أ.د. أحمد محمد وهبان

طبيعة السياسة الخارجية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الصياحي4

:

إذا كان العالم يعنى فى أبسط دلالاته، مجموع المعارف المنسقة التى تتبع المنهج العلمى فى دراسة ظاهرة بطريقة موضوعية بأسلوب منظم، فإن دراسة السياسة الخارجية لا تخرج عن دائرة هذا المعنى.

فالسياسة الخارجية يمكن دراستها فى إطار المنهجية العلمية، فهى ظاهرة قابلة للوصف والتفسير العلمى، وبالتالى من الممكن إخضاعها للدراسة العلمية للتعرف على حقيقتها وذلك من خلال اتباع مناهج علمية، كالمنهج المقارن ومنهج دراسة الحالة وغيرها من المناهج العلمية المستخدمة فى حقل العلوم السياسية. فالسياسة الخارجية لآى دول تعرف على أنه (برنامج عمل الدولة فى المجال الخارجى والذى يتضمن الأهداف الخارجية التى تسعى الدولة إلى تحقيقها – والتى تعكس مصالحها الوطنية – فضلاً عن الوسائل اللازمة بعمليتين اساسيتين).[1]

وبالرغم من أن التنظير فى السياسة الخارجية يعود إلى فترة تاريخية بعيدة، حيث كان يعبر عنها بشكل أو بأخر فى كثر من الوثائق والكتابات، إلا أنه إذا نظرنا إلى السياسة الخارجية كحقل معرفى منظم فإنه يمكن القول إن مجال السياسة الخارجية يعد من ضمن المجالات التى خضعت حديثاً للدراسة والتحليل المنهجى المنظم، على أثر التطور الذى أحدثته الدراسة السلوكية وما بعد السلوكية فى مجال علم السياسة بشكل عام نظراً لما اتسمت به هذه الدراسة الفكرية من تركيز على البناء النظرى وتشدد فى ضرورة استعمال المناهج العلمية فى دراسة وتحليل الظواهر السياسة.

وهذا التطور الذى شهده علم السياسة بشكل عام أدى إلى حدوث نوع من التحول الإيجابى فى النظرة السائدة حول مفهوم السياسة الخارجية من الاتجاه التقليدى إلى الاتجاه الحديث الذى ظهرت فيه محاولات جادة لتقديم أطر علمية لتفسير ظواهر السياسة الخارجية. والتأكيد على أنها ظواهر قابلة للدراسة والتحليل العلمى.

فى التعريف بالسياسة الخارجية

اختلفت أراء الباحثين وتباينت أقوالهم فى تعريف السياسة الخارجية فمن خلال مطالعة أدبيات العلاقات الدولية، يتجلى لنا أن مفهوم السياسة الخارجية كغيره من المفاهيم المطروحة فى حقل العلوم السياسة يعانى من عدم وجود تعريف محدد ومتفق عليه من طرف الباحثين والمتخصصين فى العلاقات الدولية. إذ تتعدد تعريفاته بتعدد الباحثين الذين تعرضوا لدراسة ظاهرة السياسة الخارجية وفيما يلى نشير إلى مجموعة من التعريفات التى وردت فى مؤلفات بعض المتخصصين والمتهمين بدراسة العلاقات الدولية.

تعرف الباحثة كارول باركر Carol M.Barker السياسة الخارجية بأنها (الرباط أو حلقة الوصل بين السياسة الداخلية للدولة والنظام الدولى. وهى فى نفس الوقت تعتبر استجابة للمتطلبات الداخلية ومحاولة للتأثير فى سلوكيات الدول الأخرى)(1). كما يعرف فاضل زكى السياسة الخارجية بأنها (الخطة التى ترسم العلاقات الخارجية لدولة مع غيرها من الدول)(2).

وعلى المنوال ذاته يرى نصيف يوسف حتّى بأن السياسة الخارجية تعرف على أنها (سلوكية الدولة تجاه محيطها الخارجى وقد تكون هذه السلوكية التى قد تأخذ أشكالاً مختلفة موجهة نحو دول أخرى أو نحو وحدات فى المحيط الخارجى من غير الدول كالمنظمات الدولية وحركات التحرير أو نحو قضية معينة)(3).

والملاحظ على هذه التعريفات أنها تقصر موضوع الفاعلية الدولية على الدول بشكل رئيسى، أى بمعنى أن الدولة هى الفاعل أو الوحدة الأساسية فى العلاقات الخارجية، لذلك ما يؤخذ على هذه التعريفات هو إغفالها للوحدات الدولية الأخرى غير الدول. إذ أن نطاق وحدات السياسة الخارجية يتسع ليشمل إلى جانب الدول الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية والمنظمات السياسية(4).

