حكم الشورى وفوائدها
كاتب الموضوع الأصلي: نواف محمد الغفيلي
حكم الشورى وفوائدها
أولاً: حك الشورى:
لمكان الشورى في الإسلام، واعتبارها دعامة وركيزة أساسية في بناء الدولة الإسلامية، ولعظيم شأنها في وحدة الأمة، وإعداد قيادتها، ولتعلقها بمصالح الأمة المختلفة، والمصيرية من السلم والحرب، والمعاهدات وغيرها، … اعتنى علماؤنا ـ رحمهم الله ـ في إظهار حكمها.
وقد اختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في حكم الشورى بالنسبة للحكام على قولين:
القول الأول: الشورى واجبة على الحاكم، وإلى هذا ذهب كثير من السلف، وعامة المعاصرين([28]).
القول الثاني: الشورى مندوبة للحاكم، وإلى هذا ذهب الشافعي، وقتادة، والربيع، وابن إسحاق([29]).
فإذا كانت الشورى واجبة كان الحاكم ملزماً بالأخذ بها، وإلا ترتب على عدم الأخذ بها إثم وعقاب.
وإذا كانت مندوبة، فلا ضير بتركها من قِبَل الحاكم.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن الشورى واجبة على الحاكم بالقرآن الكريم والسنة كما يلي:
أولاً: القرآن الكريم:
1. قال الله تعالى: } فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّواْ مِن حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ {([30]).
وجه الدلالة: هذا النص صريح في وجوب المشاورة؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب، إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك، ولا قرينة صارفة عن الوجوب هنا([31]).
قال الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ: ” ظاهر الأمر للوجوب فقوله: } وَشَاوِرْهُمْ{ يقتضي الوجوب “([32]).
2. قال الله تعالى: } وَالذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ {([33]).
وجه الدلالة: قرنت الآية الكريمة الشورى بين المسلمين بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة المعبر عنها بالإنفاق، فدل ذلك على أن حكم الشورى كحكم الصلاة والزكاة، وهما واجبتان شرعاً، فكذلك الشورى واجبة شرعاً([34]).
ودل هذا على أنه إذا كانت الصلاة فريضة عبادية، والزكاة فريضة اجتماعية، فإن الشورى فريضة سياسية([35]).
قال الجصاص ـ رحمه الله ـ بعد شرحه لهذه الآية: ” يدل على جلالة موقع الشورى ذكره لها مع الإيمان، وإقامة الصلاة، ويدل على أننا مأمورون بها “([36]).
ثانياً: السنة:
استدل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على وجوب الشورى بمواظبته r عليها، وكتـب التاريـخ، والحديث، والتفسير مليئة بالنماذج، والتي منها:
1. مشاورة النبي r لأصحابه y في غزوة بدر لخوض المعركة([37])، وفي قبوله مشورة الحباب في النزول عند ماء بدر([38])، واستشارته في شأن الأسرى([39]).
2. استشارة النبي r لأصحابه في غزوة أحد في مكان ملاقاة العدو، أفي المدينة أم يخرجون خارجها لقتاله؟ وقد رأت الأغلبية الخروج؛ حتى لا يقال عنهم إنهم جبنوا عن لقاء العدو([40]).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الشورى مندوبة للحاكم بالقرآن الكريم والسنة، كما يلي:
أولاً: القرآن الكريم:
إن الأمر في قول الله تعالى: } وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ{([41]). للندب وليس للوجوب؛ فقد نُقل عن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ قوله: ” نظير هذا قوله r: ” البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا”([42])، إنما أراد استطابة نفسهـا، فإنها لو كرهـت، كـان للأب أن
يزوجها؛ وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أُمر بذبحه “([43]).
ثانياً: السنة:
إن الشورى لو كانت واجبة لفعلها النبي r في كل الأمور، وواظب عليها، ولكن ثبت أنه ترك المشاورة في المسائل الكبيرة؛ مثل صلح الحديبية، وقتال بني قريظة([44]).
المناقشة:
نوقشت أدلة القائلين بأن الشورى مندوبة بما يلي:
1. إن الاستدلال بآية سورة آل عمران باعتبار الأمر للندب: لا نسلم؛ به إذ إن القول المنسوب إلى الشافعي ـ رحمه الله ـ أن الأمر في } وَشَاوِرْهُمْ { صرف عن الوجوب إلى الندب قياساً على قوله: ” البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا ” يعتبر قياساً مع الفارق؛ لأن الشورى أمر عام، والمقيس عليه أمر خاص، ثم إن حكم المقيس عليه ليس محل اتفاق([45]).
