أ.د. أحمد محمد وهبان

علمية علم السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني

الاسم / راشد سعد القحطاني
الرقم الجامعي / 430106599
المادة / فكر غربي 2 (320)

علمية علم السياسة
ما العلم؟
من الواضح أننا نعيش اليوم في عصر العلم لكن برغم تغلغل العلم في كل شئون حياتنا والاحترام الواسع الذي يلقاه إلا أن هناك درجة غريبة من سوء الفهم حول ما يعنيه مصطلح العلم بالتحديد. فالعلم مرتبط في الأذهان بالعاملين في المختبرات ذوي المعاطف البيضاء ،وبالأجهزة المختبرية المعقدة، وبالنماذج الرياضية الدقيقة ومع ذلك فإن المصطلح لم يعط في الواقع تعريفا واضحا يستطيع من خلاله الواحد منا تمييز ما هو علمي وما هو غير ذلك. فبرغم أن لدينا حدسا مبدئيا عن ماهية العلم إلا أن تعريفه الدقيق يضللنا. وهناك بشكل عام طريقتان مختلفتان لتعريف العلم.
الأولى والأوسع استخداما للمصطلح تعرّف العلم على أنه “أي ترتيب نظامي للمعرفة المكتسبة والذي يشمل الدراسة المعمقة لموضوع ما ثم وضع ما تم تعلمه وفق نوع من الترتيب العقلاني. حيث يتم تصنيف المعرفة المكتسبة أو ربطها بأجزائها المختلفة من خلال برنامج عقلي مدروس. ويعتبر العلم من هذا المنظور سمة لكل الحقول الأكاديمية ومن بينها الفلسفة والعلوم الاجتماعية والرياضيات، فضلا عن كل محاولات وضع المعرفة الإنسانية في ترتيب نظامي.
أما الطريقة الثانية فهي التي تعّرف العلم من خلال ربطه بالمنهجية العلمية أو التجريبية. وتكاد تنحصر المنهجية العلمية في استخدام المعلومات التجريبية بهدف بناء نظريات قادرة على التفسير والتنبؤ.2
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض مصطلحاته بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية. فالمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها بواحدة أو أكثر من حواسنا الخمس. ومن ثم يمكن التأكد من صحتها من قبل إي شخص. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد على المعلومات التجريبية فقط يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن والقبيح فضلا عن الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها دون التمكن من إعادة التأكد منها.
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض المصطلحات فيه بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية .والمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها باستخدام واحدة أو أكثر من حواسنا الخمس و بالتالي يمكن التأكد منها من قبل أي فرد . ويبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد فقط على المعلومات التجريبية يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن و القبيح فضلا عن الاستنتاجات التي نتوصل إليها لكن لا يمكن التحقق من صحتها. ولا تقتصر المنهجية العلمية على جمع الحقائق التجريبية لكنها تحاول استخدامها في صياغة نظريات للتفسير والتنبؤ من خلال خمس خطوات أساسية
1. تجميع الحقائق التجريبية حول موضوع معين.
2. دراسة هذه الحقائق بهدف اكتشاف أنماط الاختلاف والتشابه وهو ما يعرف بالتعميم
3. صياغة الفرضيات التي تفسر لماذا تعتبر التعميم الملاحظ صحيحا
4. اختبار الفرضية من خلال ملاحظاتها مرات عدة تحت ظروف مختلفة. والفرضية المتحقق منها تعتبر نظرية.
5- استخدام النظرية للتوقع أو التنبؤ مع التحقق من صحة التنبؤات من خلال ملاحظة العالم الحقيقي ومن ثم إجراء التعديلات المطلوبة عند الحاجة.
ما مدى علمية علم السياسة ؟
هناك شبه إجماع بين علماء السياسة على أن علم السياسة يعتبر علما من المنظور الأول لأنه يحاول أن ينظم معرفتنا بالعالم السياسي ويضع هذه المعرفة في ترتيب عقلاني. فحقائق علم السياسة توضع بشكل منظم وليست مجرد تجميع عشوائي لأجزاء المعرفة.