بيد أن فى المقابل نجد تعريفات أخرى تجنبت التركيز على الدولة فقط فى تحديد الوحدة الفاعلة فى السياسة الخارجية: فقدمت صياغات أو تعبيرات أكثر شمولية فمثلاً يعرف محمد السيد سليم السياسة الخارجية بأنها (برنامج العمل العلنى الذى يختاره الممثلون الرسميون للوحدة الدولية من بين مجموعة البدائل البرنامجية المتاحة من أجل تحقيق أهداف محددة فى المحيط الدولى) ([2]).

ويقول على الدين هلال فى إشارته إلى السياسة الخارجية (يقصد بالسياسة الخارجية عموماً مجمل نشاط وسلوك الفاعلين الدوليين فى المجال الخارجى) ([3]).

كما يقدم مازن الرمضانى تعريفاً أكثر دقة فى التعبير عن مفهوم السياسة
الخارجية إذ يرى السياسة الخارجية هى (السلوك السياسى الخارجى الهادف والمؤتمر لصانع القرار) ([4]).

ويعد التركيز على صانع القرار على درجة كبيرة من الأهمية فى تحليل السلوك السياسى الخارجى لايه وحدة دولية، وهذا ما يؤكد عليه ريتشارد سنايدر الذى يرى أن الدولة تحدد بأشخاص صانعى قراراتها من الرسميين ومن تم فإن سلوك الدولة هو سلوك الذين يعملون باسمها وأن السياسة الخارجية عبارة عن محصلة لقرارات من طرف أولتك الذين يتولون المناصب الرسمية فى الدولة([5]).

كما يمكن إعطاء تعريف مختصر للسياسة الخارجية باعتبارها “مجموعة من العلاقات الخارجية الرسمية التى يسلكها أو يؤديها فاعل مستقل “عادة ما يكون دولة”([6])

بمعنى أن جملة رد فعل تسمح أو تمكن من إدراج فاعلين آخرين غير الدولة مثلاً الاتحاد الأوروبى تسمح بإدراج المخرجات من كل أجزاء الآليات الحاكمة للدولة. والسياسة الخارجية هى مجموع كل هذه العلاقات الرسمية لأن أى فعل ما يعدو سياسة خارجية منفصلة فى حين يسعى الفاعلين عادة إلى تحقيق درجة ما من التماسك تجاه العالم الخارجى.

ومن الصعوبة تقديم تعريف للنشاطات السياسية وكذلك بالنسبة للسياسة الخارجية فإلى أى حد ما يقرر صانعى القرار أنفسهم ما هى السياسة الخارجية من خلال ما يختارونه من نشاطات يقومون بها ولكن الآن لم تعد الهيئات الخارجية تحتكر القيام بمثل تلك المهام.

وهذا يضعنا فى مشكلة أخرى تتعلق بمن هو صانع القرار الفعلى Foreign-Policy Maker مثلاً : لو أن هناك خلافات حول الهجرة غير الشرعية سيكون تحليل السياسة الخارجية مركزاً على العلاقات على المستوى الدبلوماسى القومى أو الوزراء المحلين، وهذا ما جعل التفرقة الشائعة بين السياسة العليا والسياسة الدنيا غير ذات معنى على أساس أن السياسة العليا High Politics تركز على القضايا الأساسية للدولة مثل الوحدة النقدية، الهجوم المسلح … الخ).

أما السياسة الدنيا تركز على قضايا ثانوية تتعلق بالملاحة والصيد الذى فى أى نشاط يقوم به فاعل ما على المستوى الرسمى فى السياسة الدولية هو من قبل السياسة الخارجية.

وفى الواقع أن محاولة تقديم تعريف محدد لمفهوم (السياسة الخارجية) لابد أن تكون منطلقة من التحديد الاصطلاحى أو اللفظى لعبارة (السياسة الخارجية) فعندما نتكلم عن السياسة الخارجية نفكر تلقائياً فى الطابع (الخارجى) لهذه السياسة ولكن موقع (خارجى) جاء كنعت أو صفة لـ (السياسة) وهذا ما يميز من الناحية اللفظية السياسة الداخلية عن السياسة الخارجية.
علاقة السياسات الخارجية بعلم العلاقات الدولية

أن تناول علاقة السياسات الخارجية بعلم العلاقات الدولية يقتضى عدة أمور

1- تحديد المدلولات المختلفة لكلمة (سياسة)

2- التمييز بين مدلول كل من الفن والعلم.

