تنلقض الديمقراطية
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز ال سعود
الديمقراطية ما وراء البحار تعني تلك التي تدعي البلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية نشرها أو دعمها في الخارج. خطاب الغربيين بهذا الصدد أغرى غالبية المعارضات السياسية في البلدان العربية وغيرها بتعليق الآمال على المساندة الغربية ألمعنوية والعملية لها في تغيير أو إصلاح الحكومات المستبدة في بلدانها.
موقف هذه المعارضات إذاً ليس أحادي الجانب أو مجرد عمالة، وحماس الغرب منذ مطلع التسعينات لنشر الديمقراطية ما وراء البحار يأتي انسجاماً مع نظرية نهاية التاريخ التي عاودت الظهور في نفس الفترة. نهاية التاريخ هنا عنت الانتصار الشامل لليبرالية والديمقراطية عقب انحسار الاشتراكية، و الغرب سعى إلى حشد الجهود في سبيل تجسيد تلك النظرية. فعلى الصعيد السياسي، تم الاحتفاء حينها بما سمي موجة الديمقراطية الثالثة والتي تمثلت بدخول بلدان اشتراكية سابقة وغيرها مرحلة تحول نحو الديمقراطية. وعلى الصعيد الاقتصادي، قدمت مؤسسات صندوق النقد والبنك الدوليين لهذه البلدان برامج ليبرالية متكاملة تعمل على تعديل سياسات وهياكل النظام الاقتصادي تسهيلاً لتحوله إلى اقتصاد السوق.
لكن الليبرالية ما لبثت أن تحولت إلى يمين عنيف دخل في صدام مع الإسلام الراديكالي بحجة محاربة الإرهاب أو مع قوميات لها طموح لاكتساب قدرات نووية (حالة كوريا الشمالية وإيران) أو مع أخرى ذات توجه يساري تسعى لوضع السياسات الاقتصادية والمالية في خدمة حاجاتها الداخلية بدلاً من خدمة مصالح قطاع التصدير (مثال فنزولا، البرازيل، بوليفيا). بدورها عجزت وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين عن إحداث التحول الاقتصادي المزعوم وتراجع دور المؤسستين إلى وظيفة الاستشارة والإقراض كأي بنك.
التاريخ لم ينته إذاً كما افترضت النظرية السابقة، على العكس أقترب سيره من نظرية صدام الحضارات التي ظهرت هي الأخرى في نفس الفترة. وهنا أستمر شعار دعم الديمقراطية بمبرر أنها عامل تخفيف لدوافع العنف الذي يؤدي إلى الصدام. إلاًَ أن للغرب حصة من تلك الدوافع. فعلى الصعيد الاقتصادي، نفوذ اليمين العنيف أنعكس في هيمنة مذهب العرض في النظرية الاقتصادية منذ ثمانينات القرن الماضي والذي يقضي بالتحرير المطلق للاستثمار وحماية شروطه بدلاً من تشجيع الطلب كما كان الحال في المذهب الكنزي. ولأن الاستثمار مع تسارع العولمة ينتشر في كل مكان في الخارج فإنه يجب حمايته أينما وجد وهذا ما يفسر إلى درجة كبيرة الحرب على العراق وأفغانستان وحروب أخرى صغيرة في إفريقيا وغيرها. كما أن الصحوة والتطرف الدينيين لا يقتصران على الإسلام فهما ملحوظين في المسيحية واليهودية، واليمين الديني المتطرف له سعي قوي لتوجيه السياسات الإسرائيلية والأمريكية وجهة صداميه أكثر منها حوارية مع الإسلام.
كل ما سبق يسمح بالقول أن شعار دعم الديمقراطية فيما وراء البحار أجوف، فالموقف الفعلي من الديمقراطية يناقضه بل وينقلب في بعض الحالات على ديمقراطية سليمة الإجراءات. مثال ذلك الانقلاب على سلفادور أللندي في شيلي عام 73 أو أخيراً على حماس في فلسطين أو في دعم السلطة ضد المعارضة في انتخابات 2006 في اليمن