شروط ممارسة الحماية الدبلوماسية
كاتب الموضوع الأصلي: أحمد عيظه 3
شروط ممارسة الحماية الدبلوماسية
لا يمكن ممارسة الحماية الدبلوماسية دون توافر مجموعة من الشروط الجوهريةالتي تمكن الدولة من التدخل وممارسة هذا الحق ,
كما لا تترتب المسؤولية الدولية دون توافر هذه الشروط , والتي قام الفقه الدولي بتحديدها وأسهب في دراستها .ونظراً لأهمية تحقق وتوافر هذه الشروط قبل مباشرة الحماية الدبلوماسية .
سنقوم بتحديدها وبيانها كالأتي :-
الشرط الأول : شرط الجنسية
من المسلم به فقهاً وقضاءً أنه من غير الجائز للدولة بسط حمايتها الدبلوماسية على غير المتمتعين بجنسيتها من الأفراد , وذلــك ما لم يــــوجداتــفاق صريح يقضى بخلاف ذلك .وقد أكدت المحكمة الدائمة للعدل الدولي هذا المبدأ – صراحة – في حكمهاالصادر في 28, 2 ,سنة 1939ف , في شأن النزاع بين “استونيا ولتوانيا” .((بأنه ما لم يوجد اتفاق أو معاهده تنص على حكم مخالف , فإن رابطة الجنسية بينالدولة والفرد هي وحدها التي تمنح الدولة حق الحماية الدبلوماسية)) .ويأخذ حكم الأفراد المتمتعين بجنسية الدولة الأفراد المتمتعون بجنسية دولة تابعة لها أو خاضعة لحمايتها أو بجنسية ما قد تقوم بإدارته من أقاليم وفقا لنظامالانتــــــداب أو نظام الوصاية , وذلك لأن هذه الدول والأقاليم لا تملك ممارسةعلاقاتها الخارجية , وإن الأشراف على هذه العلاقات موكل للدولة صاحبه الولايةعليها .ويترتب على هذا المبدأ نتيجة منطقية مقتضاها ((أنه لا يجوز لأية دولة منالدول التدخل لحماية عديمي الجنسية من الأفراد )) .وهناك إشكالية تثور حول اللحظة التي يجب فيها الاعتداد بالجنسية , لتحديدالدولة التي يكون لها الحق في ممارسة الحماية الدبلوماسية . فهل نكتفي بتوفر رابطةالجنسية بين المضرور و الدولة عند تحقيق الضرر , أم وقت رفع الدعوى . أم أنه يشترط استمرار هذه الرابطة من وقت تحقيق الضرر إلي حين رفع النزاع أمام القضاء الدولي ,أو صدور الحكم بشأنه ؟ الحقيقة أن أراء الفقه والقضاء الدوليين لم يستقرا على حل واحد , فتتجه بعضالأحكام إلي اشتراط توفر الجنسية منذ وقوع الفعل الضار , بينما تشترط أحكام أخرىتوافر شرط الجنسية منذ وقوع الفعل الضار حتى رفع الدعوى إلي المحكمة , بينما يرىجانب أخر ضرورة توفر الجنسية منذ لحظة وقوع الضرر حتى صدور حكم نهائي في دعوىالمسؤولية الدولية .وبهذا الخصوص يرى الدكتور سامي عبد الحميد , أن يظل الفرد موضوع الحمايةالدبلوماسية متمتعاً بجنسية الدولة المتدخلة لحمايته دبلوماسياً منذ لحظة وقوعالفعل الضار حتى صدور الحكم النهائي في دعوى المسئولية , وذلك ما لم يكن سبب انقطاع علاقة الجنسية مابين الفرد والدولة أمراً لا دخل لإرادة الفرد فيه, كوفاتهأو انتقال الإقليم الذي يسكنه من الدولة إلي دولة أخري .لقد أثارت حالات تعدد الجنسية مشاكل كثيرة أمام القضاء الدولي عند نظرهالدعاوى المسئولية الدولية عن الأضرار التي أصابت أفراداً يتمتعون بأكثر من جنسيةواحدة , لذلك وفي حالة التنازع بين جنسيتين – بأن يكون الفرد متمتعاً بجنسية كل منالدولتين المدعية والمدعى عليها – لا يمكن ممارسة الحماية الدبلوماسية من قبل أيمن الدولتين ضد الأخرى . وهذا ما كان معمول به وفق الـفــقــه والقضــــــاءالدولي حتى عام 1955. وبالتحديد في 6- 4 – 1955ف – الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية حكمها في قضية ” نوتيبوهم ” بين ” ليشتنشتين و غواتيمالا” . انتهت فيـــــه (( إلي أن العبرة في مجال الحماية الدبلوماسية إنما يكونبالجنسية الفعلية )) .