أ.د. أحمد محمد وهبان

ـ الأشكال المختلفة للحكومة عند أرسطو

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العيفان

ـ الأشكال المختلفة للحكومة عند أرسطو.
أ ـ نطاق التحليل.
استخدم أرسطو التحليل العلمي للوقائع السياسية بفضل التجربة السياسية التي حصل عليها بصفته مستشارا “سياسيا”. ومن أجل القيام بتحليله عرّف أرسطو وبدقة النطاق أو المحيط الذي بداخله تطور تفكيره، أو ما يمكن أن نطلق عليه “نطاق التحليل” أو “المعطيات الأساسية”.

أولا ـ المدينة.
من خلال الوقائع السياسية التي عاشها أرسطو في زمنه نراه يعالج ويحلل موضوع “المدينة” كوحدة أساسية للتحليل. والمدينة بالنسبة له ليست مخلوق إنسانيا،بل إنها معطى طبيعيا:” إنه من الواضح أن المدينة هي حقيقة طبيعية وأن الإنسان هو بالطبيعة كائن موجه للعيش في مدينة”.بمعنى آخر، أن أرسطو يرى وجود سابقا للمدينة على الفرد.فالمدينة موجودة في الطبيعة نفسها والإنسان هو عنصر،من غيرها، لا يستطيع العيش. أيضا يظهر أرسطو وكأنه فيلسوفا غير فردي individualiste،وهو واضح جدا في هذه النقطة :”الإنسان الذي لا يستطيع العيش في جماعة أو الذي لا يحتاج إليها نهائيا لأنه يكتفي بنفسه،لا يشكل جزءا من المدينة، إذا إما هو وحش أو إله”[9]. وبالنسبة لأرسطو المجتمع هو تعددي بالطبيعة.بينما نجد عند أفلاطون أن “الوحدة” يجب أن تطبع المدينة بطابعها وأية قطيعة في هذا المجال هي تراجع يحدث تأخرا وانحلالا في المجتمع ككل. بالإضافة لذلك، أرسطو يقبل بأن “المدينة” مركبة من عناصر مختلفة ولكنه يعتبر أنها ليس لديها حظ أو فرصة بالحفاظ على تنوعها إلى بشرط من خلاله كل جزء أو عنصر يكون ليده مصلحة بالبقاء، وبالنتيجة، سيكون هناك إرادة بضمان الاستمرار والديمومة.

ثانيا ـ طبيعة السلطة.
يتناول أرسطو هذا الموضوع من خلال معرفة إذا كانت السلطة “كلا واحدا” في طبيعتها أم هي متعددة.أرسطو يعترض كليا على المفهوم القائل “بوحدة طبيعة السلطة”. ومن هنا يوجه انتقاداته للأطروحات التي تدافع عن “وحدة السلطة” كما نراه في النص الأرسطي التالي:” البعض يعتقد بوجود علم أو معرفة، إنه سلطة السيد و هي نفس الشيء بالنسبة لرب العائلة، السيد،رجل الدولة و الملك…والبعض الآخر، يرى أن سيطرة وهيمنة السيد هي ضد الطبيعة،في الواقع إنه القانون هو الذي يجعل هذا عبدا وذاك حرا؛وفي الحالة الطبيعة لا يوجد فرقا،كذلك التسلط ليس عدلا لأنه عنيف”[10] . أرسطو لا يعتقد بأن السلطة “واحدة” لأنه إذا وجد خضوع لشخص ما في أية علاقة من علاقات السلطة، طبيعة هذا الخضوع هي مختلفة وفق الظرف الذي يكون قائما.إذا نظرية وحدة السلطة هي زائفة لأن كل أشكال السلطة لا تطبق بشكل واحد على نفس الأشخاص ولا تستخدم جميعها نفس النهج أو الطريقة.

