طبيعة النظام السياسي المغربي في تصورات الأحزاب السياسية
كاتب الموضوع الأصلي: محمد الصياحي4
تقديم
يُسلط، هذا المقال، الضوء على جانب مُهم من المُقْتَرَحات والتَّصَوُّرات التي قدمتها الأحزاب السياسية المغربية إلى لجنة مراجعة الدستور الحالي (1996)، والتي عَبَّرَت فيها عن طبيعة النظام السياسي المغربي المرتقب، من خلال الإصلاح الدستوري المنتظر. وقد اعتمدنا في ذلك، على النصوص الكاملة لوثائق ومذكرات الأحزاب -سواء الأولية منها أو النهائية- والمتوفرة -إلى حدود كتابة هذه السطور- لدينا (والواردة في المجلة المغربية الشهرية، عدالة جوست. العدد العاشر، أبريل 2011).
ونذكر من تلك المذكرات على الخصوص: مقترحات حزب الاستقلال (أولا)، والتصور الأولي للحركة الشعبية (ثانيا)، ومقترحات حزب التجمع الوطني للأحرار (ثالثا)، ومذكرة حزب العدالة والتنمية (رابعا)، والمذكرة الأولية لحزب الأصالة والمعاصرة (خامسا)، ثم مقترحات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (سادسا)، والمذكرة الأولية لحزب التقدم والاشتراكية (سابعا)، والاقتراحات الأولية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي (ثامنا)، ومقترحات حزب النهج الديمقراطي (تاسعا)، ثم –أخيرا- بيان الحزب الاشتراكي الموحد (عاشرا).
وتجدر الإشارة إلى أن أغلب هذه الأحزاب، تعتمد على وثيقة الدستور المراجع لسنة 1996، كأرضية لبناء تصوراتها وتقديم مقترحاتها؛ وذلك، في أفق تدشين الاستحقاقات الدستورية القادمة، بعهد سياسي منفتح وعقد اجتماعي فعال، يفصل لنا ما بين مرحلتين أساسيتين من تاريخ المغرب الديمقراطي الحداثي الحر المعاصر، وهما: مرحلة ما قبل الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011، ومرحلة ما بعد المرتكزات السبعة، المؤسسة لملامح مَلَكية مغربية جريئة.
أولا: تصور حزب الاستقلال
إن أول ما يثير الانتباه، في وثيقة المقترحات التي تقدم بها حزب الاستقلال، هو انعدام أدنى إشارة لطبيعة النظام السياسي الذي يبتغيه من خلال الإصلاح الدستوري المرتقب، بشكل واضح وصريح. وقد سعى الحزب في هذا الإطار، إلى تجاهل التصريح عَلَناََ بطبيعة الحُكم الملكي ضمن المراجعة الدستورية القادمة، والإشارة -فقط، ومن بعيد- عبر عبارات فضفاضة إلى ما يدخل في خانة العموميات، بحيث تؤكد تلك العبارات في مدخل مقترحاته، بأن المقام الذي نعيشه اليوم، “يفرض التأكيد على شيء أساسي تجَدَّر في العقيدة الاستقلالية منذ انطلاقتها الأولى، وجعل الحزب منها مذهبه الواضح في النضال المستميت طيلة مساره إيمانا منه بأن التشبث به هو الذي ضمن للمغرب على الدوام الحفاظ على دينه الإسلامي، وملكيته الديمقراطية الاجتماعية، وروح الدفاع عن وحدة الوطن والإنسان، وخيار بناء المجتمع الديمقراطي الحقيقي، وهو يعتبر اليوم بأنها أصبحت راسخة في وجدان الشعب المغربي وثوابت اجتماعية للأمة”.