ومع ذلك فليس هناك نفس درجة الإجماع حول ماذا كان علم السياسة هو علم من منظور المنهجية العلمية أو حتى ماذا كان ينبغي محاولة تطبيق تلك الطريقة عليه. وهناك على وجه التحديد أربع من المشاكل العملية التي تواجه محاولات تطبيق المنهجية العلمية لدراسة المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني هي:
1- استحالة الفصل التام بين شخصية وقيم عالِم السياسة وموضوع الدراسة وذلك لأنه يدرس مؤسسات إنسانية تؤثر عليه شخصيا أو سلوك إنساني يكون هو جزء منه. فعالم الفلك مثلا الذي يحاول تحديد المسافة بين كوكبين في النظام الشمسي لا تتأثر نتائجه بمصالحه الشخصية بعكس اليهودي الأمريكي الذي يحاول تحليل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
2- استحالة إخضاع الظاهرة السياسية للتجربة المعملية. لا يستطيع عالم السياسة أن يسيطر على كل المتغيرات المؤثرة على المشكلة المدروسة بنفس الطريقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا.
3- مشكلة القياس في العلوم الاجتماعية. ففي العلوم الطبيعية هناك مقاييس واضحة ومحددة للمسافة والوزن والكتلة والزمن وغيرها تمكن من التوصل إلى وصف دقيق للبيئة الطبيعية، أما العلوم الاجتماعية فلا يقتصر اهتمامها على المسائل المادية المتعلقة بالمسافة والزمن والوزن و إنما كذلك بما يمكن أن يطلق عليها الأبعاد العقلية والروحية والنفسية للوجود الإنساني, وهذه الأبعاد لا يمكن قياسها بنفس الدقة والبساطة المتوفرة في العلوم الطبيعية.
4- وحتى عندما لا تمثل المقاييس مشكلة وحتى عندما تكون كل المتغيرات تحت السيطرة يبقى هناك في الغالب عدد كبير من المتغيرات يستحيل قياسها أو أخذها في الاعتبار . باختصار هناك عدد لا نهائي من المتغيرات المؤثرة على موضوع الدراسة مما يستحيل على الباحث أن يحدد ويقيس كل تلك المتغيرات.
ونتيجة لهذه المشاكل العملية الأربع هناك من تساءل عن قدرة علم السياسة على اكتشاف تعميمات وتطوير نظريات لها قدرة تفسيرية و تنبؤية فبعد كل شيء يزعم هؤلاء أليس كل إنسان وكل تصرف إنساني يعتبر فريدا من نوعه؟ فكيف يمكن إذا التوصل إلي أي نوع من التعميم أو النظريات ؟ إلا أنه وبرغم هذه المشاكل فإن عالم السياسة لا زال بإمكانه أن يقوم بدراسة علمية مجدية وأن يستفيد من المنهجية العلمية , إذا كان متيقظا وحذرا من أن تؤثر قيمه و تفضيلاته على موضوع الدراسة. كذلك مع أن عالم السياسة لا يستطيع في الغالب أن يقيس أو يتحكم في المتغيرات بنفس الدقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا إلا أنه يستطيع أن يتحكم ويقيس بدقة كثير من المتغيرات الهامة في دراسته.
والخلاصة أن علم السياسة يعتبر علما عند الأخذ بالمنظور العقلاني المرتب لدراسة الظاهرة السياسية كما يعتبر علم السياسة و إلي حد ما علم بمعنى المنهجية العلمية .
فروع علم السياسة الحديث
هناك اليوم عدة فروع أو حقول ضمن علم السياسة الحديث، أهم تلك الفروع هي النظرية السياسية والفلسفة السياسية، والحكومات، والسياسية المقارنة، والإدارة العامة والسياسة العامة، والعلاقات الدولية، والمنهجية وطرق البحث.