وتفصل محكمة العدل الدولية في مدى تمتع الجنسية بوصف الفعلية . على أساسمختلف ما قد يوضع تحت نظرها من اعتبارات واقعية مؤثرة مثل (مكان الميلاد, الموطن,المكان الذي يباشر فيه الفرد حقوقه السياسية , سلوك الفرد في حياته العائليةوالاقتصادية , مكان ممارسة المهنة …………الخ )) .أما بخصوص تحديد جنسية الشخص المعنوي ” الشركات ” فإن هناك عدةمعايير طبقت لتحديد جنسية هذه الشركات , وذلك بغية تأمين ممارسة الحمايةالدبلوماسية لها , وتتمثل هذه المعايير في الأتي :-1- معيار الرقابة . ويتمثل في تحديد جنسية الأفراد الذين يملكون رؤوسالأموال التي تحدد سياسة الشركة , ويؤثرون في اتخاذ قراراتها .2- معيار التأسيس ومعيار مركز الإدارة الرئيسي . يعتمد معيار التأسيس عليالإحالة إلي القانون الداخلي للدولة , والذي بموجبه تظهر الشركة إلي الوجود,وبالتالي تكتسب الجنسية . أما معيار مركز الإدارة الرئيسي فيقصد به المكان الذي تتركز فيه أجهزة الشركة وإداراتها .3- معيار المصالح الاقتصادية . ويتمثل في وجود المصالح الوطنية الجوهريةللدولة في الشركات التي تمارس الحماية الدبلوماسية بالنيابة عنها .أما موقف “محكمة العدل الدولية” من تحديد جنسية الشركات لأغراضالحماية الدبلوماسية قد أتضح من خلال حكم المحكمة في قضية ” برشلونة للقوىالمحركة ” عام 1970ف , حيث فضلت المحكمة معيار التأسيس ومركز الإدارة حــيــثأشــارت إلــــــــــي (( أن القاعدة التقليدية تعطي للدولة الحق في الحمايةالدبلوماسية للشخص الاعتباري , إذا كان هذا الشخص قد تم تأسيسه وفق قوانين هذهالدولة , ويوجد مركز إدارته في إقليمها )) .
الشرط الثاني : استنفاد طرق التظلم الداخلية.
يجب علي الفرد الذي لحق به الضرر استنفاد طرق التظلم الداخلية المسموح بهافي الدولة المسئولة عن الفعل غير المشروع دولياً , قبل أن تطرح دولته النزاع عليالصعيد الدولي بالتطبيق لنظام الحماية الدبلوماسية , وعلي ذلك يمكن للمحكمة التيتنظر النزاع إعلان عدم قبول الفصل فيه إذا ما تأكدت أن هناك طرق داخلية يمكن للفردالمعني أن يلجأ إليها .وهذا ما قضت به المحكمة الدائمة للعدل الدولي في شأن النزاع بين “استونيا وليتوانيا ” حيث قررت المحكمة (( أن دفع ليتوانيا المتعلق بعدماستنفاد وسائل الإصلاح المحلية هو اعتراض مؤسس جيداً , وأن المطالبة المقدمة من حكومة استونيا لا يمكن قبوله)) .وتستند قاعدة استنفاد طرق التظلم الداخلية علي مجموعة مبررات واعتباراتقانونية, ويمكن أن نحدد أهم الاعتبارات التي تستند عليها هذه القاعدة بما يلي :-1- الاعتبار الأول . إن الاعتبار الأساسي الذي تستند عليه هذه القاعدة يكمنفي مبدأ سيادة الدول , وهذا ما أقرته المحكمة الدائمة للعدل الدولي عندما رفضت مطالب الحكومة “الاستونية” لانعدام استنفاد طرق التظلم الداخلية، حيثقررت المحكمة في حكمه أن (( تخضع حقوق الملكية والحقوق التعاقدية للأفراد – من حيثالمبدأ – في جميع الدول للقانون المحلي ، ولهذا السبب فإنه يتعين على المحاكمالداخلية النظر فيها )) .2- الاعتبار الثاني . ويستند هذا الاعتبار لقاعدة الاستنفاد على طبيعةالعلاقة التي تربط بين النظام القانوني الدولي والنظام القانوني الداخلي.