أما، ما دون، ما جاء في هذه الفقرة، فلا يَمُتُّ بأي صلة إلى طبيعة النظام السياسي المغربي. وتبقى جل المداخل، التسعة المقدمة كاقتراحات، مجرد توسيع في شرح ما جاء في الخطاب الملكي الممهد للإصلاح الدستوري المرتقب. وعليه، نتساءل في استغراب: ما الذي يجعل حزب الاستقلال في وثيقة مقترحاته الموجهة إلى لجنة مراجعة الدستور، يكتفي بما أسماه بالمداخل التسعة، دون وجود أي إشارة إلى طبيعة النظام السياسي المنشود داخل الإصلاح الدستوري المرتقب؟
ثانيا: تصور حزب الحركة الشعبية
نسجل أول ما نسجل، من خلال التصور الأولي لحزب الحركة الشعبية، ضمن القواعد العشرة التي يعتبرها أساسية للإصلاحات الدستورية، غياب أية إشارة لطبيعة النظام السياسي المغربي ضمن المراجعة الدستورية القادمة. وكل ما أكده في هذا السياق، هو الإشارة إلى المؤسسة الملكية كعنصر من عناصر الثوابت الوطنية إلى جانب الإسلام والوحدة الترابية وإمارة المؤمنين.
ثالثا: تصور حزب التجمع الوطني للأحرار
وانطلاقا، من سؤال : “أية تعديلات دستورية نريد؟”، يُجيب حزب التجمع الوطني للأحرار في مدخل وثيقته بالقول: “إن رؤيتنا السياسية تستند إلى معطيين:
– الأول يتمثل في قراءتنا لتعاقب المراحل وما أفرزته من مستجدات
– الثاني يتمثل في اختياراتنا الأيديولوجية وما نراه مناسبا للمسار المستقبلي للدولة والمجتمع معا”.
وفي هذا المعطى الأخير، يندرج موقفه من الملكية كنظام سياسي مغربي، إذ يقول:
“أما المعطى الثاني المرتبط بخياراتنا الأيديولوجية كحزب، فإنه لديه هو الآخر علاقة وثيقة ببعض عناصر الهندسة الدستورية المرتبطة بالمستقبل. ذلك لأن حزب التجمع الوطني للأحرار:
(…)
– يؤمن أن الضمانة الأولى في صيانة وحدة الأمة وكيانها الوطني من خلال الملكية الدستورية”.
مع العلم أن الحزب في اقتراحاته، يُعطي للملكية بعدا ضمنيا، يُقارب ما هو متعارف عليه في الديمقراطيات الملكية البرلمانية بالغرب. بحيث، نجد الملك في علاقته بالوزير الأول على سبيل المثال، يتم تعيينه من طرف الملك، وفق النتائج الانتخابات التشريعية، من خلال الحزب الحائز على الرتبة الأولى. وبعد ذلك، يقترح الوزير الأول أعضاء حكومته وفق اختياره ليتم تزكيتها وتعيينها من طرف الملك. وهكذا دواليك، في كل السلطات المدرجة تحت “باب الملكية” ضمن الوثيقة الحزبية للتجمع الوطني للأحرار.
رابعا: تصور حزب العدالة والتنمية
يبدأ حزب العدالة والتنمية، وثيقته بتقديم متبوع بالإطار التاريخي والسياسي لتشكل الدولة المغربية على أساس ثلاث مرتكزات “منذ حوالي 12 قرنا”. وهي:
– المرجعية الإسلامية
– الملكية القائمة على المشروعية الدينية…
– لا مركزية واسعة تتيح التسيير الذاتي من قبل السكان لشؤونهم (…) في إطار المشروعية.
وبعد الإفصاح عن كل هذه المرتكزات بشكل واضح، عرج الحزب في حديثه عن الإصلاح والملكية، إلى القول: “إن خيار الإصلاح الديمقراطي المطروح اليوم يضع المغرب على أبواب الملكية المغربية الدستورية الثانية بعد الاستقلال، وهو أفق واعد وتاريخي واستراتيجي ينبغي المضي إليه بكل جرأة وإبداع ومسؤولية ووضوح دون تخوف أو تردد، في زمن المراجعة الحقيقية والشاملة وليس المراجعة التقنية الجزئية، والتي ستنقل الدولة المغربية من دولة التحكم إلى دولة التشارك بين مجموع مكوناتها في القرار خدمة للصالح العام.
إن مستقبل المغرب هوية ووحدة واستقرارا هو في الديمقراطية، وكسب هذا الرهان يمر حتما عبر الأخذ بقواعد النظام الديمقراطي بالمعايير الدولية المتعارف عليها دون تجزئ أو تقسيط، وذلك بإنتاج نموذج ديمقراطي مغربي أصيل لا يخل بالمعايير الدولية ولا يكفي باستنساخ نماذج أخرى ويحقق الديمقراطية والشفافية والمحاسبة”.