1 – النظرية السياسية والفلسفة السياسية وهما مصطلحان يستخدمان غالباً بشكل متبادل. ويهتم العلماء في هذا النوع بالأسئلة المتعلقة بالأحكام القيّميه وتاريخ وتطور الأفكار لكبار المفكرين السياسيين. وأحياناً يطلق على الفلسفة السياسية نظرية القيمة أو النظرية المعيارية (لتمييزها عن النظرية العلمية/ التجريبية) وذلك لأنها تهتم أساساً بالقيم، والمعايير، والمبادئ الأخلاقية (الفضيلة). وتحاول هذه النظرية أن تفحص العلاقات بين الحقائق والقيم، والآراء، وتعتبر النظرية جزءاً مهماً من علم السياسة لأنها تستخدم في شرح الظاهرة السياسية والتنبؤ بها. كذلك يهتم الفلاسفة السياسيون بالابستمولوجيا – أي أصل وطبيعة وحدود المعرفة.
2 – الحكومات يشكل موضوع الحكومات فرعاً كاملاً في علم السياسة وفي هذا الحقل يدرس العلماء بناءات ووظائف الحكومات في مستوياتها المختلفة وعادة ما يكون ذلك ضمن إطار بلد واحد، فضلاً عن دراسة المؤسسات مثل مؤسسة الرئاسة أو رئاسة الوزراء. ويهتم المختصون في هذا الحقل كذلك بتحليل السلوك السياسي لمجال واسع من المشاركين في العملية السياسية.
3 – السياسة المقارنة وهو فرع واسع جداً يحتوي ضمنه فروعاً تابعة، ويهتم هذا الفرع وإلى حد كبير بدراسة السياسة الكلية Macro-politics للدول. أما اهتمامه الرئيس فيتعلق بمقارنة سياسة وحكومة دول مختلفة. وتحت لواء هذا الفرع ينضوي عدد من المتخصصين في المناطق المختلفة الذين يركزون على مناطق محددة مثل الشرق الأوسط، الدول النامية، أمريكا الشمالية وغيرها، بالإضافة إلى أولئك الذين يضعون دراساتهم في إطار الممارسات والبناءات السياسية المتنوعة للعالم ككل. وللدراسات المقارنة أهمية كبيرة في علم السياسة فمن خلال المقارنة فقط نتستطيع أن نفهم ونقّيم مزايا أو مشاكل نظام سياسي معين. كذلك تعتبر المقارنة جزءاً مكملاً لكل الأبحاث التجريبية العلمية.
4 – الإدارة العامة والسياسة العامة يهتم كلا الحقلان بدراسة الجوانب الإدارية للحكومة. فالسياسة العامة تركز على تحليل وتقويم السياسات في مجالات مثل الدفاع، الصحة، التعليم وتنمية الموارد، أما الإدارة العامة فتهتم أكثر بكيفية صياغة تلك السياسات وتنفيذها ضمن البناء البيروقراطي الضخم للحكومة.
5- العلاقات الدولية يركز حقل العلاقات الدولية على السياسة الخارجية للدول والمنظمات الدولية والقانون الدولي لفهم طبيعة التفاعل بين الدول والعوامل الأخرى في المجتمع الدولي. ويهتم العلماء في هذا الحقل بشكل خاص بموضوعات من مثل التحكم في النزاعات بين الدول. كما أن هناك تأكيداً على أهمية الاقتصاد في مدرسة الاقتصاد السياسي الدولي الذي يعتبر جزءاً من هذا الفرع.
6- المنهجية تهتم المنهجية في علم السياسة بالنظرية التجريبية أو العلمية، حيث يطور المختصون في هذا الفرع إقترابات وتقنيات لاستخدامها في كل جوانب علم السياسة، وهم مهتمون على وجه الخصوص بدراسة السياسة بصرامة ودقة شبيهة بما يحدث في العلوم الطبيعية. ويميل المنهجيون إلى العمل في مجالات التحليل الإحصائي، تقنيات استطلاعات الرأي ، وعلم الكمبيوتر، أو دراسة المعرفة epistemology (كيف نعرف ما نعرفه) وفلسفة العلم (الافتراضات والمبادئ الأساسية للعلم).
