أ.د. أحمد محمد وهبان

ثمة من يُفرِّط في قوة مصر الناعمة

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد الدريهم 1,3,4

ثمة من يُفرِّط في قوة مصر الناعمة

حين زارَ جمال عبد الناصر، الجزائر عام 1963، فوجئت البعثة الصحفية المصرية إبان تنقلها بين العاصمة وتلمسان، والقسطنطينة، وجبال البربر.. فوجئت وهي تستمع إلى الجماهير والحشود الجزائرية تسألها عن الممثل القدير يوسف “بيه” وهبي!.. لمّا حاول أحد رؤساء التحرير فهم سِر اهتمام الناس بيوسف بيه وحده دون غيره من عموم الشعب المصري ومشاهيره، ما لبث أن أجابوه: “نحن في الجزائر تعلمنا حقائق ثورة مصر، وعروبة مصر، وأوضاع مصر، واللغة العربية، والعادات، وكل التاريخ والماضي العربي التليد، من روايات يوسف بيه وهبي”!

والواقع أن “يوسف بيه” كان يعود الجزائر مراراً قبل استقلالها، يقدم على خشبات مسارحها المختلفة الروايات العربية المثيرة التي تتناول كل الموضوعات: الحب والعاطفة، الرجالات والإعلام، التاريخ، الشرف.. والتقاليد، وليطلق صوته الأجش مُجلجلاً عبارته الأشهر في آفاق السينما العربية: “شرف المرأة زي عود الكبريت”!

لم يكن أول دعاة العروبة في الجزائر، الخارجة لتوها من ربقة استعمار استيطاني بغيض طال 132 عاماً، سوى الفــنان يوسف وهبي وأعضـاء فرقـته المسـرحية المُكونة من جـورج أبـيض، أميـنة رزق، زوزو شكيب، وأختـها ميـمي شكيب.

أما عمرو أديب، كان عشية “نزال السودان”، يؤدي وَصلته من الكليشيه الشوفيني المقيت، مدفوعا باستسهال مهني، ومعرفي، وأخلاقي ذريع.. حتى لو حَمَله ذلك على تزوير التاريخ، والادعاء بأن عبد الناصر هو من “أوفد إلى بلادهم المدرسين المصريين كي يضعوا على ألسنتهم اللفظ العربي”!.. مُختصراً كل جهاد الجزائريين؛ عرب وفرانكفونيين وأمازيغ، ممن تعلموا وعَلّموا اللغة العربية في أقبية مدارس شبه سريّة، تجرعوا لأجلها مرارات السجن والتعذيب!.. وقتها: الصرامة الوحيدة التي حضرت كانت شدة عناية “أديب” في إرسال ألفاظ التجريح والبذاءة.

كان المذيع في “النيل الرياضية” إبراهيم حجازي، قد انفلت بدوره من أي عقال، وانطلق يستأسد في تبشيره الشوفيني البغيض، حد الهوس، في حفلة تحريض واصطفاف، استطاع بصوته “الملعلع” أن يشد إليها أسماء لها قيمتها من وزراء وسفراء وفنانين، كلهم انضموا، في لحظة غرائزية، إلى جوقة التعالي وقطيع التجريح.

فيما كان ثمة من يتحدثون بعقلانية، لا تنجرف خلف عاطفة، ولا تنزلق في خندق الغوغاء، أمثال منى الشاذلي ومحمود سعد، بل إن “دريم” كانت تعرض لقاء مع مفكر يساري في حجم جلال أمين، ليُعلق على الأحداث من انطلاقات معرفية رصينة.. كنا ندرك أن كل هذا لا يعلق في الذاكرة إزاء سيل سُباب وإثارة وتحريض عمرو أديب – الأشد تأثيراً بالمعايير الجماهيرية.

هذه السقطات اللفظية، التي تقرُ بهمجية جنسيات بعينها، وتأهبهم الدائم إلى “فقء العيون” وشغفهم للممارسات “البربرية”، تكشف عن لا وعي شوفيني، متورط في آفات التعميم والعنصرية. سقطات لا تتسق مع أي نظرة موضوعية أو أخلاقية، ولا يُمكن تبريرها ضمن أي مُبررات!.. أما الأخطر أنها تُضعِف من قيمة مصر في الوجدان العربي!

وهي ليست ظاهرة “عمرو أديب” فحسب!

