أ.د. أحمد محمد وهبان

ـ ما هو "السياسيّ" عند أفلاطون ؟

كاتب الموضوع الأصلي: منصور الزهراني 5


إذا كان أفلاطون قد عرّف”السياسيّ” (أي ما يتعلق بالقضايا العامة) في العديد من الأعمال، إلا أنه في عمله “السياسيّ” يكرس كل انتباهه لأنه هذا الموضوع من أهم مواضيع الحوار أو النقاش عند أفلاطون.هناك العديد من التحليلات تشير إلى أن تعريف “السياسيّ” عند أفلاطون كان حجة مستخدمة من قبله من أجل تطبيق منهج الجدل وإظهار قدرات تلاميذه. في الواقع هذا التفسير ليس مقنعا لأنه يمكن أن يستخدم لعدة حوارات في داخلها الموضع الخاضع للنقاش هو مدروس وفق قواعد وطريقة جدلية.”السياسيّ” عند أفلاطون مقسم إلى ثلاثة أجزاء : تعريف الملك “كراعٍ” ونقد هذا التفسير،نموذج الفن الملكي أو السياسي،ثم تعريف “السياسيّ”.

1ـ الملك الراعي.
من أجل تعريف السياسيّ، لا بد من معرفة الإنسان السياسي أو الملكي. ومن خلال تطبيق المنهج الجدلي، أفلاطون ينطلق من فكرة أن الملك هو تقني ويحدد تقنيته أو علمه من خلال منطق أو برهان يستند على سلسلة من التفرعات أو الانقسامات: العلم الملكي ليس عمليا بل نظريا،ليس نقدا بل تعليمات،إنه يقود وفق سلطته الخاصة وليس بسلطة مستعارة ،هو من يكون فاعلا وليس منفعلا والذي لا يعيش وحيدا بل في جماعة. ” الملك ليس فقط راعيا، لأنه يختلف عن ذاك الذي يقود قطيعا من الحيوانات، وليس أيضا راعيا على الطريقة الدينية “قسا”، لأنه لا يمكن أن يخلط في مهامه مع الآلهة التي تقود الإنسان،وأخيرا، بل إنه “راعي إنساني”، ولكن لا بد أيضا من التفريق هنا في الطريقة التي تستخدم فيها هذه الرعاية أو العناية،بمعنى هل هي مفروضة أم مقبولة من جانبه و بمشيئته، فعندما تمارس هذه العناية بالقوة فإنها تتحول إلى طغيان، وعندما تكون مقبولة من المدينة فإنها تسمى سياسة”.

2ـ الملك “النسّاج”.
يأخذ أفلاطون تحليله من صورة النسّاج أو الحائك. وهنا لا بد، ونحن نطبق المنهج الجدلي، من فصل الأشياء المجزأة حتى لا نحتفظ منها إلا بما هو دقيق ويسمح بتقدم البرهان والمنطق. أفلاطون برغبة كبيرة يميز ويفرق بين جميع العناصر و الأدوات التي تتدخل في عملية النسج و يصل إلى نتيجة بأن فن النسج هو على صورة فن السياسة. ورجل السياسة يشبه النسّاج، عليه قص الخراف،تنظيف الصوف،حلجه،صنع الخيوط، ثم إنشاء النسيج، وعند رجل السياسة إنشاء النسيج الاجتماعي.

3ـ الملك يحترم “مقياس العدالة”.
مشكلة “السياسيّ” تقود عند أفلاطون إلى تعريف “الزعيم” أو القائد.فقد كان من السهل عند أفلاطون إبعاد ومن “السياسيّ” كل الذين يمارسون مهاما متدنية، مثل الإنتاج،الرهبان،الموسيقيين و الممثلين. بالمقابل،كان من المتعب لديه تمييز الإنسان السياسي أو الملكي عن السياسيين العاديين. وحتى وصل إلى هذا الشيء،أفلاطون اعتمد تحليل مختلف التكوينات السياسية. ( نعود إليها في مراحل متقدمة). وفي كتابه “السياسيّ” أفلاطون يصر على أهمية احترام “مقياس العدالة”، هذا المقياس لا يمكن معرفته إلا من قبل المشرعين الكبار.

وفي كتابه “القوانين”، يرى أفلاطون أن هذا “المقياس” يجب أن يكون متاحا للجميع ومن خلال كل واحد يستطيع الحصول على المساواة في العدالة، وهذا يساعده في الهروب من نزوات الطغاة، أو يحصل على “المميزات” الأرستقراطية، وهنا نصل إلى نقطة في غاية الأهمية للفلسفة الأفلاطونية، حيث المساواة ليس مرادفا للهوية بل هي نسبية. وفيما يتعلق بالعدالة السياسية، “المقياس” يتحدث عن “ضمان،وبين ناس غير متساوين، مساواة معرّفة من خلال طبيعة كل فرد”. وفي الحقيقة هذا يقود أفلاطون وفي الجزء الأخير من كتابه “السياسيّ” إلى معارضة المساواة بالقوة التي تفرض عن طريق القوانين، ويتحدث عن المساواة المرنة والأكثر عدالة والتي يضمنها ملك يعرف أن يتبنى حلا وفق الحالة لكل شخص أو فرد، ولكن أفلاطون يعترف أن هذا الشيء لا يمكن أن يكون محققا إلا بشكل استثنائي وأن تطبيق القانون يحدث شرا أقل من عدم تطبيقه.
إذا وكما يظهر فإن تحقيق أو البحث عن المساواة هو الموضوع الأساسي “للسياسيّ”. ويمكن إكماله عن طريق “مقياس العدالة” و الذي يستطيع أن يفرض اعتدالا و توازنا. ضمن هذه النظرة وصرة النسّج عند أفلاطون تأخذ معناها الكامل: فمن أجل نسج مدينة،النسّاج الملك عليه مرة رفض العناصر الملوثة،ثم شبك الخيوط مرة بشكل مسالم ومرة بشكل محارب. التعليم أولا ومن ثم التزويج، إنها العوامل الكبرى لهذه الفرضية. ” ليس فقط في المدينة، بل في داخل قوادها أو قائدها يجب أن يتحقق هذا التحالف أو الحبك بين الاعتدال و الطاقة”.

Leave a Comment