خلاصـــــــة :
لقد اتسع نطاق اهتمام علم السياسة بشكل كبير منذ أن أعترف به رسمياً كحقل أكاديمي في بداية القرن العشرين، وكثير من الأبحاث اليوم تنفذ لكي تكون وثيقة الصلة بالمشاكل الداخلية والدولية الحالية. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل جلي في فرع السياسة العامة الحديث نسبياً الذي يركز على شرح فعل الحكومة داخلياً ودولياً.
وكما هو الحال مع الانقسام العام للمعرفة إلى ثلاثة فئات : علوم طبيعية، علوم اجتماعية، وعلوم إنسانية فإنه من المؤكد أن هذه الفروع في علم السياسة هي تصنيفات مصطنعة، فهناك تداخل كبير في الاهتمامات بينها. فموضوعات مثل السلوك، الأحزاب، أو العنف والثورات تدرس من قبل متخصصين في عدد من تلك الفروع المختلفة وكل يقدم خبرته من منظور مختلف كما يفترض افتراضات فريدة ويستخدم اقترابات مختلفة.

علاقة علم السياسة بالعلوم الأخرى :
نظراً لأن كل شيء تقريباً يخضع للسياسة فإن دراسة السياسة تعني دراسة كل شيء تقريباً. ولذا يعتبر علم السياسة من أكثر العلوم انفتاحاً على العلوم الأخرى وتداخلاً معها وخاصة العلوم الاجتماعية.
1 – التاريخ
يعتبر التاريخ أحد أهم المصادر الرئيسة للمعلومات بالنسبة لعالم السياسة، فعندما نناقش سياسة النازية في ألمانيا أو نمو السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة في ظل حكم الرئيس فرانكلين روزفلت أو حتى ظاهرة الحرب الباردة فنحن ندرس التاريخ. إلا أن المؤرخ وعالم السياسة يبحثان عن أشياء مختلفة ويتعاملان مع المعلومات بطرق مختلفة. فالمؤرخ يدرس دائماً جزء أو حقبة، بتفصيل دقيق باحثاً في كل الوثائق والأرشيف والسير الذاتية التي يمكن أن يجدها حول هذا الموضوع وبالتالي يجمع كم كبير من المعلومات التي تركز على نقطة أو جزئية واحدة فقط دون أن يستطيع توفير تعميمات حولها. أما في علم السياسة فإننا يمكن أن نقوم بدراسة دقيقة لحقبة زمنية معينة كذلك لكن عالم السياسة كثيرا
ما يلجأ إلى مقارنة نتائج تلك الدراسة مع دراسات أخرى في نفس الحقبة أو في أماكن أخرى بغرض التوصل إلى جوانب التشابه والاختلاف. ولذلك فعندما يلجأ بعض المؤرخين إلى الدراسات المقارنة فإننا نطلق عليهم علماء سياسة.
2- الجغرافيا البشرية
لم يكن موضوع الجغرافيا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل علماء السياسة برغم أنه يؤثر على دراستهم بشكل يفوق التصور، فالمكونات الإقليمية للسلوك الإنساني – مثل الحدود، والمناطق العرقية، تدفق التجارة، مركزة السلطة، والمناطق – لها آثار سياسية واضحة. فالاضطرابات في شمال إيرلندا، الشيشان والعراق، وافغانستان تعتبر مشاكل جغرافية، ولذا أصبح هناك اهتماماً متزايداً اليوم باستخدام الخرائط لدراسة وتفسير الاختلافات السياسية الإقليمية.
