عوامل وحدة الخليج
كاتب الموضوع الأصلي: احمد الحربي
عوامل وحدة الخليج
قراءة في قرارات قمة الرياض (قمة سابقة)
بعد كل قمة خليجية نجد المهتمين بشؤون الخليج وعلى وجه الأخص المهتمين بالشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية يستعرضون ويحللون نتائج تلك القمة وما أضافته من لبنات جديدة لهذا الصرح الخليجي وكذلك ما تمخض عن ذلك من استكمال الإنجازات. إن قمة الرياض كما يعلم الجميع ليست كالقمم الأخرى السابقة لها، وإن كانت تماثلها في طرح الكثير من القضايا، إلا أن قمة الرياض لها تميز آخر. حيث أكدت هذه القمة على إنجاز الكثير من القضايا المشتركة المهمة. فقد ركزت هذه القمة على ثلاث قضايا جوهرية، وتوصلت إلى نتائج إيجابية، حيث كان التوافق بين الدول الأعضاء على إنجاز تلك القضايا لا مثيل له في الاجتماعات السابقة ويصل إلى أعلى مستوياته.
الاستراتيجية العسكرية:
لقد أقرت القمة الخليجية تطوير “درع الجزيرة” وذلك لتعزيز استراتيجية الدفاع الجماعي عن المنطقة من التهديدات الإقليمية والدولية. حيث تم إقرار توصيات وزراء الدفاع بدول مجلس التعاون الخليجي والذي عقد قبل أسابيع قليلة في أبو ظبي، والذي كان من توصياته تطوير قوة درع الجزيرة والمجالات العسكرية الأخرى تأكيداً منه على أهمية هذا التعاون في تعزيز الدفاع الجماعي بين الدول الأعضاء، خاصة والنظام العراقي لا زال يهدد أمن واستقرار المنطقة من خلال سياسة المماطلة وترديده للمزاعم التوسعية في دولة الكويت وتهديد سيادتها، الأمر الذي يعرض أمن المنطقة بأكمله للخطر، وكذلك من خلال عدم التزامه وتطبيقه لقرارات المنظمة الدولية. ولأهمية هذا المجال وما يؤدي إليه من تحقيق التكامل العسكري، فقد قرر المجلس تشكيل لجنة عليا لمتابعة إنجاح هذا الأمر فقد جعلت رئاسة اللجنة العليا دورية سنوياً بين وزراء دفاع دول المجلس، وذلك من أجل تفعيل قرارات وإنجازات الدول الأعضاء في هذا المجال. وكان هناك بعض الخيارات المطروحة حول التعاون العسكري منها على سبيل المثال خيار توحيد الجيوش الخليجية، إلا أن الاقتراح العماني والمطروح منذ زمن كان له النصيب الأكبر وهو تكوين قوة ردع خليجية قادرة على صد أي نوع من الهجوم الخارجي، أو ما يسمى في العرف العسكري صد الضربة الأولى. وقد تكون هذه القوة الرادعة هي نواة توحيد جيوش دول المجلس، حيث أن السياسات العسكرية بين دول المجلس تكاد تكون متقاربة من حيث الإعداد والتدريب والخطط التكتيكية والإستراتيجية وكذلك من حيث التسلح ومصادره، وهذا بدوره يسهل عملية التعاون العسكري بين الدول الأعضاء.
الأمر الثاني الذي تم إنجازه خلال قمة الرياض هو الاتفاق على المسائل الأمنية المشتركة. فقد مضى وقت طويل على اقتراح الاتفاقية الأمنية بين دول المجلس، والتي تستعرض كيفية التعامل مع المجرمين والمخلين بالأمن في الدول الأعضاء، حيث أن الاتفاق على ذلك بلا شك قد يعجل استكمال التكامل في النواحي الاقتصادية الأخرى وإعطاء مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الحرية في التنقل والمساهمة في العمل التجاري بحرية في أي دولة من دول المجلس. حيث أن هذا المواطن إذا أراد أن يسيء استعمال التسهيلات المقدمة له من دولة غير دولته الأم فإنه يدرك أن دولته سوف تقدمه للدولة التي أخل بأنظمتها. وهذا يساعد على تفعيل العمل التجاري بين مواطني دول المجلس. وقد كان هناك بعض العوائق التي اعترضت تطبيق الاتفاقية الأمنية، وتم تأجيل الموافقة عليها، إلا أن قمة الرياض أعادت الأمل في تطبيق الاتفاقية الأمنية والتي من مميزاتها أنها لا تخدم دولة بعينها بقدر ما تخدم جميع دول المجلس وكذلك جميع المواطنين والمقيمين بدول المجلس. والمطلع على بنودها يدرك هذا الأمر جيداً.
أما في المجالات الاقتصادية فقد أبدى الزعماء ارتياحاً كبيراً من زيادة التبادل التجاري بين دول المجلس والذي توضحه الأرقام من زيادة المستفيدين من الاتفاقية ما تبقى من أحكام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول المجلس. ولتحقيق ذلك فقد وجهت قمة الرياض وزراء المالية في دول المجلس للعقار والسماح لشركات الطيران الوطنية بممارسة نشاطها بدون وكيل عام أو كفيل محلي، وهذه إحدى الإنجازات الكبيرة نحو الوحدة الاقتصادية القادمة.
كذلك قرر المجلس إقامة مركز التحكم التجاري لدول المجلس وأقر مشروع نظامه. بالإضافة بشأن الأوضاع البترولية. حيث أن الفائض الكبير من البترول المعروض أحدث تأثيراً سلبياً على اقتصاد دول المجلس، ولذلك نجد أن هناك توافق كبير حول السياسة البترولية، حيث أكد المجلس على ضرورة العمل على استقرار السوق البترولية ومن ثم التعاون بين المنتجين، أعضاء منظمة الأوبك والدول غير الأعضاء، وذلك بهدف إيجاد استقرار بترولي.
هذه هي المجالات المهمة التي اتخذت قمة الرياض قرارات جوهرية بشأنها والذي يعتبر تحقيقها إنجازاً كبيراً في مسيرة التعاون الخليجي وذلك بعد سنوات عدة من الدراسات والمناقشات والتأجيل. ولم تقتصر إنجازات قمة الرياض على المجالات السابقة بل تعدتها إلى عدد كبير من المسائل الأخرى التي لها دور كذلك في دفع عملية التكامل الخليجي، مثل تعزيز ودعم جامعة الخليج والتي تعتبر مثالاً ناجحاً للعمل المشترك بين دول المجلس، وكذلك الموافقة على السياسات والمبادئ العامة لحماية البيئة في المنطقة ومواصلة العمل المشترك لتقريب السياسات وتوحيد الأنظمة والتشريعات البيئية وتعزيز القدرات الوطنية والإقليمية وتدريب الأطر البشرية ورفع مستوى الوعي البيئي بين المواطنين والحفاظ على الموارد الطبيعية.
إن نظرة فاحصة لقرارات قمة الرياض التي سبق استعراضها تعطينا مؤشراً على مدى ما تحقق من إنجازات كبيرة خلال هذه القمة، والذي يرجعه المتخصصون إلى عوامل عدة استعرضناها في مقال سابق ألا وهي عامل الزمن وعامل المكان وعامل القيادة التي اجتمعت كلها في قمة الرياض والتي أدت مجتمعة إلى هذا الإنجاز الكبير.