بالمقابل،الفكرة القائلة أن السلطة ليس لديها طبيعة واحدة هي صحيحة ولكن العرض الذي يسمح بالوصول لهذه الخلاصة ليس مرضيا بشكل كلي.في الواقع، ومن أجل أن يكون هذا العرض مقنعا،يحاول أرسطو توضيح لماذا السلطة الممارسة على الناس الأحرار و المتساوين هي مختلفة بالوسائل المستخدمة عن تلك السلطة التي تمارس داخل العائلة، أو بشكل خاص على العبيد. تعريف طبيعة السلطة السياسية، كسلطة مختلفة عن الأشكال الأخرى للسلطات، هو من المشاكل الأساسية للنظرية السياسية والإجابة المقدمة من أرسطو هي عنصر خاضع للنقاش كما يمكن مقارنتها مع الحلول الأخرى التي اقترحت من قبل آخرين.[11]
، المرجع السابق، صفحة 35. Dimitri Georges Lavroff ـ

ثالثا ـ المواطن.
وفق أرسطو المواطن ليس بالضرورة أن يعرّف أو يوصف من خلال إقامته في إقليم محدد. حيث يوجد أشخاص يقيمون في إقليم معين ولا يتمتعون بصفة مواطن، وهذا هو وضع العبيد أو الأجانب في اليونان القديم. لذلك يقترح تعريفا إيجابيا. المواطن يعرّف بداية من خلال المشاركة في ممارسة وظائف القاضي والقضاء. وهنا أرسطو يسند في مرجعية التعريف إلى أوضاع المواطنين في المدن اليونانية القديمة وخاصة في أثينا. أيضا القدرة على التصرف و التحرك ضمن الأجهزة السياسية والقدرة في الحصول على العدالة هي عنصر مهم من وضعية المواطنة. ونكمل ذلك بصفات أخرى للمواطنة عند أرسطو، حيث يقترح الحل التالي:” أيا كان لديه الإمكانية بالمشاركة في السلطة التنفيذية أو القضائية؛نستطيع القول إنه مواطن في هذه المدينة”[12]

ب ـ التصنيف الشكلي للدساتير.
أولا ـ ما هو الدستور.
يعرّف أرسطو الدستور في أجزاء متعددة من مؤلفه وهذه التعريفات ليست جميعها متشابهة. بداية، الدستور هو ” تنظيم مختلف الهيئات القضائية في المدينة وبشكل خاص تلك التي تضمن السلطة السيادية في كل مكان،وفي الواقع، الحكومة تمتلك السلطة العليا في المدينة،ومن هنا،الدستور هو الحومة” [13]. هذا التعريف يعطينا مجموعة من الملاحظات: حيث نرى أنه يستند إلى تنظيم الهيئة القضية كمرجع للتعريف. وفي نفس الوقت هو يشير إلى الأخذ بالحسبان للسلطة العليا كسلطة بيد الحكومة، وهنا أرسطو يشابه بين الدستور والحكومة.

يعطي أرسطو تعريفا آخر للدستور:” الدستور،في الواقع،هو تنظيم السلطات في المدينة،مثبتا شكل وطريقة الفصل بينها وطبيعة السلطة السيادية في الدولة ثم الحياة الخاصة لكل جماعة”[14] . هذا التعريف يستند على فكرة أن الدستور يتعلق مباشرة بالتنظيم و فصل السلطات السيادية داخل المدينة. طبعا التعريف الثاني للدستور مع بعض التغييرات البسيطة يمكن تبنيه في عصرنا الحالي، وهنا تكمن عظمة هذا الفكر السياسي الأرسطي الذي لم يتغير عبر العصور.

ثانيا ـ معايير تصنيف الدساتير.
رأينا ووفق تعريفات أرسطو أن الدساتير متنوعة جدا.ولكن بالنسبة له، يوجد معيارا عاما يتكون من عنصرين أساسيين :
1ـ عدد الحكام :” بما أن الدستور والحكومة يشيران إلى نفس الشيء وأن الحكومة هي السلطة صاحبة السيادة في المدن،هذه السيادة هي إما فرد واحد،جماعة صغيرة أو مجموع المواطنين”.
2ـ البحث عن المصلحة العامة: فعند أرسطو لا بد من التمييز بين الدساتير التي هي صحيحة:”هذا يعني الدساتير التي فيها الحكومات تبحث عن تحقيق المصلحة العامة”، والدساتير الناقصة:”والتي تتصف بممارسة السلطة من أجل تحقيق مصالح مجموعة صغيرة”.