إنها لمفارقة غريبة، أن نجد لدى حزب ذو مرجعية دينية إسلامية، كان ينادي ويؤكد في وقت من الأوقات مع بداية تأسيسه كحزب سياسي، بأن الديمقراطية منتوج مستورد وآلية أجنبية دخيلة على ثقافتنا وتقاليدنا الإسلامية، وأن الدين الإسلامي المتمثل في السنة النبوية والقرآن، كفيلان بتقديم آلية شافية لطريقة مباشرة العلاقات الاجتماعية والسياسية في بلد إسلامي كالمغرب، دون اللجوء إلى آلية ذو منشأ غير الإسلام. وأن آلية “الشورى”، فيها من القرائن ما يُثبت الحُكّام على الرأي السديد ويقود الشعوب إلى الطريق المجيد.
وما يُثبت ملاحظاتنا هذه، هو ما جاء في التوجهات السبعة، لحزب العدالة والتنمية، التي تمثل تصوره للإصلاح الدستوري، وبالضبط ما جاء في التوجه الثاني، حيث يؤكد على: “ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين”، بالقول: “إن تصور حزب العدالة والتنمية للنظام السياسي الدستوري المنتظر يرتكز على إرساء ملكية ديمقراطية قائمة على إمارة المؤمنين (…)”.
وهو الاستغراب الذي يزيد الطين بلة، حين نجده من خلال هذا التوجه، يخلط بين الديمقراطية ذات المرجعية الغربية المسيحية، وإمارة المؤمنين الضاربة بجذورها العريقة في عمق المرجعية الإسلامية منذ القائد عمر ابن الخطاب.
فهل تستدعي إمارة المؤمنين، آلية الشورى أم آلية الديمقراطية؟
وهل يصح هذا الدمج بين المرجعيتين دون فصل أو تمييز؟
وما يثير هذا التساؤل في استغراب أكثر وأكبر، هو ما أضافه الحزب في إطار ما أسماه بـ “التوجهات التفصيلية” لمذكرته، وبالضبط في النقطة الأولى المعبر عنها (كما يلي: “1-ب”)، حيث يؤكد الحزب بأن “المجتمع المغربي مجتمع أصيل يتطلع إلى دولة مدنية حديثة وحرة ذات سيادة تعتز بمرجعيتها الإسلامية، وتضمن له الانفتاح على العصر دون أن يجد نفسه في اصطدام أو تعارض مع مقتضيات تلك المرجعية، كما تعمل على تعزيز مساهمته في الحضارة الإنسانية، وهو جزء من الأمة العربية والإسلامية”.
ثم يضيف، “ونؤكد أن المرجعية الدستورية ملزمة بتجسيد هذا الاختيار من خلال ضمانات دستورية تتمثل في:
– أن لا تخالف التشريعات أحكام الدين الإسلامي
– حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية”.
وهو ما يطرح السؤال القديم الجديد، حول العلاقة بين الديمقراطية ونظام الشورى: هل تتكامل الآليتين أم تتعارضان؟
خامسا: تصور حزب الأصالة والمعاصرة
بعد تثمينه للخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011، وتذكيره للحظة التاريخية والسياسية التي يعيشها المغرب اليوم، قدم حزب الأصالة والمعاصرة، مذكرته الأولية التي تحتوي على 8 أبواب متكاملة فيما بينها. وفي النقطة المتعلقة بالنظام السياسي المغربي، من خلال الباب الثالث المتعلق بالملكية، يؤكد الحزب بعد حديثه عن ضرورة إعادة النظر في الفصل 19 من الدستور الحالي، على ضرورة “استعمال لغة حداثية تترجم مفهوم الملكية المواطنة”.
