أ.د. أحمد محمد وهبان

في اصول المذاهب الديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العيفان

في أصول المذاهب الديمقراطية.
إن الأفكار السياسية الأولى عند “لوثر” و”كالفن” ذهبت في اتجاه مساندة الحكم المطلق.مع ذلك،وبسبب الصراعات مع القوى الكاثوليكية، هذه الأفكار تحولت باتجاه “حق المقاومة” وفي النهاية أصبحت نظرية حقيقية “للثورة”،نظرية تطورت في إنكلترا مع علم اللاهوت “الميثاقي أو التعاهدي” ولتلاقي نجاحها الأول في اسكتلندا. فيما بعد، هذه “الثورية” الراديكالية سوف تصبح أكثر هدوءا وتعقلا وأقل “تعصبا” لتعطي مكانا لظهور النظريات الدستورية والتي تم وضعها ضمن سياق “الحروب الدينية” التي استمرت من 1562 إلى 1598.

أ ـ راديكالية “اللوثرية” و “الكالفينية”، في إنكلترا واسكتلندا.
منذ عام 1529،اللوثريون كان عليهم وضع أطروحاتهم الاستبدادية في المساءلة وإيجاد حجج لصالح مقاومة السلطات القائمة. في هذه الفترة أصبحت الأفكار الثورية عند البروتستانت أكثر راديكالية. وبعيدا عن تفاصيل الحياة السياسية التي كانت قائمة، نستطيع إيجاز الأطروحات الأساسية الأربعة التي وضعها البروتستانت.
1ـ الدلائل التي استندت على القانون الخاص.
برر العديد من اللوثريين المقاومة المسلحة بالاستناد على القانون الخاص والذي تم تفسيره من قبل القانونيين الكنسيين: يمكننا المقاومة باستخدام القوة ضد قاض حكم وفق إجراءات غير قانونية أو ظالمة،لأنه لم يعد قاضيا بل أصبح شخصا عاديا أو خاصا.
2ـ نظرية “الهيئات القضائية الدنيا”.
لوثريون آخرون غير راضين عن الاستناد على القانون الروماني ـ الكنسي،بحثوا عن حجج في الأناجيل. فقد رأوا من خلال بحثهم أن “سان بول” أمر بإطاعة “الهيئات القضائية” من غير تحديد إن كان المقصود بذلك هيئات قضائية”عليا” أو أخرى “دنيا”. ضمن هذه الحالة فإن هؤلاء و الآخرين “هم مأمورون” من الله” والذي أعطاهم سلطاتهم لهدف محدد”العيش والحكم وفق إرادة الله في كل شيء”. بعد ذلك، إذا سلطة عليا ما سخرت من واجبها، فإن الهيئات القضائية الدنيا تستطيع تغييرها، وفي حالات أخرى يمكنها استخدام القوة المسلحة.
3 ـ نظرية “الحاكم الإسبرطي”.
“كالفن” Calvin، وفي الطبعة اللاتينية لكتابه “تأسيس الدين المسيحي” الصادر في عام 1559،تحدث عن “الهيئات القضائية الشعبية” وليست الدنيا والتي يتم تأسيسها لكسر إرادة الملوك، وقد أخذ بشكل واضح عن حكام إسبرطة اليونان. يريد”كالفن” الحديث عن القضاة المنتخبين، وفي هذه الحالة يصبح الشعب لديه أو يقوم بدور ما.
4ـ نظرية “المتعاهد”.
في الجزء الثاني من كتاب “تأسيس الدين المسيحي”، وضّح Calvin أطروحة وجود دائم “لمعاهدة” أو “تحالف” وقد ترجمه الإنكليز بمفردة ” covenant” بين الله والإنسان. حيث كل مواطن هو شخصيا مسؤول عن احترام القوانين الإلهية في المجتمع الذي يعيش فيه. هذه الفكرة يمكنا مقارنتها بشكل واضح مع الفكرة الإنجيلية “الكلاسيكية القائلة بتفوق وسمو السلطة الروحية على السلطة الزمنية، لكن هذه السلطة الزمنية تغنيها وتجددها، لأنه من الآن فصاعدا، أصل “الروح” التي تحكم على الحالة أو الوضع وتتصرف في هذا العالم ليس نهائيا محصورا في نبي أو رجل دين، ولكن الضمير الفردي والمواطن العادي أيضا.

