أ.د. أحمد محمد وهبان

فرانسيس بيكون ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي 35

عصر التغييرات إن المعرفة التجريبية هي عصب الحضارة الغربية، فهي التي أدت إلى نشوء العلوم التطبيقية والى توالي الاختراعات والاكتشافات الهائلة التي لا تزال تتسع حتى الآن، ولكن الغرب لم يصل الى هذا النوع من المعرفة الا بعد صراعات عنيفة متنوعة، سواء كانت هذه اجتماعية أو دينية أو فلسفية.
ومن أوائل الذين وضعوا أسس هذا النوع الجديد من المعرفة فرانسيس بيكون الذي كون الأسس العامة لفلسفته في نهاية القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر، أي في تلك الفترة الخطيرة من التحولات الدينية والفلسفية التي شهدتها أوروبا، فلقد كان هناك ديكارت في فرنسا وجاليليو في ايطاليا، الى جانب الانفصال الديني في انجلترا عن كنيسة روما وما تبع ذلك من تغييرات اجتماعية واقتصادية.

كانت أوروبا في حاجة الى رؤية جديدة تساعدها على مواجهة التحولات الجغرافية والروحية والعقلية التي نشأت عن اختراع الطباعة والبوصلة واستخدام البارود، فقد مكنت الطباعة رجل الشارع العادي من قراءة تلك الكتب التي كانت قاصرة على رجال الأديرة والرهبان وحكراً غالي الثمن. كما مكنت البوصلة الملاحين من اكتشاف العالم والوصول الى العالم الجديد. وغير البارود التشكيلات العامة للجيوش فوجدت لأول مرة الجيوش العامة التي تختلف اختلافاً كلياً عن ذلك النوع من الجيوش الذي قادت به أوروبا حروبها الصليبية وانتهت بها الى هزائم عديدة، ورغم ذلك ظلت الفلسفة كما هي تدور في فلك ارسطو والمدرسيين، أي الذين اصطلح على تسميتهم بالكلاسيكيين، وهي ما تعنيه كلمة الكلاسيكية حرفياً.

العصر الذي ولد فيه في هذا الجو الخطير ولد فرانسيس بيكون في مطلع عام 1561 وساعدته ظروفه الخاصة على ان يكون قريباً من الاحداث السياسية وما لازمها من انعكاسات فكرية. كان أبوه السير نيكولاس بيكون احد الوزراء في بلاط الملكة اليزابيث الأولى وحامل اختامها الملكية، وكانت أمه ابنة السير انتوني كوك تجيد اللاتينية واليونانية القديمة الى جانب معرفتها الجيدة للغة الفرنسية، لذلك كان طبيعياً ان يتلقى الصبي الصغير تعليمه المبكر في كلية ترينتي الشهيرة بجامعة كامبردج، وقد تعرف في سن مبكرة جداً على أرسطو وبقية اعلام الفلسفة اليونانية الى جانب لاهوت توماس الاكويني. ورغم انه درس بعد ذلك القانون الا ان الفلسفة لم تغادر ذهنه قط.

وليس هناك ما يشير في حياة بيكون إلى انه توفر على كتابة الفلسفة بشكل منقطع رغم انه احدث اخطر اثر فيها حتى ذلك الزمن. والسبب في عدم التفرغ لها هو انشغاله المستمر بالمسائل العامة وحرصه الدائم على تقلد مناصب مهمة، الأمر الذي أوقعه في كثير من المشاكل وجعل منه شخصية يحيط بها كثير من اللغط والخصومة، بل انه يعتبر من اكثر الشخصيات الانجليزية اثارة للاشكالات حوله، رغم اعتراف الدوائر الثقافية بعد ذلك بأهميته وفضله على المؤسسات التعليمية وحركة الفكر في انجلترا.

المتاعب وقد بدأت متاعبه منذ أن كان لا يزال طالباً وقد مات ابوه فاضطر الى الاستدانة لكي يعلم نفسه، وقد لازمته عادة الاستدانة هذه طوال حياته حتى أوقعته في مشكلات عديدة بعد ذلك. وبعد ان انهى دراسته ظل قريباً من القصر عن طريق ايرل اسكس الذي كان صديق الملكة اليزابيث الأولى في أواخر عمرها، وقد ساعده هذا النبيل الانجليزي الشاب على امتلاك مزرعة صغيرة تؤتيه ايراداً يسد حاجياته، الا انه عندما تعقدت ظروف ايرل اسكس في القصر واتهم بخيانة الملكة، كان بيكون من بين الذين شهدوا ضده واثبتوا الخيانة عليه، الأمر الذي أدى الى اعدامه، وقد أوغر هذا التصرف نفوس الكثيرين من حوله حتى ان الملكة نفسها لم تقلده أي منصب، كما أنها توفيت بعد ذلك بعامين وخلفها في العرش الملك جيمس الأول.

الوضع الجديد لم يضيع بيكون وقتاً كثيراً في الاتصال ببلاط الملك جيمس مبدياً استعداده للعمل فيه، فعين بالفعل بعد فترة في منصب المحامي العام ثم اصبح بعد ذلك مستشار الملك الخاص ثم كبير المستشارين ثم انعم عليه بلقب لورد ثم لقب فايكاونت. وكان هذا كافياً لكي يرضى بوضعه وان يبدأ حياة الاستقرار، الا انه اتهم بالرشوة من قبل المتهمين قبل تقديمهم الى المحاكمة. وكان لهذا الاتهام صدى خطير لدى كل من البلاط والشعب، فأنكر، ولكن خصومه شددوا الخناق عليه فاعترف، وبرر قبوله الرشوة لدى الدفاع عن نفسه بأن هذه الرشاوى لم تؤثر في احكامه على المتهمين، ولما كان لورداً فإن مجلس اللوردات هو الذي حاكمه وأصدر حكمه عليه بتغريمه ما مقداره 40 ألف جنيه وايداعه السجن في برج لندن حتى يأمر الملك بالافراج عنه. ولقد أفرج الملك عنه بالفعل بعد ايام قلائل وأعفاه من دفع الغرامة ولكنه حرم عليه تولي أي منصب عام أو دخول مجلس اللوردات.

لقد كان الملك يعرف حقيقة افكار بيكون وأهميتها، فقد ظل في خدمته حتى تلك الحادثة قرابة عشرين عاماً كان في جزء منها كبير مستشاريه، وكان الملك نفسه مهتماً بالعلوم ويعرف ان ما يدعو اليه بيكون سيزيد من قوة انجلترا ويدعم مركزها في صراعها ضد ايطاليا واسبانيا، هذا رغم ان التغييرات التي كان يدعو إليها بيكون لم تؤت ثمارها الحقيقية الا بعد ذلك بعقود طويلة، ولكن بُعد نظر هذا الملك بالذات هو الذي أنقذ بيكون من مصير تعس داخل برج لندن، ولكن بيكون اخذ يكتب ما استطاع ان يدونه من افكاره في ما تبقى له من عمر. وكان من بين المشروعات التي سعى بيكون الى تحقيقها عن طريق الملك انشاء مكتبة المتحف البريطاني على اساسها، وانشاء جمعية ترعى تقدم العلوم وتحتضن العلماء، وهي الجمعية الملكية التي أنشئت بعد وفاته وكان لها أثر كبير في تقدم العلم في انجلترا.

Leave a Comment