أما ما عدا هذه العبارة، والتي جاءت في إطار التمهيد لفحوى الفصل 19 كما يراه الحزب ويريده أن يكون في المراجعة القادمة، فلم تتم الإشارة -لا من قريب ولا من بعيد- إلى نوع النظام السياسي الذي يبتغيه الحزب في مذكرته. وكباقي الأحزاب التي لم تعلن بصريح العبارة عن نوع النظام السياسي الذي تراه مناسبا للمغرب في الدستور القادم، فقد اكتفى الحزب إلى التطرق للمرتكزات التي حُددت في الخطاب الملكي المؤسس سابقا؛ والتي تعتبر في نظرنا، إشارة شكلية وواضحة على تبني نظام الملكية البرلمانية، وإن بمواصفات ومميزات مغربية، لكنها في العمق تتضمن ما يمكن اعتباره أدنى الشروط المعمول بها في الأنظمة السياسية الغربية (المقارنة) ذات الملكيات البرلمانية كإسبانيا وبلجيكا.
«««««««
سادسا: تصور حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
نلاحظ، من خلال الوثيقة المقدمة من طرف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بأن هذا الأخير لم يبقى وفيا لخطه الإيديولوجي الذي تبناه منذ ما قبل 1998، حيث تبدلت مواقفه شيئا فشيئا منذ قيادته لحكومة التناوب، حتى حدود سنة 2002. وكل ما أعلنه حول طبيعة النظام السياسي بالمغرب، هو ما جاء تأكيده –وإنْ بصفة عامة وغامضة، دون الدخول في التفاصيل- في بداية مذكرته المقدمة للجنة مراجعة الدستور، حيث اعتبر “الإصلاح الدستوري لبنة أساسية في إقامة ملكية برلمانية وبناء الدولة الحديثة، وفي بناء المواطنة والحكامة الديمقراطية”.
أما، ما دون هذه العبارة، التي وردت في المقدمة، فإن ما تبقى من المقترحات، لا يثير -لا من بعيد ولا من قريب- طبيعة النظام السياسي للدولة المغربية. وهو ما ينم -وفي استغراب كبير- عن احتشام أو خجل ! في التصريح عن النوايا التي يُفهم من ظاهرها -وبشكل مفاجئ- تراجع الحزب عن الكثير من مواقفه السابقة. ومن ذلك، نص البيان العام الصادر عن المؤتمر الثامن للحزب، والذي جاء في إحدى فقراته، ما يلي: “إن المؤتمر الوطني الثامن يعتبر أن تجاوز اختناقات المشهد السياسي يقتضي القيام بإصلاح دستوري ومؤسسي كمدخل ضروري لتجاوز المعيقات التي تواجه مسار الانتقال الديمقراطي، وذلك بالتوجه نحو إقرار ملكية برلمانية (…)”. وهو الأمر الذي يطرح أكثر من استفهام وسؤال (!؟)، وبخاصة إذا ما استحضرنا الكلمة الأخيرة لسكرتارية الملتقى الوطني لشباب اتحاديي 20 فبراير (المنعقد أيام 6 و7 و8 ماي 2011 بمدينة بوزنيقة)، والتي جاء فيها: “إننا كشباب اتحادي مناضل بكل قوة في دينامية 20 فبراير، ملتزمون بالنضال اللامشروط إلى جانب كل القوى الحية والجماهير الشعبية في البلاد، من أجل بلوغ دولة ديمقراطية حقيقية تؤسس لنظام ملكية برلمانية (…)”.
سابعا: تصور حزب التقدم والاشتراكية
تقول المذكرة الأولية لحزب التقدم والاشتراكية، في النقطة المعنونة بـ “حول موقع الملكية وآفاق المؤسسة الملكية في النظام الاجتماعي والسياسي المغربي”، بأن “مسألة “الملكية البرلمانية”، هي إفراز تاريخي تدريجي للنظام الملكي الذي أفضى إلى نظام يسود فيه الملك ولا يحكم، دون أن يعني ذلك أن المؤسسة الملكية هي مجرد رمز يكتفي بالمتابعة من بعيد، لا يتدخل في حركية المؤسسات.