ب ـ “الهوغونية” الفرنسية.
الأفكار البروتستانتية ما قبل ديمقراطية سوف تتأكد فيما بعد مع ما يسمى huguenots français أي “البروتستانتي الفرنسي”، والهوغونية Huguenotisme هي التمسك بالبروتستانتية الفرنسية.هذه البروتستانتية لحقت بها تحولات كبيرة كما سنرى. فالسياق الإيديولوجي والسياسي الفرنسي يشكل تحليلا نوعيا أو خصوصيا لهذه البروتستانتية.
1 ـ خصوصية السياق الفرنسي.
ـ وجد في فرنسا،لاسيما من خلال تيار “الإنسانية القانونية” ومدرسة “Bourges”،كل المواد الفكرية الضرورية لبناء قانون دستوري “علماني” يذهب في اتجاه ملكية تشاركية.
ـ “الهوغونية” الفرنسية لم تستطع الحصول على تصلب الإنكليز و الاسكتلنديين بسبب الحالة الحرجة التي كانت تمر بها، خاصة أنها كانت أقلية بالنسبة لعدد السكان الكلي. مما دفعها بالمطالبة فقط بحق الوجود، بالتوازي مع وجود الكاثوليكية.
ـ منذ سنوات سابقة على هذه الأحداث، “الإنسانيون” كانوا قد أكد وجود الحقوق و عدم القدر على اغتصاب العقائد.
ضمن هذا السياق الخاص جدا، البروتستانتيون الفرنسيون كان عليهم تشكيل نظرية سياسية تكون من طبيعة إرادتهم، ليست فقط مساندة إخوانهم في الدين أو العقيدة، ولكن، إذا أمكن، مساندة الكاثوليكية الغاضبة من الحكم المطلق القائم وخاصة من قبل كبار النبلاء[35].

2ـ مؤلفات البروتستانتية “الهوغونية” الفرنسية.
صدرت مجموعة من الكتب الغنية جدا عن البروتستانتية الفرنسية يمكن أن نذكر أهمها:

Le Réveille –Matin des Français et de leurs voisins,( 1573-1574).
ـ ” منبه الفرنسيين و جيرانهم”، تأليف، Eusèbe Philadelphe.
– Vindiciae contra Tyrannos.
ـ ” القوة الشرعية للأمير على شعبه، وللشعب على الأمير، تأليف،Etienne Junius.

في كل هذه الكتب، كان الهدف هو تأسيس “قانون إلهي للتمرد” ضد ملك فرنسا. البروتستانتيون عادوا إلى إعطاء نظريات القرون الوسطى حول سمو المجتمع والقانون قوة جديدة، ثم عودة الحديث عن الواجبات المتبادلة بين الشعب والملك، وعن شرعية المقاومة ضد الطغيان.
من أجل اختتام هذه الفقرة نعود إلى الأطروحات الأربعة التي قدمتها البروتستانتية ضد الحكم المطلق الاستبدادي، لنقول أنه من بين هذه الأطروحات فقط علم لاهوت “المتعاهد” covenant هو عنصر له خصوصية أو مرجعية إنجيلية. أما الثلاث الباقية فهي استعارت بشكل مباشر أو غير مباشر، من القانون المدني أو الكنسي الذي كان في القرون الوسطى. وكأن البروتستانت انتهوا بالالتفاف على أو الاتجاه إلى الفكرة التي وضعها “سان بول” و” سان أوغستان” التي تقول أن الله أخضع الإنسان لسلطة غير عادلة بسبب خطاياه ، ثم عاد البروتستانت لاكتشاف أهمية الأطروحات الكلاسيكية حول “المواطنية” civisme القديمة التي تم تجديدها من قبل المدارس الفلسفية قبل إعادة الاكتشاف البروتستانتي الفرنسي لها. وهذا يؤكد ما ذكر سابقا بأن البروتستانتيين وجدوا أفكار مشابهة على قواعد تشبه القواعد الفكرية لخصومهم،وخاصة من المدارس الفلسفية أو مدرسة “سلامونك”،وقد ترافق ظهور وتطور الأفكار البروتستانتية الفرنسية مع نفس الفترة التي وجدت فيها هذه المدارس في إيطاليا وأسبانيا.نذكر هنا أن الحروب الدينية قسمت أوربا إلى نصفين، ولكن هذه الحروب ستؤدي بدورها إلى ولادة النظريات السياسية الحديثة.

Leave a Comment