أ.د. أحمد محمد وهبان

شيلا … وإعادة تعبيد طريق الحرير

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العنزي8

يتحدث الجغرافي العربي المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر في القرن التاسع الميلادي عن بلاد(شيلا) وهي البلاد التي باتت تعرف اليوم ب(كوريا) حيث يصفها المسعودي بأنها كانت بلادا يتواجد فيها الذهب والحرير ويؤمها التجار العرب عبر طريق الحرير أوالموانىء الصينية .

تلك المرحلة لم تكن المركزية الأوروبية قد تخلقت بعد على خارطة العالم ، وكانت بلاد العالم جميعها بالنسبة للرحالة والجغرافيين العرب قابلة لأن تكون ميدانا ثريا للاكتشاف والمعرفة والاستثمار المادي والمعلوماتي .

لكن في العصور الحديثة ومع تكريس المركزية الأوروبية كمصدر للمعرفة ، توارت الكثير من المراكز الحضارية العريقة في الظل ولم يعد العالم يتطلع لها كمصدر للعلوم والمعارف ، بل ان مركزية الغرب انتقلت حتى إلى تصميم الخرائط فالشرق الأقصى هو الشرق البعيد عن أوروبا والشرق الأوسط هو ما يجب أن يكون كتلة متجانسة واحدة (تضم إسرائيل) ، وأخيرا الشرق الأدنى الذي يمثل لهم شمال أفريقيا .

ولعل حضور كوريا هذا العام كضيف للجنادرية هو خطوة إيجابية باتجاه زحزحة المركزية الأوروبية كونها باتت محورا ضخما يستأثر بالعلوم والفنون والآداب ، هذه الزحزحة تتم بالتأكيد من خلال الالتفات والانفتاح على تجارب حضارية ثرية حول العالم .

أيضا هذه الخطوة تأتي للتعرف على مجمل التجربة الحضارية للشعوب بجميع أبعادها ، بعدما ظلت لسنوات طويلة تقتصر على العلاقة بالمنتج التقني فقط ، والذي يأتي إلينا مقرطساً بانقطاع عن مصدره وعن المجتمعات التي أنتجته ، وعن السلسلة الاجتماعية المتفوقة التي حولت المادة الخام إلى تقنية ذكية نوظفها في جميع تفاصيل يومنا كما هو الحال في كوريا على سبيل المثال .

فتظل هناك حواجز من الغموض وعدم الإلمام أو حتى الاكتراث بتفاصيل تلك الحضارة ، بل أذكر أنه في مطالع الثمانينات عندما بدأت تصل إلى المملكة بعض الشركات الكورية الإنشائية العملاقة التي أسهمت في بناء جزء من البنية التحتية ، كان المخيال الشعبي البسيط ينظر لهم بنوع من الشك والاسترابة إلى الدرجة التي انتشرت شائعة بأنهم هم (يأجوج ومأجوج) وأن نهاية العالم قد اقتربت !

بالطبع ذلك النوع من الوعي السطحي وتلك الإشاعات تنتج بالتأكيد عن غياب التصور الإنساني المتكامل لتلك الحضارات وثرائها وعمقها التاريخي .

عند زيارتي لمركز سلطان العويس الثقافي في دبي مؤخرا اطلعت على تجربة رائعة لديهم تدخل ضمن برنامجهم للترجمة ، فهم قد ابتعدوا ببوصلتهم عن المركزية الغربية ، والتفتوا لترجمة الآداب والمنتج في الشرق ولهم في هذا المجال كتاب رائع تحت مسمى (مختارات من الأدب الكوري الحديث) لنخبة من أدباء وكتاب كوريا ، قام بترجمتها د.بارك ينج والذي نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من الأزهر الشريف ، والكتاب هو خطوة صغيرة في إعادة تعبيد طريق الحرير .

استضافة مهرجان الجنادرية لكوريا هذا العام ، إضافة إلى الترجمة ، وتوثيق الصلات ، جميع هذا يوسع نافذة الرؤيا على حضارة عريقة وثرية كانت متوارية في الظلال .

Leave a Comment