أ.د. أحمد محمد وهبان

سياسه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كاتب الموضوع الأصلي: تركي المحيميد 1

سياسه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

عمر إبن الخطاب أحدَ كبار الصحابة و رمز من رموز الاسلام و أحد العمرين الَذَين دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأيد دينه بأحدهما ، فأيد الله دينه بإسلام عمر إبن الخطاب ( رضي الله عنه ).
منذ شبابه عرف بالغيرة و الصرامة والشجاعة:
رغم كونه شاباً في عصر الجاهلية كان لعمر مكانته الخاصة في مكة بين بني جلدته، و كان اسلامه تحولاً نوعياً في تأريخ ومسار الدعوة الاسلامية و كان لاسلامه حكاية خاصة ، حينما خرج يوماً متوحشاً سيفه يريد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) و لقيه (نعيم بن عبدالله) فقال له :أين تريد ياعمر؟ فقال : أريد محمد … الخ.
و بعد اسلامه لازم عمر الرسول حتى وقت وفاته و صحبه فأحسن صحبته، و شهد أكثر الغزوات، و روي عن الرسول( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( عمر معي و أنا مع عمر، و الحق بعدي مع عمر حيث كان) .
و نرى في كتب السير أن أبابكر( رضي الله عنه ) يستشير العمر في النوازل والطواريء و كان عمر لأبوبكر بمثابة الذراع الأيمن .
و كان زمن خلافته عشر سنين و ستة أشهر، أي من سنة 13 إلى 23 الهجرية و فعل كثيراً في تلك السنوات ، و توسع رقعة الخلافة الاسلامية ، نصبه أبوبكر خليفة للمسلمين لما توسم فيه الكفاية و الاهلية ، نصبه لما رأى فيه أنه رجلاً يكون شديداً في غير عنف و ليناً في غير ضعف .
و رغم توفر هذه الخصال في شخصية عمر، استشار الخليفة الاول كبار الصحابة حول تعين عمر خليفة له وأميرا للمسلمين ، و من بين الذين استشار بهم( عبدالرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، أسيد بن حضير الانصاري، أبوبكر بن سعيد) .
هذه نبذة عن حياته و كيفية توليه الخلافة ، أما عن كيفية ادارة الحكم في عصره ، نستخلص سياساته في النقاط التالية ، أو بالأحرى بعض سياساته في النقاط التالية :
* توسع في الفتوحات ،اذ فتح بلاد الفرس و الشام و فلسطين و بيت المقدس، و مصر و كبح جماح الروم و اسقط امبراطورية الفرس و حرر الناس في الاراضي التي يُسيطر عليها .
* أقر مبدأ عدم توزيع ( اراضي بلاد الفارس و العراق التي فتحت) على الجند و تركها للسكان المحلين و أخذ الخراج منهم ، و بهذا طبق الآية الكريمة ( لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) و ورثها الآهالي الذين أسلموا جيلاً بعد جيل .
* كان ( رضي الله عنه ) يعطي ولاته و عماله الكفاف من العيش و المعاش و لا يتوسع عليهم، خشية الفتنة .
* يستفسر عن الولاة من طرق الوفود و سؤال الرعية عن امرائها و أتبعه(عثمان بن عفان) في ذلك من بعده غير أن ذلك أدى إلى عكس ما كان يرجوا منه، اذ كثر الدس على هؤلاء الولاة ، واتخذ المغرضون من ذلك سبيلاً للحط من شأنهم( خاصة في عهد عثمان ) .
* يضرب على أيدي المعتدين و يكف المفسدين و يرد الحق إلى نصابه و كان في هذا جريئاً و لا يخاف في الله لومة لائم .
* اذا قسا في عقوبة شخص ، فانما يفعل ذلك ليزجر غيره عن الوقوع في المعصية .
* صاحب رأي ثاقب واجتهاد بارع و لم يفارقه طوال حياته ؛ من تلك المواقف و الاجتهادات : أوقف تطبيق الحكم لعدد من الآيات القرآن الكريم عندما فقه الواقع فلم يجد شروط تطبيق الحكم متوافرة فيها … و ظل الحكم خالداً و دائماً ، كبقية التشريعات اللاهية مع تعليق تطبيقها بتوافر شروط التطبيق في الواقع أو تخلفها، مثل عدم قطع يدالسارق في عام الرمادة .
و أوقف زواج الملسم بالكتابية ، خشية انتشار الفتنة بين المسلمين، و أوقف سهم المؤلفة قلوبهم في أصناف الزكاة .
* كان ( رضي الله عنه ) حريصاً على كرامة لمسلمين و عزة نفوسهم ، و يحميهم و ينتصف لهم من عدوان الولاة والارستقراطيين منهم ، كذلك كان أحرص الناس على أموال الناس و مصالحهم .
* عرف بالعدل و الانصاف و الحرص على دفع اعطيات المسلمين إليهم في مواعيدها ، لا فرق بين عامة وخاصة، ما كان يعفي أي انسان مهما عظمت منزلته مما يستحقه من العقوبة .
من باب الفكاهة روي عنه أنه قال ذات يوم لرجل : إنّي لا احبك .
قال الرجل : هل تنقصني من حقي شيئاً ؟
قال عـمـــر : لا .
قال الرجل : فما يفرح بالحب بعد هذا إلاّ النساء .