3- الاقتصاد
يدّعي بعض الاقتصاديين بأن الاقتصاد هو موضوع الاهتمام الرئيس للسياسة. (برغم أن علماء السياسة يدّعون العكس)، وصحيح أن كثيراً من الخلافات السياسية هي في الحقيقة اقتصادية (من يحصل على ماذا؟). كذلك يمكن أن تكون التنمية الاقتصادية الكلية شرطا أساسيا لنجاح الديموقراطية، فقليل جداً من الدول الفقيرة تعتبر ديموقراطية، كما أن التراجع الاقتصادي يمكن أن يهدد الديموقراطية القائمة كما كان عليه الحال في الرايخ الألماني وربما اليوم في روسيا.
ما هي السياسات التي تشجع التنمية الاقتصادية ؟ ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومة؟ ماذا يمكن أن تفعله العملة الأوروبية الجديدة للوحدة الأوروبية؟ باختصار عندما يتحول الاقتصاد إلى مسائل متعلقة بالسياسة يصبح عندئذ اقتصاد سياسي.
وهناك اليوم مدرسة جديدة نسبياً في علم السياسة هي “نظرية الاختيار العقلاني” متأثرة بالنظرة الاقتصادية تؤكد أن البشر يفعلون ما يحقق مصالحهم.
4- علم الاجتماع
يتداخل علم الاجتماع مع علم السياسة في بعض الأحيان فعالم الاجتماع سيمور مارتن ليبست يصنف في نفس الوقت على أنه عالم سياسة، بل أنه أول من أوضح العلاقة الوثيقة بين الديموقراطية ومستوى الثروة. بل أن علم السياسة يبدأ تقليدياً بالنظر إلى المجتمع لمعرفة “من يفكر في ماذا” عن السياسة، ولذلك ومن خلال التدليل على كيفية اختلاف وجهات النظر السياسية بين الطبقات الاجتماعية، المناطق، الأديان، الجنس ومجموعات الأعمار يوفر علم الاجتماع أساساً تجريبياً لدراسات الثقافة السياسية، الرأي العام، والانتخابات.
5- الانثربولوجيا
للوهلة الأولى يبدو أن الدراسات الانثربولوجية التي تركز تقليدياً على المجتمعات البدائية ليست مهمة بالنسبة لعلم السياسة إلا أن تقنيات الوصف والمقابلات الانثربولوجية قد تم تبنيها وتوظيفها بشكل مكثف بواسطة علماء السياسة. بل أن حقل الثقافة السياسية يمكن أن ينظر إليه على أنه فرعاً من الانثربولوجيا. فأنماط الإذعان والاحترام اليابانية مثلاً التي لا نزال نلاحظها حتى اليوم تعود جذورها إلى أكثر من ألف سنة. كذلك لا تزال بعض النظم السياسية الحالية تحتفظ بالقوة السياسية فيها لعائلات أو عشائر قوية تقليدياً، ففي وسط آسيا استمرت عائلات الأمير التي حكمت في ظل دولة الفرس، واستمرت بعد ذلك، بقيت أيضاً في ظل حكومات القيصر والشيوعية وحتى في الدول التي استقلت من الاتحاد السوفيتي حديثاً هناك. أما في أفريقيا فإن التصويت والعنف يتأثران بالانقسامات القبلية ويأتيان انعكاساً لها.

6- علم النفس
يسهم علم النفس وخاصة علم النفس الاجتماعي بشكل كبير في فهم علم السياسة وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات التي تحتذيها السياسة ولماذا وتحت أية ظروف يذعن الناس لرموز السلطة وكيف يمكن للناس أن يكّونوا ارتباطاتهم القومية والجماعية والتصويتية. فالدراسات التي تتناول هتلر و ستالين و ماو تعتبر دراسات نفسية تقريباً. كذلك فإن علماء النفس يعتبرون من أفضل أصحاب الطرق المنهجية في العلوم الاجتماعية أي أنهم يبتكرون طرقاً لدراسة الأشياء بمصداقية أكبر وبتحيز أقل ويعلموننا بأن نشكك في كثير من المزاعم. بل أن طرح الأسئلة بطريقة عفوية والتحكم في عوامل محددة هي أساليب تم تطويرها في حقل علم النفس.
