خطأ طبي .. وبتر للحياة
كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الجنيدل 8
خَطَأ طِبي .. وَبَتْرُ لِلْحَيَآة
أن يحوي قلبي الصغير على اهتمامات فاترة .. على خيالات واسعة .. على استنطاقات تحتاج إلى التعبير .. على مكبوتات تحتاج إلى نَفَس نقي .. على مبعثراتي وأفكاري الطرية .. على مصنوعات في أعلى بيتي الصغير .. كلها اجتمعت في حطام شخصي المتراكم شظاياهـ .. الذي ما اعتلت هامته إلا بأفكار تسبق عمرهـ الفتي .. بداية تلوح .. ومظاهر تقترب من الوضوح .. مطلعها كانت لي براءة تحمل في طياتها أحلام يُؤمل تحقيقها في وقت تلمح الدنيا لعابريها بأن مفاتيح الأحلام مصوبة .. وأقفالها مستأثرة .. وبحسب تلك المعادلات الثخينة .. فإن القوى التي آمل أن أستفرد بها .. وأجعلها محطًا لأنظاري .. تحتاج لعمل مرهق .. أن تصبح آمالي المحاطة بوخزات الألم .. على كف وطأة لا تقبل القسمة على اثنين .. فحتمًا أُقر وأشهد على أن خطوات الميل للاستقرار على سلكـ درب الوصول للمنى بدا في غاية الضبابية .. لكن كم كان الناجحون قد سعوا وكافحوا وجابهوا .. ولقوا سيل المعاناة الذي لا ينتهي شرخه .. ولا ينطوي اختلاله .. فكان النجاح المكلل بالعظمة والأثر إلى الأبد هو نتاج ما لقوهـ من كبد .. أيامي التي تَمر مر السحابة على السماء الصافية .. جعلتني في حالة أرقٍ فكري .. واختلال التوازن هو الذي يسيطر على كياني .. ليس اختلال توازن يحد من فعالية الثبات .. ولكنها الأفكار التي يتبعها بائس مثلي تجدهـ يشطح كثيرًا بخياله وطموحاته .. التي تجعل منه في حالة خروج عن مألوف طغى وارتسم شعاعها على مخيلته البارقة بكل ما هو مسيّر لما يريد .. إن أي سُحب تلبدت بها الغيوم .. تُرى كمثلٍ ساطع لا يقبل الجدال حيال محاولة السماء وجَهَدِهَا في قشع السحابة .. وتخطيها كل المطبات التي تحول .. والتي تردع .. بالضبط كان هذا المشهد خصيصًا كأني أراهـ وهو يستحثني على المسير دون توقف .. يدعوني لردم هوة الحماس وجعل أغصانه تتماسك .. لكن يبدو أنها الأقدار التي جعلتني أقف في محطة الدراسة الجامعية .. و التي تجعلني أدخل في صميم الدراسة الأكاديمية الشاقة .. التي تتطلب همة مضاعفة .. وعمل دؤوب .. ووازعي الداخلي أجدهـ يطمح للعلا .. فكانت الفكرة التي عُرضت .. والترحيب الذي قوبل .. والأثر الذي شوهَد عاملاً لغمر المعنويات في قلب لا يمل ولا يكل عن المحاولة .. التي لقيت النتاج .. وأجادت في السقي على البذور الخصبة التي آتت ثمرها اليانع .. و أجد رسمًا تصاعديًا يحدد لي المفازة .. ويقر بأن النجاح قد سلك منهاجه .. فتلك روافد لي للاستمرار .. للمثابرة .. لجعل نسائم الهواء المنعشة .. وكل أدوات الحياة المتاحة .. تنصب في خانتي .. وأسخرها للرفعة من شأني وشأن أحبتي ووطني .. كان الخلاص بأن كانت فكرتي المبعثرة .. واختراعي الذي يتحين صافرة الانطلاق قد كانت له الأولوية العالمية .. والسبق في أثرهـ الذي لاح و استوى على سوقه .. فكان هذا الإختراع سببًا لجعل اسمي ذائع الصيت في بلدٍ يبرز فيه المبدعون صوب كل مجال .. فكان وجودي بينهم رفعة لي .. ونشوة تغمرني في فؤاد تفننت الأيام فيه وجعلته في طورِ التشتت إلى أن رأى سعيه المطرد .. الذي يتذبذب بين حماسٍ طاغ .. وفتور يجعل مياهـ العزيمة في ركود .. وهاأنذا أعيش أيام الخلود الجميل .. والربيع الذي يشعرني بأن التفاؤل الذي