* كان ( رضي الله عنه ) زاهداً وارعاً و يتجلى ورعه في تعينه عدداً من الحصابة ليستخلفوا من بينهم واحداً منهم عدا إبنه(عبدالله) و حينما سألوه عن امتناعه عن تنصيب ابنه فأجاب بقوله الشهير : ( بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد و يُسال عن امر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي و حرمت أهلي ، و أن أنجو كفافاً لا وزر ولا اجر أني سعيد ) .
* انتهج ( في سياسته ) نهجاً جديداً و جيداً لانتخاب الخليفة من بعده اذ عدَ ( بعد الحاح من الصحابة ) عدداً من الصحابة و وصفهم ( بهؤلاء الرهط الذي مات الرسول( صلى الله عليه وسلم ) وهو عنهم راض و قال فيهم أنهم من اهل الجنة ) و هؤلاء الرهط هم ( علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفان ، و سعد بن أبي وقاص، و عبدالرحمن بن العوف ، و طلحة بن عبدالله ، و عبدالله بن عمر على ألاّ يكون له من الأمر شيء) و وضع آليات عدة لانتخاب الخليفة منها :
جمع عمر هؤلاء الصحابة و أوصاهم و قال لهم : ( إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس و قادتهم، لا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم ، و قد قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو منكم راض، إني لا اخاف الناس عليكم ان استقمتم، و لكن أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس .
فإذا مُتُّ فشاوروا ثلاثة أيام ، و لا يأتينكم يوم الرابع إلاّ و عليكم أمير منكم ، و يحضر عبدالله بن عمر مشيراً و لا شيء له من الأمر (1) .
* و من سياساته الشهيرة أنه حجر على كبار الصحابة و منعهم من الخروج من المدينة إلى الولايات ، لما جاء عثمان ( رضي الله عنه ) رفع الحجر عن هؤلاء الصحابة فخرجوا إلى الولايات فالتفت الناس من حولهم و افتتنوا بهم ، كما افتتن كبار الصحابة بما رأوه من الوان النعم و مظاهر الحظارة في البلاد التي خرجوا إليها، و هذا ما كان يخشاه حين منعهم من الخروج إلى الولايات .
* استعمل العرب و المسلمون في عهده السفن و ركبوا البحر و لكن أنكر عليهم عمر ركوبهم و عاقب القادة الذين ركبوا البحر دون اذن منه : و شاور أهل الخبرة حول ركوب البحر و منع ركوبه حرصاً على أرواح المسلمين و جنده .
لما فتح الشام ، شاهد العرب سفن الروم ، فتطلعت انفسهم إلى مجاراة أعدائهم ، و ألح معاوية على عمر في أن ياذن له بغزو بلاد الروم بحراً لقربها منه ، فطلب خليفة الراشد ( عمر) من عمرو بن العاص والي مصر أن يصف له البحر و راكبه ، فكتب إليه عمرو : ” يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ، ليس غلا السماء والماء ، إن ركد أحزن القلوب و إن ثار أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة ” .
(هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق و إن نجا برق ) فلما جاء هذا الكتاب كتب عمر ( رضي الله عنه ) إلى معاوية يردعه عن ركوب البحر قائلاً : لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلما ابدا. (2)
* هذا و غيره كثير من نماذج سياسته ( رضي الله عنه ) في إدارة الحكم زمن خلافته .
و نختتم الحديث حول هذا الموضوع برواية لطيفة : ( وردت في تأريخ الطبري 5 : 42 ) حيث تتجلى فيها سعة صدره و رفقه و قبوله للنصيحة : … روي عن عمران بن سوادة قال : صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان ( أي سورة الاسراء) و سورة معها ، ثم انصرف ، و قمت معه فقال ( أحاجّة ؟ ) ، قلت : ( حاجّة ) قال : ( فالحق ) فلحقت فلما دخل اذل لي فاذا هو على سرير ليس فيه شيء فقلت :
( نصيحة) فقال : ( مرحباً بالناصح غدواً و عشياً ) قلت : ( عابت أمتك منك أربعاً ) فوضع رأس درته في ذقنه، و وضع أسفله على فخذه ثم قال : ( هات ) قلت : ( ذكروا أنك حرمت العمرة في أشهر الحج ، و لم يفعل ذلك رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) و لا أبو بكر ( رضي الله عنه ) و هي حلال ) ( و ذكروا أنك حرمت متعة النساء ) و ذكر أشياء أخرى .
فأجابه عمر عن كل منها و شرح له حكمته فيها و الأسباب التي دعت إليها فاطمأن ابن سوادة و زالت الشبهة .


مراجع :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تأريخ الاسلامي السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي / ج1 / ص 254 ــ 255 .
(2) المصدر السابق ، ص482 .

Leave a Comment