمن الخطر في الديمقراطيات الحديثة، لأن هذه المؤسسات لا تمد يد المساعدة إلا للأحزاب التي ترضخ لمطالبها ، وتتبني الدفاع عن مصالحها. وقد يؤدي هذا الي تسابق الأحزاب علي ارضاء هذه المؤسسات ، وبالتالي سيطرة رأس المال علي الأحزاب السياسية، ومن ثم علي الجهاز الحكومي برمته . وينتقد الفقه الدستوري والسياسي ، وخاصة في الولايات المتحدة ، التأثير البالغ لرجال الأعمال والمؤسسات الكبري علي الأحزاب عن طريق التبرعات والتمويل .
ويرد انصار تعدد الأحزاب علي هذا الانتقاد ، بأنه من الممكن اللجوء الي علاج تشريعي لهذه المسألة لازالة المساوئ الناجمة عنها ، كأن يكون ذلك بتقرير الرقابة الدستورية علي موارد الأحزاب ، وإلزامها بنشر حساباتها علي الرأي العام .
4 – تعدد الأحزاب قد يؤدي الي نوع من الغوغائية السياسية :
ينطلق هذا الانتقاد من افتراض أن كل حزب ينزع عادة الي مهاجمة الأحزاب الأخري، حتي لو لم يكن ثمة أساس موضوعي لذلك الهجوم، وذلك بغية الاحتفاظ بدرجة من التضامن الداخلي، وتوثيق الشعور بالوحدة داخل الحزب، وتدعيم الالتفاف حول مبادئه وقيادته. وبالتالي تكون غاية أعضاء كل حزب أن ينتصروا لرأي حزبهم وأن يعارضوا آراء الأحزاب الأخري ، سواء اتفق هذا الموقف مع المصلحة العامة أو لم يتفق. وهذا هو ما يطلق عليه الغوغائية السياسية، أي التطرف والتعصب لموقف معين ومهاجمة انصار المواقف الاخري ورفض الاستماع اليهم وتسفيه آرائهم واستخدام لغة حادة في الحوار السياسي. ويرتبط بهذا الانتقاد ، التخويف من أن استفحال الخلافات بين الأحزاب قد يهدد بإشاعة نوع من الفوضي في البلاد .
ويرد علي هذا الانتقاد عادة بأن احتمالات وجود هذه الظاهرة تقل تدريجيا كلما ارتفع الوعي السياسي في المجتمع ، وكلما تمرس الرأي العام بالعمل السياسي الديمقراطي وأن تعدد الأحزاب هو بمثابة مدرسة شعبية في هذا الصدد .
5 – تعدد الأحزاب يرتبط بالتنظيم الرأسمالي للمجتمع:
ويثير هذا الانتقاد قضية أن تعدد الأحزاب ارتبط تاريخيا بالنموذج الرأسمالي ، وأن هذا النموذج علي الرغم مما حققه من نجاح في استغلال عوامل الانتاج ، ورفع مستوي المعيشة. وابتكار وسائل جديدة للقيام بالأعمال، فإنه أدي في نفس الوقت الي عدم المساواة .
ويرد علي هذا الانتقاد ، بأن ثمة محاولات تجري لإقامة تعدد حزبي في ظل اصلاح النظام الرأسمالي ذاته من خلال الاهتمام بالبعد الاجتماعي والتأكيد علي دور الدولة في ضمان شبكات الأمان وبرامج الرعاية الاجتماعية في مختلف المجالات مثل الصحة والتعليم وغيرها، أي بما يضمن مصالح الفئات الاجتماعية العريضة في المجتمع .