كنت أرتجي منه الوصول للهدف .. كان بفضل من الله ومنة .. أيام أعيت في السابق أن تجيء .. ولكن كان للإرادة الكلمة العليا .. والتي باركها التوفيق الرباني .. ولكن مع مرور الوقت الذي أعيش فيه انتعاشة النجاح الكبير .. كانت اللحظة الطبيعية التي شعرت فيها بألم وخزني في قدمي التي جادت في الرواح والقدوم .. في الوقوف والقعود .. جعلتني أهب للذهاب إلى المشفى الذي يبعد عن داري أميالاً وكأني في تلكـ اللحظات وأنا أقود السيارة .. تبدو في مخيلتي بأن العطاء الذي يُشاهد من قبل دولتي الوفية تجاهـ مواطنيها .. والخدمات التي تطال الوصول إلى رفاهية تلتصق تفاصيلها في كل حياة الأفراد .. أجدها في وهلة اللحظات الخاطفة بعد أن اشتد ألم قدمي .. واحتجت لحيز صغير .. وطبيب على قارعة الباب يكشف عن ثخانة الجرح .. حينها بدوت كالغريب الذي يستجدي عطف ربُ المنزل للبيات في دارهـ .. فكانت لحظة الألم المفصلية في حياتي .. والانتظار الذي أخافَ فرد لا يود أن تأتيه العثرات لتحول بينه وبين أحلامه الذي تراودهـ في صباحات غادية .. ومساءات تهفو للعشي البهي .. دقات قلبي المتسارعة تفتزع للاستعجال .. وحالي في تلكـ الأثناء في ذبول مخيف .. حانت ساعة السماح لي وأنا أشعر أن الألم قد انتشر و عثا في منطقة يبدو فيه الجسم أنه منهك لأجله .. دلفت إلى موضع الكشف لدى الطبيب .. فأخذ في البحث عن السبل التي جعلت الألم في هذا الانعطاف الرهيب .. فأخبرني بأن العملية الجراحية في موضع الألم هي حتمية لا مفر منها .. فوقعت على الفور .. و في حينها كان الإرتباكـ النفسي .. والإنهاكـ البدني .. في حمى كاملة .. باعتصارات القلب الضعيف الذي يزداد خفقاته .. في ثوانٍ معدودة وبعدما أُدخلت لغرفة العمليات المرعبة .. كان ساعة الحقيقة التي منها تجرى العملية التي أتت بعد كرٍ وفرْ خلف أناس لا يرتجون الرحمة في المرضى .. ولا يحيطون ـالمصاب بالعطف الصحي .. لا يهم ذلكـ طالما أني وجدت الحيز لدي للعلاج .. ولكن أي عملية ستحدث عندما أُخبرت بأن قدمي قد استفحل فيهما المرض .. وأي مدة قد تزيد سيمتد الألم وينتشر في سائر البدن .. القرار الأنسب هو بتر الساق .. وخطأ طبي أقر على عمله الطبيب .. بهذا التأخير .. وكلها صواعق تهب على فرد أصبحت الصدمات والأحزان شكل في حياته ولون في أيامه المقبلة .. أي حسرات تجتاحني .. وأي عبرات تخنقني .. وكم هي الدقائق والساعات التي ستتطلب مني الرضوخ إلى واقعي الجديد .. أن تصبح الدنيا في أوقات تدني لكـ الفرح تارة .. وتقدم لكـ الأحزان في حكايات وأوقات متنوعة .. فتلكـ حقائق تعتلي .. وأقدارًا توزع .. ولكن أي فوضوية أراها .. وأي ضحايا كنت أنا بينهم حينما لفحني الخطأ الطبي المشؤوم .. وأجرمت بحقي يدٌ خبيثة لم تراعني في الله حق رعايته .. فكان البؤس هو مساري .. والحرقة في الفؤاد تبقى مسيطرة على زمام حياتي .. كم كنت أسمع عن الفوضى في دوائر الوزارات .. وقطاعات الحكومة .. لكن أجد صحة البلد باختصاصها وكأنها أثبتت لي شخصيًا بأنها تسير في قافلة ركب التخلف والبيروقراطية الهوجاء .. أثبتت لي الصحة بقطاعها المنطوي تحت لواء عدم الكفاءة .. وسريان العلاج على أيدٍ تستحق البتر مثلما بُترت قدمي التي تجزأت في محيط لوحدها .. وخلّفت الحسرات المتواليات لشخص أصبح ناقص الأركان .. بعدما كان ينظر له بعين الرضا و الامتنان ..
بقلمي ،،
أحمد الجنيجدل
2010