3- تحديد طبيعة العلاقة بين السياسة الخارجية وعلم العلاقات الدولية.

1- تحديد المدلولات المختلفة بكلمة سياسة
إن عبارة السياسة الخارجية من الناحية اللفظية تتكون من كلمتين “السياسة” و “الخارجية” وحيث إن الأخيرة تشير إلى الطابع الخارجى فإن الأمر يتطلب منا التطرق إلى تحديد المقصود من اصطلاح “السياسة” الذى ننعتة تارة بالداخلية وتارة أخرى بالخارجية وفقاً لطبيعة الظاهرة التى يعبر عنها. ([7])

أما عن مصطلح “سياسة” فى أى حقل يتضمن مجموعة من القرارات والمخرجات التى تمثل سلوك الفاعل، فالهدف من أى سياسة خارجية سواء تعليمية أو صحية مثلاً هو تحقيق استراتيجية معينة بدرجة معينة من الرشادة والعقلانية من خلال وضع مجموعة من الأهداف والوسائل اللازمة لتحقيقها. أذن السياسة الخارجية هى محاولة لتجميع نشاطات مختلفة التى تقوم بها الدولة أو أى فاعل أخر على مستوى السياسة الدولية. هى طريقة يعرف بها المجتمع نفسه فى مواجهة العالم الخارجى، بمعنى [طريقة لتعريف المجتمع بنفسه فى مواجهة غيره من المجتمعات الأخرى].
ولابد أن تتضمن القيمة التى يؤمن بها المجتمع معبره عنه من خلال الأهداف والوسائل المستخدمة لتحقيقها.([8])

ومن بين التعريفات الشائعة لمفهوم السياسة ذلك الذى قدمه ديفيد ايستون
“Darid Easton” والذى يعرف السياسة بأنها: التوزيع السلطوى للقيم فى المجتمع. ويرى ايستون أن ندرة القيم هى السبب الذى يفتح دائرة التصادم أو الصراع فى المجتمع. (2)

أن مضمون تعريف ايستون للسياسة يدخل فى دائرة مضمون ودلالة ما قاله لاسويل. “Lesswell” بأن جوهر السياسة هى من يحصل على ماذا؟ ومتى؟ وكيف How؟ when؟ “whocets what

بمعنى أن جوهر السياسة يتضمن تخصيص القيم والموارد النادرة بين أفراد المجتمع من الحاجات المادية والمزايا المعنوية كالدخول والوظائف والمناصب والمكانه
الاجتماعية.(3)

غير أن هذا التمييز ليس له ما يقابله فى اللغة العربية حيث يتضح المدلول المقصود للفظة السياسة من السياق التى تأتى فيه.

2- التمييز بين مدلول كل من العلم والفن.

يقصد بلفظة العلم فى المدلول الاصطلاحى المعاصر ذلك الفرع من فروع المعرفة الذى يسلك الباحثون فيه منهجاً علمياً تجريبياً قوامه الانطلاق من ملاحظة الواقع لتصوير فروض أولية يفترض فيها أنها تعبر عن حقيقة ذلك الواقع المستهدف بالدراسة ثم اختيار صحة هذه الفروض الأولية عن طريق إعادة عرضها على الواقع المتباين زماناً ومكاناً عن طريق الترتيب (بالنسبة للعلوم الطبيعية) أو المقارنة (بالنسبة للعلوم الاجتماعية) فإذا ما تحققت صحة هذه الفروض الأولية عُدت فروضاً علمياً أى حقائق علمية أو قوانين علمية تتمتع بصفة الأطلاق (فى حالة العلوم الطبيعية التى تتعامل مع ظواهر طبيعية مادية لا مجال للارادة فيها) أو بصفة النسبية فى حالة العلوم الاجتماعية التى تختص بدراسة العلاقات بين الكائنات الواعية ذات الإرادة) (1).

أما الفن فيختص بالكشف عن قواعد العمل التى إن أتبعت جاء العمل على صورة أكثر اتقاناً، ومن تم يعنى الفن بعملية الاختيار أو المفاضلة بين الوسائل المختلفة (أو عملية ابتداع هذه الوسائل فى بعض الأحيان) بهدف اختيار أكثر هذه الوسائل فعالية، أى أن
تكفل القائم بالعمل على النحو الأكثر اتقاناً. ومن هنا فإن الفن يعنى بما يجب أن يكون عليه العمل(2).

3- طبيعية العلاقة بين السياسة الخارجية وعلم العلاقات الدولية.

