على قامة الريح
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز آل ثنيان
ليبراليا، ومثقفا طليعيا فعليك أولا أن ترفض ما يُسمى بنظرية المؤامرة، وإذا ما أجبرتك الظروف حيال قراءة بعض الأحداث التي تفوح منها تلك الرائحة، فبوسعك أن تبدأ حديثك هكذا: «رغم أني لا أؤمن بنظرية المؤامرة إلا أن.. ثم قل: ما تشاء!»، في الماضي كانت موضة المثقفين الطليعيين العرب أنهم لا يستمعون إلا إلى صوت فيروز، على اعتبار أن الذائقة السمعية هي جزء من التصنيف الثقافي، قبل أن تظهر أسطوانة رفض نظرية المؤامرة، وتحتل السطح، وتتحول إلى ما يشبه ال ( لوغو ) الثقافي الذي يستخدمه البعض في الفاضي والمليان، سواء كان لها مكان من الإعراب أو لا مكان.
صحيح أن هنالك من بات يوظف هذه النظرية لصالحه، وبشكل مبالغ فيه، وظفها بعض رؤساء دول الربيع العربي في محاولة حماية عروشهم، رغم أنهم يعون تماما أن شعوبهم المقموعة هي من قامت ضدهم نتيجة تآمرهم على قوتها وعلى مصالحها، ووظفتها إيران للتصدي للمناوئين لبرنامجها النووي، وغيرهم كثير ممن حاول الترويج لها لسبب أو لآخر، لكن كل هذا لا يُمكن أن يلغي أنها موجودة وقائمة في معظم العلاقات الدولية، ولا بد أنها تبدو أكثر وضوحا وتجليا في الدول الكبرى التي تجبرها أطماعها المتزايدة على التآمر هنا أو هناك لتحقيق مصالحها.
المؤامرة في تصوري هي سلم المصالح، وعلاقات الدول، وتحديدا الدول الكبرى التي تتجاوز مصالحها كل الحدود.. قائمة في الأساس على المصالح، وبالتالي فهي لن تتوانى عن استخدام كل أساليب المؤامرة والمناورة والمداورة للوصول إلى تحقيق مصالحها بأقصر وأيسر الطرق، ولو كانت تلك العلاقات قائمة على المبادىء فعلا.. لما احتاجت هذه الدول لإنفاق كل هذه الأموال الطائلة على أجهزة مخابراتها لتقليب جيوب نوايا الآخرين، وقطع الطريق أمامهم، لا معنى أساسا لمثل هذه الأجهزة المخابراتية العملاقة المدججة بأفضل وأدق عناصر التقنية، طالما أن النوايا كلها ستعرض على طاولة المناقشات العلنية، ربما يقول البعض أن هذه الأجهزة إنما هي لدرء الحروب، لكن الحروب تقع اليوم حتى بين الأصدقاء لأن الصداقات الدولية ترتبط بشكل عضوي بلغة المصالح.
من هنا أعتقد أن تبرئة العلاقات الدولية من تهمة المؤامرة تحت أي ذريعة، إنما هي بمثابة تبرئة الذئب من شيمة الافتراس، أو تبرئة الظل من العلاقة بالضوء، لأنها في واقع الأمر، وفي سياق التناحر على النفوذ والمغانم.. جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية التي باتت تحكم العالم، ورفضها بالمطلق هو إذعان ذهني لسيطرة ثقافة المتآمِر على المتآمَر عليه، وهذا بحد ذاته فرع من فروع المؤامرة الكبرى.. التي تريد أن تستقطب أو تستدرج بعض الأصوات الثقافية لنفيها في المقام الأول، ثم تمهيد طريقها في المقام الثاني.