أ.د. أحمد محمد وهبان

فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: فهد صالح ابو مهيد 5

تنطوي هذه الدراسة على أهمية مزدوجة، فهي من جهة تحاول أن تقدم صورة إجمالية عن المشهد الفلسفي التاريخي للقرن العشرين وتميط اللثام عن طبيعة تلك التحديات والمشكلات والأسئلة التي تصدى لها فلاسفة التاريخ الغربيون، وحاولوا تفسيرها من زوايا نظر منهجية مختلفة ومتصارعة، وهي من جهة أخرى محاولة لدراسة فلسفة التاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي دراسة منهجية نقدية تفصيلية، إذ أنه على شهرته الواسعة لم يعط حقه من البحث والتقييم في الدراسات الفلسفية. فضلاً عن أنها تكسبنا الخبرة الأكاديمية النظرية والمنهجية في معالجة تاريخنا الخاص ودراسته دراسة فلسفية نقدية عقلانية، لاسيما ونحن ما نزال نعيش تحت العبء الثقيل للتاريخ الذي ينتصر علينا دوماً ولم نتمكن من فض بنيته وسبر كنهه واكتشاف حقائقه ودينامياته المتخفية، فما زال تاريخنا العربي الإسلامي أشبه بالوثن الكبير الذي ينيخ بكلكله على صدورنا ويكبلنا في سلاسله العتيدة. ويكسر رؤوسنا على صخرته الراسخة التي لا ترحم ولا يتكسر رأسه أبداً.

إن أهمية فلسفة التاريخ لا تكمن في ذاتها، فهي لا تقدم معرفة عن الماضي، بل أن قيمتها الحقيقية تتمثل فيما تقوم به من وظيفة في الحاضر، حاضر وعي من ينتمون إلى التاريخ الذي تفلسفه، وربما كان عدم تمكننا من فلسفة تاريخنا إلى اليوم، أعني كتابته كتابة تعطيه معنى بإزاء الحاضر، هي إحدى أسباب عجزنا عن فهم حاضرنا والتخطيط السليم لمستقبلنا.

وكل فلسفة للتاريخ لا يمكن لها أن تقوم إلا بالاستناد إلى أساس من الفهم الواضح والمتميز لمعنى ألإنسان ومكانته وقيمته في هذا العالم الإنساني تحت فلك القمر، فالإنسان هو المحور الجوهري والأساس المشترك الذي انطلقت منه كل فلسفات التاريخ الحديثة والمعاصرة، غير أن صراع فلسفات التاريخ في الفكر الغربي الحديث والمعاصر لم يكن في حقيقته أمره النقدية صراعاً ثقافياً أكاديمياً منهجياً فلسفياً في تفسير التاريخ ومعناه، بل كان صراعاً واقعياً وجودياً من أجل السيطرة على التاريخ وصنعه وتوجيه مساره والفوز بخيراته. وهذه هي طبيعة التاريخ من حيث هو صراع وتغالب وتنافس بين الناس. قال تعالى: “لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين” (البقرة 25).

إنها حكمة الله في خلقه الذي أمر الإنسان بالسعي وتعمير الأرض وجعل الأيام دول بين الناس “تلك الأيام نداولها بين الناس” (آل عمران 104).

وعلى الرغم من اختلاف السياق الثقافي الغربي عن سياقنا الثقافي الشرقي وما ينجم عن ذلك من صعوبة الفهم للنصوص والمفاهيم ومقاصدها، بذلنا قصارى جهدنا في تتبع الأفكار في منابتها الأصلية وسياقاتها التاريخية الحية بما توافر لنا من مصادر عربية وأجنبية.

يعد العصر الحالي أكثر العصور نزوعاً إلى التفكير بصورة تاريخية، وذلك بسبب ما شهده مشروع الحداثة الغربية من أزمات خانقة وأحداث عاصفة ومتغيرات كثيرة في مجمل الخبرة التاريخية في الثقافة والحضارة والمدنية، وهذا ما أفضى إلى ازدهار فلسفات التاريخ المعاصرة على نحو لم يسبق له مثيل. إذ شغلت مشكلة التاريخ وقواه وحركته وتطوره، ومشكلة الحضارة الغربية ومصيرها عدداً واسعاً من الفلاسفة والمفكرين أمثال نيتشة وشبنجلر بليخانون وبوير وكروتشة ولوكانش وكولنجوود وكولن ويلسون واشفيتسر وليفي شتراوس وسارتر وفوكو وهيرمان وجارودي وتوفلر وهننجتون وفوكو ياما وغيرهم.

وفي وسط ذلك الاضطراب الشامل تقف فلسفة أرنولد توينبي الليبرالية الجديدة كمحاولة للتوفيق بين جميع الاتجاهات الفلسفية المتصارعة، إذ جمعت بين النظرة الدورية للحضارات والنظرة الخطية للعناية الإلهية، وذلك بتأكيد التعاقب الدوري للحضارات مع الحفاظ على دور الوثبة الحيوية في نظرة التحدي والاستجابة، وهي بذلك تعد أصدق تعبير عن مثل الليبرالية الجديدة، فهي تعد تعبيراً عن مميزاتها، عن فشلها وعن التشاؤم التاريخي الكامن خلفها.

وإذا كان توينبي قد كتب نقشاً على ضريح الحضارة الغربية فإن المتشائمين الثقافيين أمثال نيتشة وشبنجلر وفوكو يتجمعون للاحتفال والسهر حول الجثة قبل دفنها.

Leave a Comment