مستقبل علم السياسة الحديث :
أن مسحاً للمجلات الأكاديمية اليوم يشير إلى وجود كل من الدراسات المستندة على تطبيق صارم للمنهجية العلمية بجانب الدراسات الوصفية المحضة التي تهتم بمتابعة التغير في المؤسسات والعمليات. هذا الوضع المركب دفع بعض المعلقين إلى أن يطلق عليه فترة ما بعد السلوكية في علم السياسة حيث اصبحوا مقتنعين بأن علم السياسة يستطيع و ينبغي له أن يستوعب اقتراباً علمياً للحقل فضلا عن اهتمامه بمبادئ الأخلاق، الحكمة والقيم.
ويمكن تصنيف معظم علماء السياسة اليوم كعلماء مرنين Soft ، فهم يوافقون على أن الاقتراب الذي يستخدمه عالم السياسة تجاه الموضوعات المطروحة يحدد نوع الأسئلة الموجهة والمنهجية المستخدمة للدراسة. ويعترف علماء السياسة “المرنين” أنه يجب أن يتم توظيف العمل الوصفي الأساسي لمتابعة وتسجيل التغيرات في المجتمعات والمؤسسات السياسية وأننا بحاجة للملاحظات الحدسية لتكمل الدراسات التجريبية للحصول على تصور كامل عن المجتمع بكامله. وفي نفس الوقت، فإن “الاتجاه المرن يستند على التزام جوهري بالمبادئ الأساسية للعلم”(3) فعلم السياسة الحديث يحاول اكتشاف تعميمات وتشابه في السلوك الذي يحكم العملية السياسية. إلا أن هذا ليس بالأمر اليسير لأنه يتعلق بالسلوك الإنساني الذي تؤثر فيه عوامل متعددة في كل حالة. وعلى علماء السياسة أن يتعاملوا مع التنوع الحادث طبيعياً في العالم الحقيقي، فهم لا يستطيعون خلق ظروف تجريبية والسيطرة عليها.
فالملاحظات الوصفية غير المقصودة ليست جزءاً من علم السياسة ويجب على المحلل أن يتبع التقاليد العلمية، فعلى سبيل المثال يجب على دراسات علم السياسة أن تجمع أكبر عدد ممكن من الأدلة لتدعيم مزاعمها، وأن توضح منهجيتها، نتائجها واستنتاجاتها بجلاء وأن تلتزم بالأسس العلمية حتى تقترب الدراسة قدر الإمكان من هدف إمكانية التكرار. وعلماء السياسة، بصفتهم أعضاء في المجتمع العلمي، يتبنون منظوراً نقدياً عن أسباب ونتائج الظاهرة السياسية ويتعاملون مع المزاعم بنوع من الشك. وقد زعم كارل بوبر ، فيلسوف العلم الحديث، بأن العلم يتقدم نحو هدف مطلق ومع ذلك يمكن الوصول إليه : ونحو اكتشاف مشاكل جديدة وأكثر عمقاً وعمومية ونحو إخضاع أسئلتنا الأولية إلى امتحان متجدد دائماً بل وأكثر صرامة(4). أن رؤية العالم أو Paradigm التي تضفي الشرعية على الإجماع الأكاديمي حول ما يمثل بحثاً نموذجياً، تتغير باستمرار، كموضوع السياسة نفسها(5).
ومن المهم لطلاب السياسة أن يلقوا بالاً للاقترابات والطرق المختلفة المستخدمة من قبل علماء السياسة وإيجابيات وسلبيات كل منها، واليوم هناك تنوعاً كبيراً في فروع واقترابات حقل السياسة ويبقى مع ذلك خلافاً كبيراً في الحقل بين التوجهات “العلمية” و “الإنسانية” حيث تركز الأولى على شرح التنوعات العلمية بينما تركز الأخيرة على التفسيرات الإنسانية.

Leave a Comment