هذا يعني أننا في حزب التقدم والاشتراكية ننخرط في إصلاح دستور شامل لصياغة مفهوم مغربي للملكية البرلمانية يؤمن للمؤسسة الملكية جدلية الاستمرارية التاريخية والجنوح التقدمي، أي فسح المجال أمامها لتضطلع بدور الحكم والموجه الذي يتوفر على الآليات التي يحفظ له المكانة المرجعية في المجتمع من جهة، والقدرة على التدخل كأمير للمؤمنين ورئيس للدولة مؤتمن بهاتين الصفتين، على حماية الدين والدستور والحقوق والحريات، وضامن لاستقلال البلاد وحوزتها الترابية من جهة أخرى”.
ثم يضيف، في الفقرة المعنونة بـ “مبادئ عامة”، بأن “المغرب دولة ديمقراطية موحدة وذات سيادة، يندرج نظامها السياسي في أفق ملكية برلمانية، وتقوم على نظام اللامركزية والجهوية المتقدمة، ومبنية على التضامن. السيادة الوطنية للشعب، يمارسها مباشرة بالاستفتاء، أو بصفة غير مباشرة بواسطة مؤسساته وممثليه المنتخبين”.
وفي حديثه عن الثوابت الوطنية، أضافت وثيقة الحزب بأن “ثوابت المغرب أربعة، تنتظم الدولة على أساسها وهي: الإسلام دين الدولة، الوحدة الترابية للمملكة، الخيار الديمقراطي، العربية والأمازيغية”.
غير أن أكبر ما يُستغرب له ضمن مقترحات الحزب، هو إقصاءه للملكية من الثوابت الوطنية، مما يطرح ألف استفهام وسؤال!!!؟ (ولَرُبَّما، يرجع ذلك -في اعتقادنا- إلى الطبيعة الأولية لمذكرة الحزب، والتي سيتم استدراكها -بلا شك- في اقتراحاته التكميلية التي سيوفي بها اللجنة فيما بعد).
ثامنا: تصور حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي
يأتي، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، في مقدمة اقتراحات الأولية بخصوص تصوراته للإصلاح الدستوري، والتي يرتبها حسب أبواب الدستور الحالي 1996، وبعد التصدير، إلى الباب الأول، أحكام عامة، ليؤكد مباشرة بأن: “نظام الحكم بالمغرب: نظام ملكية برلمانية”. ودون أن يقدم توضيحات في ذلك بشكل دقيق، فهو يعود في الباب الثاني المخصص للملكية إلى المطالبة بإلغاء الفصل 19 من الدستور الذي يعتبر عباراته “عامة فضفاضة”، واختصاصاته “واسعة لا حدود لها”. بل، أكثر من ذلك، فهو يمس “باختصاصات السلطة التشريعية (اختصاص القانون) وباختصاصات السلطة التنفيذية”، كما يقول الحزب، حيث يضيف: وقد “استعمل –الملك- هذا الفصل عن طريق ظهائر ملكية” في العديد من المناسبة ليحل محل إحدى المؤسسات المعنية بالتنظيم أو التشريع.
لينهي الحزب، بعد ذلك، وثيقته باقتراح حذف الفصل 106، والذي –في نظره- “يمنع إمكانية مراجعة النظام الملكي للدولة والنصوص المتعلقة بالدين الإسلامي”، لاعتبار هذا المنع مخالفا تماما مع مبدأ “سيادة إرادة الشعب على كافة المستويات، هذه السيادة التي لا يمكن أن يحد منها أي استثناء من الاستثناءات”.
تاسعا: تصور حزب النهج الديمقراطي
وفي وثيقة جد مختصرة، لا تتعدى مقترحاتها صفحتين على الأكثر، وفي خمس نقط أساسية، عَبَّرَ حزب النهج الديمقراطي عن تصوراته، بشكل مُلفت للنظر، إذْ لم تتم الإشارة -لا من بعيد ولا من قريب، ولا صراحة أو ضمنا- إلى الملك أو الملكية كنظام سياسي. وكل ما قد يُعبر، في استغراب عن طبيعة هذا الأخير، هو ما أدرجه ضمن النقطة الثانية، والمتعلقة بالهوية والديانة والدولة، بحيث يؤكد الحزب على ما يلي:
– إن الشعب المغربي شعب عربي أمازيغي من حيث الهوية الثقافية والحضارية، ديانته الأساسية الإسلام وينتمي إلى المغرب الكبير والعالم العربي وإفريقيا.