ثالثا ـ التصنيف الأرسطي المقترح.
من خلال تطبيق المعايير السابقة يضع أرسطو التصنيف التالي والذي يسميه ” الأشكال النقية أو الصافية”:
1ـ الحكومة التي يديرها فرد واحد، والتي تتطابق مع الملكية، حيث يوجد نظام ملكي يهدف لتحقيق المصالح العامة.
2ـ حكومة بعض الأفراد، وهي الأرستقراطية، وفيها نجد قبولا ” إما لأن الأفضل هم في السلطة، أو لأن سلطتهم تهدف إلى تحقيق أكبر نفع ممكن للمدينة ولأعضائها”.
3ـ الشعبية أو الجماهيرية، “وتوجد عندما الأغلبية في المدينة تحكم من أجل المنفعة العامة”.

إلى جانب هذه التصنيفات “النقية” نجد عند أرسطو التصنيفات التي يسميها “الفاسدة”، وهي تقوم على دساتير يعود الحكم فيها لمجموعة تتصرف وفق مصالحها الخاصة وهي :
1ـ الطغيان، وهو الشكل الفاسد للملكية ويتصف بممارسة السلطة من قبل شخص ولمصالحه الشخصية.
2ـ الأوليغارشية، وهي تشويه للأرستقراطية، حيث حكومة يترأسها الأغنياء يعملون لمصلحتهم.
3ـ الديمقراطية، وهي الشكل الفاسد “للجماهيرية أو الشعبية”، حيث يوجد حكومة فيها أكبر عدد ممكن من الشعب،ولكن تمارس سلطتها لمصلحة الفقراء والذين هم أكثر عددا وليس للمصلحة العامة كما هو الحالة في الحكومة الشعبية.

ت ـ التصنيف الواقعي للدساتير والأشكال المختلفة للديمقراطية.
أدخل أرسطو معيارا يرتكز على التركيب الاجتماعي للجماعات التي تحكم، وعلى المشاركة لكل من هذه المجموعات في ممارسة السلطة. ويقصد هنا تصنيف للدساتير الاجتماعية.
الأشكال المختلفة للديمقراطية.
أدخل أرسطو معيارين إضافيين على نموذج الحكم الشعبي “النقي” وهما :طرق الحصول على السلطة والوضعية المهنية المسيطرة داخل هذه الأنظمة. وفق أرسطو يوجد خمس طبقات اجتماعية أساسية وهي : المزارعون،الحرفيون،التجار،العمال المأجورون، العسكريون. عندما تمارس السلطة من قبل فئة من هذه الفئات الاجتماعية سنكون أمام شكل خاص من الديمقراطية. يعرّف أرسطو هذا الشكل كالتالي:”شكل آخر للديمقراطية هو المشاركة للجميع في الهيئات القضائية،بشرط واحد هو أن يكونوا مواطنين ولكن من غير حكم للقانون”. وفي النهاية نجد شكلا آخرا للديمقراطية عند أرسطو،ويتصف بوجود جميع الشروط السابقة ولكن مع اختلاف هو أن السلطة تعود للجماهير الشعبية وليس للقانون.

هناك تصنيف يعتمد الفئات الاجتماعية المسيطرة، ويميز فيه أرسطو ثلاثة أشكال أساسية للديمقراطية: أولا، ديمقراطية تصنف بالريفية، وفيها “الزارعون و المالكون لميزانية متوسطة يسيطرون على السلطة العليا للدولة”.ثانيا، “ديمقراطية” فيها:” جميع المواطنين لديهم الحق في المشاركة باتخاذ القرار ولكن يحق فقط لمن لديه وقت فراغ أن يحصل على هذا الحق”، وبالطبع الأغنياء هم أكثر الناس حصولا على هذا الوقت.ثالثا، ديمقراطية الجماهير الشعبية.كل المواطنين يشاركون في الحكم”إنها الجماهير الفقيرة التي تحكم وليس القانون، وهي تسيطر على السلطة العليا للدولة”.

