شخصية الرسول السياسية
كاتب الموضوع الأصلي: عبد الله المطيري 81
المقدمة
نريد بالسياسة هنا: تدبير شؤون الدولة بحكمة وذكاء وحنكة.
وفي ضوء هذا المفهوم للسياسة يظهرُ لنا أن السياسة لا يتعلَّمها المرءُ في كتاب أو في مدرسة بقدر ما تنضحُ بها فطرته، وإن كنّا لا ننكرُ دورَ العلم في صقل الفطرة والتسامي بها.
ورسول الله (ص) قد وهبه الله تعالى من الذكاء الفطري، والحكمة الفيّاضة، وبُعد النظر، وحسن التصرُّف في الأمور ما يقصرُ عنه كل وصف، وإن تصفح سيرته الشريفة يُظهر لنا هذا بكل وضوح.
1_ سياسته في بناء الدولة:
أ_ دولة عقدية: الدولة المثلى هي الدولة التي لا تقتصرُ أهدافُها على توفير الرفاهية الماديّة لشعبها، بل التي تجعلُ في طليعة أهدافها بناءَ شعبها بناءً فكرياً سليماً، لأنه بالفكر السليم تبنى الحضارات، وترقى العلوم، وتُحلّ جميع المشكلات، وتتقدم الأمم.
والعقيدة هي المنطلق الأساسي لكلّ فكر، فإذا ما سلِمت العقائد، وأتت موافقة لأصول التفكير السليم أمكن بعدها بناءُ الفكر بناءً سليماً، أما إذا فسدت العقائدُ وأتت مناقضة لأصول التفكير السليم، أصبح الفكرُ بعدها مسرحاً للخُرافة، تجد لها فيه موطناً، وإذا سادت الخُرافة _ونعني بها: اعتقاد ما لا يقبَلُه العقل _ تخلَّفت العلومُ وتدنَّت الأمم.
ولذلك عمل رسول الله (ص) على بناء دولةٍ عقدية، تتبنى عقيدة بنّاءة، وتعمل _بغير إكراه _ على أن يكون شعبها مؤمناً بعقيدتها، وعلى أن تؤمن الشعوبُ في الدول الأخرى بهذه العقيدة، لأن هذه الشعوب رغم وجودها تحت سيطرة دولٍ أخرى _كافرة _ فإن ولاءها سيكون لدولة الرسول التي يحملون عقيدتها، وستنحاز لدولة الرسول إذا ما نشبت الخصومةُ بين دُولهم ودولة الرسول (ص)، وهذا ما فعله المستضعفون الذين كانوا يحملون عقيدة التوحيد ويقيمون في مكة تحت حكم المشركين من قريش.
ب_ قيام الدولة على قواعد شعبية مؤمنة: إن أية دولةٍ لا تقوم على قاعدةٍ شعبيةٍ واسعة تؤمن بها، وتُنفذُ بكلّ إخلاصٍ نُظُمها، وتدافع بكل تفانٍ عنها، هي دولة لا تملك مقوّمات وجودها، ولا تسير في الطريق الذي يُحقّقُ لها وجودها، وهي دولة لا تلبث أن تنهار عند أول صدمةٍ وإن بدت لنا من الخارج قويةً متماسكة، وتُعتبر بدايةُ النهاية للدولة انقلابُ شعبها إلى مجموعةٍ من المنافقين للدولة، يظهرون الإيمان بها، ويبطنونَ الكفر بها، أو مجموعةٍ من المقهورين لا يملكونَ في قلوبهم ذرةَ ولاءٍ للدولة.
ولذلك رفض رسول الله أن يقيمَ دولته العقديّة على قواعد شعبية غير مؤمنة بها عندما قدم إليه عتبةُ بن ربيعة، يفاوضه ويعرضُ عليه ما غلب على ظنه أن محمداً يطمح إليه، عرض عليه المال والسيادة والملك، فقال له: “يا محمد إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر _الإسلام _ مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريدُ به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريدُ به مُلكاً ملَّكناك علينا”.
ولذلك راح رسول الله (ص) يُعدُّ القواعد الشعبية المؤمنة قبل إقامة الدولة، حتى إذا ما قامت هذه الدولةُ أخذت هذه القاعدة الشعبيّة المؤمنةُ تدير أجهزة الدولة بكفاءةٍ وإخلاصٍ، وتدافع عنها بفدائيةٍ لا نظير لها.
ج_ مكان إقامة الدولة: لما جعل الرسولُ يبحث عن المكان الذي يقيم فيه الدولة الإسلامية، أخذ يبحث عن مكان ذي مواصفات معيّنة، لا أيّ مكان. ومن هذه المواصفات:
1) وجود الموارد الطبيعية التي تؤمِّنُ الكفاية الذاتية والرخاء الاقتصادي.
2) اتصافُ أهلا بالفروسية والنجدةِ، والخبرة بالحرب وتأهلهم لها.
3) الموقع الاستراتيجي.