– إن الدولة المغربية دولة ديمقراطية علمانية تقوم على أساس الإرادة الشعبية وتعتمد النظام البرلماني وتضمن حرية العقيدة وتحضر استعمال الدين لأغراض سياسية كما تقرر بدور الجيش كحامي للوطن ومصالح الشعب.
– الجهوية الديمقراطية، حيث تتمتع الجهات بصلاحيات حقيقية في التقرير والتنفيذ، صلاحيات متفاوض حولها مع السلطة المركزية، مع إعطاء الجهات ذات الخصوصية أقصى حد ممكن من التسيير الذاتي قد تصل إلى الحكم الذاتي.
عاشرا: تصور الحزب الاشتراكي الموحد
وفي بيان للحزب الاشتراكي الموحد، الذي يُعلن مقاطعته للجنة مراجعة الدستور، يقترح عشرة مبادئ للوثيقة الدستورية، وهو يؤكد بأن المجلس الوطني قد خلُصَ إلى أن: “النضال اليوم من أجل قانون أساسي للبلاد يستوعب التوجهات الجوهرية للملكية البرلمانية، يقتضي أن تتضمن الوثيقة الدستورية المبادئ التالية”.
والتي خصص المبدأ الثامن -من تلك المبادئ العشرة- للمؤسسة الملكية بالقول: “إن الانتقال بالملكية المغربية من ملكية حاكمة إلى ملكية برلمانية تكفل ربط القرار بصناديق الاقتراع وربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة على جميع المستويات، يعني إرساء قطيعة مع ماضي الحكم التقليدي ومباشرة الملك اليوم لأدوار رمزية وتحكيمية تشخص استمرارية الدولة وتسمح بتداول البرامج والسلطة الفعلية بين الأحزاب طبق القواعد العامة للنموذج المتعارف عليه عالميا للملكية البرلمانية وليس بمعزل عن إحداها”.
وبعد الإعلان عن هذه المطالب والمقترحات والمبادئ العشرة، ينتقل الحزب في الفقرة ما قبل الأخيرة في بيانه إلى القول: “وإذ يُثمن المجلس الوطني موقف المكتب السياسي القاضي بمقاطعة لجنة “الآلية السياسية المواكبة” لإعداد الدستور الجديد، فإنه يدعو كافة المناضلين الديمقراطيين إلى الانخراط بفعالية في مسار التغيير، ويؤكد تشبثه بتحالف اليسار الديمقراطي واستعداده لإنجاح البرنامج المسطر من طرفه، بما في ذلك تنظيم مناظرة حول دستور الملكية البرلمانية والعمل على بناء ائتلاف لمكونات الصف الديمقراطي السياسية والنقابية والمجتمعية المدافعة عن نظام الملكية البرلمانية”.
ملاحظات ختامية
كل ما يمكن –ختاما- أن نستنتجه من خلال التصورات الحزبية المستعرضة أعلاه، حول طبيعة النظام السياسي المغربي المرتقب، ضمن الإصلاح الدستوري القادم، هي مجموعة من الملاحظات المُسْتَخْلَصَة، وفق الترتيب التالي:
أولا: بالرغم من عامل الزمن، الذي فرضه توقيت الإصلاح الدستوري المرتقب، والمدة المخصصة للأحزاب لتقديم مقترحاتها وتصوراتها حول تعديل الدستور المراجع لسنة 1996، فإن أغلب المذكرات المقدمة بهذا الخصوص، يؤكد أغلبها على طابعها الأولي، وأنه في غضون الأيام القادمة سوف يتم إيفاء اللجنة المكلفة بمذكرات شاملة ووافية لمقترحاتها، باستثناء بعض الأحزاب التي قدمت مذكرات كاملة.
ثانيا: أن أغلبية الأحزاب قد اعتمدت في مقترحاتها وتصوراتها الموجهة للجنة مراجعة الدستور الحالي -وبشكل حرفي في أغلب الأحيان- على المرتكزات السبعة التي جاء بها الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011.