ث ـ الشكل الأفضل للحكومة.
1ـ تبني خطوة علمية.
يقد أرسطو في هذا المجال أفكار لم تعرف من قبله،إنه يتبنى خطوة علمية و يعرّف موضوع علم السياسة كذلك الدور الذي يقوم به المتخصصون في هذا العلم:” إذا وبشكل واضح،وفيما يتعلق بالنظام السياسي أيضا، إنه يعود لنفس العلم اختبار ما هو الشكل الأفضل وأي نوع يجب أن يكون عليه حتى يقدم أو يستجيب لاحتياجات الناس، وما هو الشكل الذي يتوافق مع هذا أو ذالك الشعب،لأنه الكثير من الشعوب ليس باستطاعتها الوصول إلى النظام الأفضل،الهيئة القضائية الجيدة أو إلى رجال دولة حقيقيين”.[15] يطرح أرسطو ثلاثة قواعد جوهرية :الأولى،وهي أن نحاول تعريفها بشكل ذهني مجرد،أي شكل ممكن للحكومة سيكون أفضل ونحن نعرف أن هذا التعريف الذهني المجرد لا يمكن تحقيقه إلا في شروط أهما عدم وجود عناصر خارجية. الثانية، محاولة اكتشاف أفضل الأشكال للحكومة بالنسبة لشعب محدد.الثالثة،يجب أن نجهد لكي نعرف ما هي الوسائل التي تسمح بالاحتفاظ و لأكبر فترة ممكنة بالشكل الحكومي الذي نعتبره الأفضل في خياراتنا.

2ـ معيار المنفعة العامة.
يقول أرسطو:” إنه من الواضح أن جميع الدساتير التي لديها رؤية للمنفعة العامة هي صحيحة من منظار العدالة المطلقة؛أما الدساتير التي لا تهدف للمصلحة العامة فهي فاسدة،وهي منحرفة عن دساتير صحيحة”. [16] إذا البحث عن تحقيق المنفعة العامة هو معيار جوهري نقيم من خلاله النظام السياسي.

3 ـ سيادة القانون.
يعتبر أرسطو أنه لا يوجد حكومة جيدة ممكنة إذا كنا لا نستطيع ضمان سيادة القانون:” القوانين،وبشرط أن تكون موضوعة بشكل صحيح،عليها أن تكون ذات سيادة،فعندما القضاء لا يستطيع اتخاذ القرار بشكل سيادي، القوانين ستكون عاجزة عن القرار في مسائل محددة”.[17]

4ـ حكومة الطبقة المتوسطة.
في تحديده لمعيار الحكومة الجيدة،أرسطو يتبنى مفهوما واقعيا وليس مثاليا كما كان من قبله،إنه لا يبحث عن تعريف الدستور الأفضل “كأولوية” أو وضعه وفق مبادئ فلسفية معتبرة كقواعد أساسية. ما هو مهم لديه،وقبل كل شيء،هو الوصول إلى وضع :” شكل أو منهج للحياة حيث معظم الناس يستطيعون العيش بشكل مشترك،ودستور يتم تبنيه من معظم هؤلاء”. ” الحياة الأفضل هي تلك تشكَّل من خلال شيء وسطي، وهذا الشيء الوسطي يوضع في التنفيذ من خلال الطبقة الوسطى”. ففي المدينة يوجد ثلاث طبقات اجتماعية : الأشخاص الأكثر غنى،الأكثر فقرا، و “الأشخاص في الوسط بين الطبقتين السابقتين”.

ج ـ أهمية عمل أرسطو.
العمل السياسي لأرسطو “كتاب السياسة” هو الأكثر تأثيرا، والأكثر عمقا واستمرارا عبر التاريخ. في العصر الروماني،أطروحات أرسطو أثرت على أكبر المنظرين الرومان، مثل Polybe و Ciceron ،واللذان اعترفا بضرورة الأخذ بالتحليل الأرسطي لنماذج الحكم أو الأنظمة السياسية. فيما بعد وفي العصر الوسيط،كان أرسطو المرج الدائم فجملة ” كتب أو قال أرسطو” كانت موجودة و مستخدمة من قبل معظم الكتاب. أيضا حضرت أفكار أرسطو في عقول وقلوب فلاسفة السياسة في عصر الأنوار. بالمقابل،خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين تم إهمال الفكر الأرسطي. طبعا هذا لم يستمر طويلا،حيث النظريات الحديثة لعلم السياسة، كما “الوظيفية” مثلا، أخذت أيضا من مناهج و أفكار الأرسطية. إذا “كتاب السياسة” كتاب يفتن القارئ ويذهله كونه تحدث عن قضايا كثيرة نعيشها اليوم،وكونه مصدرا عظيما للفكر الإنساني.

Leave a Comment