يدور مفهوم العلاقات الدولية حول مجموعة التفاعلات التى تحدث بين وحدتين دوليتين أو أكثر، أى أن العلاقات الدولية هى تلك العملية التى تتفاعل فيه السياسات الخارجية، أما السياسة الخارجية فهى تنصرف إلى سياسة وحدة دولية واحدة، أى أن ظاهرة العلاقات الدولية تتضمن فى محصلتها مجموعة السياسات الخارجية للوحدات الدولية. أى أن العلاقات الدولية أوسع من ميدان السياسة الخارجية للوحدات الدولية، أى أن العلاقات الدولية أوسع من ميدان السياسة الخارجية وهذا ما يتفق مع رأى المنظر الفرنسى شارل زور
غبيب Charles Zorgbibe الذى يحاول أن يدرس العلاقات الدولية بواسطة السياسة الخارجية.([9])

وهكذا، يمكن القول إن هناك اختلافاً، على المستوى النظرى، بين السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. غير أن ذلك لا ينفى وجود ترابط بين الظاهرتين، على مستوى الممارسة، حيث إن العلاقات الدولية هى فى التحليل النهائى مجموعة السياسات الخارجية فى فترة زمنية معينة أو بخصوص مشكلة معينة، وهذا ما يؤكد عليه حامد ربيع بالقول: (… السياسة الخارجية لا يمكن فصلها عما نسميه بنظرية العلاقات الدولية. السياسة الخارجية تعنى من حيث جوهرها القدرة والصلاحية على أن تجعل الآخرين ينفذون ذلك الذى تريده، هى بعبارة أخرى تطويع لإرادة الآخرين. وسواء كان ذلك التطويع ينبعث ويتحدد بالإكراه والخوف والرجعة أو كان يدور حول عملية إقناع واقتناع فإنه دائماً يتحدد بعامل نفسى وهو بهذا المعنى لا يعدو أن يكون صورة من صور السلوك السياسى مع خلاف فى القوى المحركة للسلوك ليست الفرد فى مواجهة الفرد وإنما الجماعة فى مواجهة الجماعات الأخرى. فقد يكون الاتصال من خلال الوحدات الميكروكزمية ولكن اللقاء والتعالق فى نهاية الأمر هو صدام بين وحدات كلية. هذه العملية أى هذا الصدام بالصراع أو بالاتفاق أو على الأقل بالتوفيق هو مانسميه بالعلاقات الدولية”([10]).

إن الصلة بين السياسة الخارجية والعلاقات الدولية صلة وثيقة، ذلك لأن الأخيرة هى نتيجة للأولى، والسياسات الخارجية هى نتيجة لسياسات تسلكها وحدة دولية أو وحدات دولية تجاه الوحدات الدولية الأخرى.

بمعنى أنه ساد الاعتقاد لدى معظم الأفراد فى معظم الدول بصعوبة القبول بوجود السياسات الخارجية لدولهم تجاه الدول الأخرى، أما بالنسبة للمتخصصين فعلى الرغم من رسوخ مصطلح السياسة الخارجية إلا أنه أصبح محل شك أيضاً حيث أن مفاهيم مثل سيادة الدول واستقلال أصبحت محل هجوم فى العقود الأخيرة، ولذلك فإن فكرة أن لدى الدول نشاطات معينة للتعامل مع العالم الخارجى أصبحت محل جدال فالانقسام بين الداخل والخارج أو بين المحلى والخارجى. وكذلك أصبح محل تساؤل على المستويين المفاهيمى والسياسى. ([11])

كما أن هناك بعض المحاولات لكسر تلك الفجوة بين الداخل والخارج من خلال طرح مصطلحات مثل : الاعتماد المتبادل والعولمة إلا أنه لا يوجد إجماع علمى حولهما. ومن ناحية أخرى هناك أشكال متعددة من التفاعل ورد الفعل القومى، ضد فكرة أن المجتمع يجب أن يقبل وجود حدود على حريته فى القيام بأية نشاطات على المستوى النسق الدولى، إذن الفجوة بين العامة والمتخصصين حول السياسة الخارجية أصبحت لها نتائج خطيرة حتى المثقفين أنفسهم انقسموا إلى :

1) المتخصصين “الأكاديميين” فى مجال معين فى دولة ما ويتحدثون بلغة الدبلوماسية العادية.

2) المثقفين من العامة : الذين يشعرون بالمسؤولية وضرورة التدخل فى القضايا الأخلاقية الأساسية للسياسة الخارجية.

Leave a Comment