كان الروائي يوسف زيدان، قد كتب في “المصري اليوم” مقالاً بعنوان “ذكريات جزائرية”، أقرب إلى الصدمة، لما يفيض من كراهية وشوفينية واستسهال معرفي، اعتبر فيه الجزائر بلد عنف أعمى لا يعرف النظام، ورعاياه همجا يهيمون في القِفار. مقال أشبه بالصفعة، التي حملت الكاتب الجزائري، ياسين تملالي، على الرد مفجوعاً، تحت عنوان “حتى أنت يا يوسف زيدان؟”..
اختيارٌ يستبطن حمولات الشعور بالغدر والخيانة، ولا شك!
كان منطق الزيدان يقوم على أن كل منافسة عربية لمصر، انما هي ضربٌ من ضروب الهوان وجور الزمان، حيثُ لا يحقُ لأي دُول “وليدة” تملؤها “بحور الرمال” وتقطنها “شعوب بدوية”، و”لا يعرف تراث (مصر) أسماؤها الوليدة حديثاً”، بل لقنها عبد الناصر تاريخها ولغتها وصنع ثورتها الحديثة.. لا يحق لها المنافسة، بل لا يجوز لها أن تكون خصماً لمصر “التي لم يعرف الزمان كفؤاً لها في هذه البلاد المجاورة”!

شوفينية متعالية، كان إبراهيم عيسى، في افتتاحية “الدستور” المصرية، هو من فضَحَ زيفها وادعاءها، وقرأ اللامُصرّح فيها، قائلاً تحت عنوان “الحقيقة التي لا تريد أن تعرفها”: “شيء ما في إلحاح المصريين على طلب اعتراف الآخرين بفضل مصر، يُشبه تلك المرأة العجوز المسنّة التي تريد ممن حولها أن يتذكروا كم كانت جميلة”.

ثمة أسماء مسؤولة، أثبتت أهليتها لحمل صوت مصر الحقيقي.. سواء بالنيّة الحسنة، أو لإدراكهم خطورة إهدار مصر لقوتها الناعمة في الدوائر العربية. حتى إن بعض المخرجين ممن تضامنوا في وقفة احتجاجية بمكتبة علي بدرخان بالقاهرة، صرّحوا بأن “إغلاق السوق الجزائري في وجه الفن المصري مُجازفة لا يعرف المتعصبون قدرها”، سواء كان ذلك مقداراً تجارياً، أم بحسابات القوة الناعمة.

كان ممن أعلنوا رفضهم القاطع لتلك المهزلة، مخرجون كبار يتصدرون المشهد السينمائي الجاد في مصر، من وزن؛ علي بدرخان، يسري نصرالله، كاملة أبوذكرى، أسامة فوزي، خالد يوسف، وممثلون؛ عادل إمام، محمود حميدة، وعمرو واكد، وخالد أبو النجا.. أسماء كانت تدرك قيمتها وجماهيريتها في أوساطها العربية، بل والعالمية، لم تنجرف وراء قطيع هائج، غلّبَ الديماغوجي على الموضوعي، فطفق إلى إرسال الشتائم البغيضة.

إذا كان عزت أبوعوف، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، قد مَنَع عرض الأفلام الجزائرية المجدولة سلفاً، وظهرَ متوتراً على الشاشة، تعوزه أطر اللياقة الدبلوماسية، ناصحاً السينمائيين الجزائريين بالانسحاب منعاً “للاستفزاز”، فإن “أخبار الأدب”، بدورها، أفردت مساحة واسعة على صفحاتها لكُتاب جزائريين مرموقين كالطاهر وطّار، وسليم بوفنداسة، وأحلام مستغانمي، التي كتبت، مُعترضة على “الإخراج القسري لمصر من الوجدان الجزائري”!

إذا كان البيان الذي صاغه المخرج أمير رمسيس، ووقعه أكثر من 300 فنان، متبرئاً من “السباب الموجه إلى صميم الدولة الجزائرية”.. فإن لا بيان يمكن أن يمحو فداحة ما كتبه حائز (بوكر) العربية، الذي يبدو، أنه فات عليه أن الثقافة موقف، قبل أن تكون إبداعا.

كان الأحرى بمن واجَه هجمة متعصبة أعقبت صدور روايته “عزازيل”، وكتب مُدافعاً أن “العنف لا يرتبط بجوهر الديانة”، أن يسحب موقفه دائماً، ويعترف بأن العنف ليس من جوهر أي انتماء جهوي بعينه!

إن أشد المعجبين برواية “عزازيل” وباقي حفريات يوسف زيدان المعرفية في الحقول الصوفية، سيتردد كثيراً إزاء إنتاج الزيدان القادم، ليس من موقف “المقاطعة” الهزيل، قدر ما هي عِيافة أصحاب المواقف المُزوَّرَة!
نقلا عن “الوطن” السعودية

Leave a Comment