ويرد كذلك القياس بالندب على استشارة سيدنا إبراهيم عليه السلام لابنه، أنه قياس غير سليم، فرؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو يذبح ولده بكره إسماعيل عليه السلام، تكليف لإبراهيم عليه السلام، وابتلاء له، وهو كذلك وحي إلهي، والأمر الإلهي الموحى به لا يشاور فيه أصلاً، فقول إبراهيم عليه السلام لابنه من قبيل الإخبار بالأمر، والتكليف بالذبح، فهو على سبيل الإعلام ليس إلا([46]).
2. بالنسبة للاستدلال بالسنة على أن الشورى لو كانت واجبة لفعلها النبي r في كل الأمور، حيث ثبت تركه لها في صلح الحديبية وبني قريظة:
فيرد عليه أن النبي r لم يشاور أحداً من المسلمين في صلح الحديبية حين أبرمه؛ لأن الصلح أمر رباني، والأمر أصبح فيه وحياً؛ يدل على ذلك قوله r حين اعترض عمر بن الخطاب t على الصلح: ” إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهُ، وَهُوَ نَاصِري “([47]).
أما في قتال بني قريظة، فأمر النبي r بالمسير إلى بني قريظة دون أن يستشير أحداً؛ لأنه كذلك أمر رباني؛ إذ إن جبريل عليه السلام جاء النبي r قائلاً له: ” وَضَعْتَ السِّلاحَ؟! وَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ r: ” فَأَيْنَ؟ ” فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله r، فنزلوا على حكمه “([48]).
الترجيح:
إن الناظر في أقوال الفريقين، وأدلتهم يتيقن جازماً رجحان الرأي القائل: إن الشورى واجبة، وذلك لما يلي:
1. قوة أدلتهم الثابتة من القرآن والسنة، وسلامتها من أي اعتراضات حقيقية.
2. إن القول بأن الشورى مندوبة، يؤدي إلى استبداد الحاكم، وانفراده في تقرير مصير الأمة، فتصبح الشورى خاضعة لمزاجه، مما يفقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويبعث العُجب والغرور في نفس الحاكم([49]).
3. إن ترك الشورى يفقد الأمة كفاءاتٍ كان بإمكانها أن تستفيد منها.
ثانياً: من فوائد الشورى:
بعد بيان أهمية الشورى، واعتبارها دعامة في حياة الأمة، وبعد استجلاء حكمها، يجدر بنا أن نتحدث عن فوائدها، ومن أهمها:
1. إن الشورى طريق إلى وحدة الأمة الإسلامية، ووحدة المشاعر الجماعية، من خلال عرض المشكلات العامة، وتبادل الرأي والحوار([50]).
2. الشورى خير وسيلة للكشف عن الكفاءات والقدرات، وتحقيق الأفراد لذاتياتهم، وما أوتوا من مواهب وملكات؛ كي تستفيد الدولة والأمة من كافة طاقات أبنائها، ولاسيما في شئون الحكم والسياسة([51]).
3. الشورى آلية للتوصل إلى توافق بخصوص اختيار البديل الأمثل من بين عدة خيارات مطروحة، فَلُبُّ الشورى هو المشاركة في القرار السياسي وغيره، وهي آلية المشاركة مع الإبقاء على التعددية والتمايز([52]).
4. إنها خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، وتدريبها على تحمل التبعات، كما أنها تُعَوِّد الأفراد على العطاء، وعلى الانتماء لجماعتهم ووطنهم، وتحمل مسؤولياتهم تجاه هذه الجماعة([53]).
5. تدرب الشورى المستشار على المساهمة في الحكم والإدارة، وتثريه بالتجربة وجودة الرأي والتفكير من خلال ممارسته للشورى([54]).
6. إن ممارسة الشورى في كل جوانب الحياة يمثل للأمة المسلمة مدرسة تستطيع من خلالها تحقيق آراء قوية وسديدة توصلها إلى طريق النصر والتمكين، كما نال بها المسلمون الأوائل، الظفر والأمن.