ويشير الدكتور ” محمد سامي عبد الحميد ” إلى انه لا يجوز منطقياًأن تتدخل الدولة عن طريق دعوى المسئولية الدولية , لحماية إنسان لم يحاول حمايةنفسه عن طريق الدعاوى وطرق التظلم التي يوفرها له القانون الداخلي للدولة التييدعى إضرارها به , وبالتالي لا يتصور قانونياً الالتجاء إلي جهاز القضاء للنظام القانوني الأعلى درجة وهو ( النظام القانوني الدولي) إلا بعد الالتجاء إلي قضاءالنظام القانوني الأدنى وهو ( النظام القانوني للدولة المدعى عليها ) .3- الاعتبار الثالث . يقوم علي مصلحة المجتمع الدولي في التقيّد بهذهالقاعدة , وذلك من حيث تخفيض أسباب النزاعات الدولية , ويؤكد علي هذا الاعتبارالدكتور حامد سلطان عندما أشار إلي (( أن إلزام الفرد قبل مطالبة دولته برفع دعوىالمسئولية الدولية نيابة عنه باستنفاد وسائل التقاضي الداخلية فيه مصلحة مؤكدةللمجتمع الدولي , من حيث أنها تتلافى أسباب الخلافات الدولية , وتقلل عدد الدعاوىالتي ترفعها الدول بعضها علي بعض )) .4- الاعتبار الرابع . يتمثل في أن تسوية النزاع علي المستوى الدولي قد يؤديإلي انتشار الحكم وبشكل واسع , وبالتالي ظهور التنافر الدولي تجاه الدولة المدعىعليها , ولكن هذا الأمر ستقل حدته بشكل عام أو تتلاشى تماماً إذا ما تمت تسويةالنزاع علي المستوى الداخلي . أن استنفاد طرق الطعن الداخلية شرط من شروط قبول الدعوى , ومن ثم لا تقبلالدعوى ما لم يثبت أمام المحكمة الدولية المختصة أمر من الأمور التالية :1- عدم وجود أي سبيل من سبل التظـــلم يمكن للفرد الالتجاء إليه لاقتضاءحقه .2- التجاء الفرد دون جدوى إلي كافة سبل التظلم التي يوفرها له القانون الداخلي للدولة المدعي عليها .3- أن القضاء الداخلي للدولة المدعى عليها , قضــــاء لا يوحي بالثقة لغلبةالفساد علي قضاته , أو لاشتهارهم باضطهاد الأجانب .4- أن نتيجة الالتجاء إلي القضاء الداخلي للدولة المدعى عليها معروفة سلفاً, وذلك كما لو كان هذا القضاء قد أستقر من قبل علي رفض الدعاوى المماثلة .5- وجود اتفاق دولي بين الدولتين المدعية والمدعى عليها يجيز لكليهما , أوللدولة المدعية وحدها , حماية مواطنيها و رعاياها دبلوماسياً ولو لم يتوافر شرطاستنفاد طرق التظلم الداخلية .
الشرط الثالث : شرط الأيدي النظيفة .
لا يجوز للدولة التدخل لحماية مواطنيها دبلوماسياً ما لم يكن سلوكهم في الدولةالمدعى عليها سلوكاً لا غبار عليه , ويعبر عن هذا الشرط في الفقه الدولي بأن الفردلا يعتبر جديراً بالحماية الدبلوماسية ما لم تكن يداه نظيفتان .ويتخلف شرط الأيدي النظيفة في الحالات الثلاث الآتية :1- انتهاج الفرد سلوكا مخلا بالقانون الداخلي للدولة التي يقيم فيها (الدولة المدعى عليها في دعوى المسئولية الدولية ) كما لو ثبت في حقه التجسس عليها, أو محاولة قلب نظام الحكم القائم فيها , أو القيام بعمل من أعمال التخريب …..الخ .2- انتهاج الفرد سلوكا يتعارض وأحكام القانون الدولي العام , كالاتجاربالرقيق أو الرقيق الأبيض , أو ممارسة القرصنة , أو ارتكاب جرائم الحرب .3- إخفاء الفرد متعمداً لجنسيته الأجنبية وظهوره بمظهر المتمتع بجنسيةالدولة التي يقيم فيها ( الــدولــة الـمــدعى عـليها في دعـــوى المسئوليةالدولية ) , إذ لا يجوز في مثل هذه الحالة مفاجأة الدولة بالتدخل لحماية من كانتتعتبره – بحسن نية – مواطناً من مواطنيها . وما دام الفرد قد اختار متعمداً الظهوربمظهر مواطن الدولة المدعى عليها , فمن العدل أن يوضع في نفس المركز القانوني الذييشغله مواطنو تلك الدولة .
![]()