ثالثا: أن أغلبية الأحزاب تتفق على النظام الملكي، كنظام سياسي مغربي في الإصلاح الدستوري المقبل، مع اختلاف في التسميات، بحيث هناك من تبنى نظام “الملكية الدستورية”، وهناك من تبنى نظام “الملكية الديمقراطية”، وهناك من تبنى نظام “الملكية المواطنة”؛ في حين تبنى، البعض الآخر، نظام “الملكية البرلمانية”.
رابعا: رغم اختلاف التسميات المعتمدة في التعبير عن طبيعة النظام السياسي المرتقب في الإصلاح الدستوري القادم، فإن جل الأحزاب تتشابه تقريبا في تحديد نفس السلطات والاختصاصات التي تمنحها للمضمون، وهي نفس المرتكزات الملكية السبعة.
خامسا: بالجمع ما بين التفاصيل التي جاء بها كل حزب، فيما يخص علاقة الملك بمؤسسات، الحكومة والبرلمان والقضاء؛ وما جاء في المرتكزات السبعة المدرجة في الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011، فإن كل المفاهيم المرتبطة بالأسماء والألقاب التي منحتها بعض الأحزاب للملكية المغربية كنظام سياسي، من قبيل: ملكية دستورية، وملكية ديمقراطية، وملكية مواطنة، وملكية برلمانية، كلها لا تخرج عن الخط الناظم للمرتكزات السبعة المؤسسة ضمنيا –في نظرنا- للملامح الأولية لنظام سياسي ملكي برلماني، لكن -أكيد- بخصوصيات ومميزات مغربية محضة.
سادسا: يلاحظ بأن الأحزاب العشرة التي توفرت لدينا وثائقها ومذكراتها، فيما يخص تصوراتها للإصلاح الدستوري القادم، ومنها مقترحاتها حول طبيعة النظام السياسي المرتقب، يمكن تقسيمها إلى اتجاهين مختلفين في التفاصيل، لكنهما متكاملين في الأهداف.
الخمسة الأوائل، حسب التقسيم المقدم أعلاه، يتبنى في عموميته، ما يمكن أن نجمله تحت، “نظام ملكية دستورية ديمقراطية مواطنة واجتماعية”، بينما تتبنى الخمسة المتبقية من الأحزاب أعلاه، ما يمكن أن نحصره تحت، “نظام ملكية برلمانية”، كما هي متعارف عليها عالميا، لكن -وإن اقتضى الأمر- بمواصفات وخصوصيات مغربية، تُحترم فيها الثوابت الوطنية وتُراعى فيها العادات والتقاليد المغربية.
سابعا: وإذا كنا نعلم، بأن التعددية السياسية الحزبية بالمغرب، تسمح تقريبا لما يفوق 30 حزبا من التعبئة والتربية والمشاركة السياسية، للمواطنين؛ إلا أننا، نكاد لا نسمع بتاتا لأسماء البعض منها، إلا عند اقتراب مناسبة سياسية أو استحقاق انتخابي. بل إن، أكثر ما يثير انتباهنا، في هذه الظرفية المتسمة بالترقب والمراقبة أحيانا، والمرافقة والمشاركة أحيانا أخرى، وذلك في خطوات الإصلاح السياسي الدستوري المرتقب، هو انعدام أية مواقف لتلك الأغلبية الصامتة من الأحزاب الغائبة. بل إن البعض منها، لا يمتلك ولا موقعا للوساطة والتواصل، يُعبر من خلاله عن أفكاره وبرامجه، أو اقتراحاته وتصوراته حول ما تعرفه الظرفية الحالية من تاريخ المغرب الحديث، من القضايا والأحداث المصيرية. لذلك، نتساءل في استغراب، عن الأسباب الحقيقية، التي تدعوا -أو تدفع بالأحرى- بهذه الأحزاب إلى شبه الانطواء والتقوقع على نفسها؟ وما القيمة الإضافية التي يمثله تواجدها في الساحة السياسية المغربية، جسدا بلا روح؟ ما دام لا يُسمع لها صوت، ولا يُذكر لها رأي، ولا تُبدي أية مُشاركة في الحراك الاجتماعي والسياسي، ولا في النقاش العمومي، اللَّذَيْن ينهض بهما شباب المغرب المعاصر اليوم !!!؟