أ.د. أحمد محمد وهبان

قراءة في السياسة الخارجية السعودية في عهد الفهد

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله المغامس234

أبت يد المنون إلا أن تختطف من بيننا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز. تغمد الله الفقيد الغالي بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، فقد كان راعياً لمسيرة الأمة ومجدداً لنهضة الوطن. وبرحيله، فقدت المملكة العربية السعودية قائداً حانياً على شعبه، مدافعاً عن وطنه، حريصاً على مصالحه، حارساً لقيمه ومُثله.
إن الإنجازات التي تحققت في عهد الملك فهد على جميع الصُعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية أكبر من أن يتسع لها هذا المقام. ولكن أود، ولو باختصار شديد، أن أتناول أهم ملامح السياسة الخارجية للمملكة في عهده. فمنذ نشأته الأولى، كلّفه المغفور له الملك عبد العزيز بالعديد من الأعمال السياسية والإدارية، وذلك من خلال إشراكه في مهمات ووفود رسمية للمملكة، وقد ترأس بعضها. واستمر تكليفه في عهد إخوانه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد رحمهم الله، بالكثير من الأعمال والمهام الدبلوماسية والمشاركات السياسية والمناصب الحكومية، الأمر الذي أكسبه خبرة وقدرة على اتخاذ القرارات السليمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، شارك في الوفد السعودي الذي ترأسه الأمير فيصل في المؤتمر التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة وللتوقيع على ميثاق الأمم المتحدة الذي عُقد في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1945. ورافق والده الملك عبد العزيز لدى زيارته إلى مصر في عام 1946، حيث قلّده الملك فاروق الوشاح الأكبر من نياشين النبل. وقام بتمثيل الملك عبد العزيز في احتفال تتويج أليزابيث الثانية ملكة بريطانيا في عام 1952. وترأس الوفد السعودي خلال زيارته إلى فرنسا بهدف توثيق العلاقات السعودية ـ الفرنسية في عام 1967.

ومع طول قائمة المهام الدبلوماسية، تراكمت خبرة الأمير فهد حتى قبل أن يعتلي العرش ليرسم معالم السياسة الخارجية للمملكة، ويترك بصمات جلية وواضحة، ليس على صعيد علاقات دول مجلس التعاون وحسب، ولكن على الصعيدين الإقليمي والعالمي أيضاً.

اتسمت السياسة الخارجية في عهد الملك فهد بالأصالة والموضوعية القائمة على ثوابت الإسلام والقيم العربية والمساهمة الإيجابية في استقرار ورخاء المجتمع الإنساني مع الإدارك العميق لتوازن القوى والالتزام بالمواثيق واحترام الشرعية الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم الاعتداء والحرص على حسن الجوار، الأمر الذي عزز استقرار المملكة والمنطقة وحفظ للمملكة مكانتها المرموقة في المجتمع الدولي.

لقد أولى الملك فهد أهمية خاصة لدول الجزيرة العربية والخليج، وحرص على أن تضطلع المملكة بدور فعّال في تأسيس وحماية مجلس التعاون لدول الخليج العربية بهدف تعزيز التعاون وتوحيد الجهود لحفظ الأمن والاستقرار وخدمة مصالح جميع الدول الأعضاء. وانطلاقاً من حرص المملكة في عهد الملك فهد على توطيد أواصر الاستقرار وبناء جسور الثقة، قامت المملكة بتسوية جميع القضايا المتعلقة بالحدود مع دول الجوار.

ويتجسد منهج الملك فهد في السياسة الخارجية في عدد من القضايا الدولية التي كان لجهوده، رحمه الله، الدور الريادي الذي يسجله له تاريخ العلاقات الدولية، إما عن طريق إيجاد الحلول الجذرية أو التمهيد الفعلي للتوصل إلى حلول عملية في قضايا مستعصية ومتشعبة. لقد تجسد ذلك فعلا في دعم القضية الفلسطينية وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني عندما قدم مبادرة تهدف إلى تحقيق تسوية شاملة وعادلة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتي عُرفت فيما بعد بمشروع الأمير فهد للسلام. ولا تزال جهود المملكة على مختلف الصُعد السياسية والدبلوماسية تعكس الحرص على تحقيق السلام في الشرق الأوسط واستعادة جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ولم يقف هذا الدعم عند مستوى اتخاذ المواقف السياسية أو إطلاق المبادرات الداعية إلى السلام، ولكنه تعدى ذلك إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته ونضاله، حيث قدمت المملكة ما يربو على عشرة مليارات ريال سعودي، وأقامت ورعت العديد من حملات التبرع وتقديم المساعدات الطبية ونقل المصابين الفلسطينيين ومعالجتهم في مستشفيات المملكة.

لقد عاش لبنان حرباً أهلية مدمرة استمرت زهاء ستة عشر عاما لم تتوقف إلا بعد انعقاد مؤتمر المصالحة في الطائف، والذي ضم معظم الأطراف اللبنانية، مما ساعد على إنهاء الصراع المسلح والبدء في عملية التعايش السلمي واستعادة لبنان لدوره الحضاري في المجتمع الدولي.

وجاء موقف المملكة العربية السعودية إبان الغزو العراقي لدولة الكويت ليجسد روح الأخوة والتلاحم بين دول مجلس التعاون والدور التاريخي للملك فهد في الدفاع عن الحق والتصدي للباطل. فاحتضنت المملكة السعودية قيادة وحكومة وشعب الكويت، ولم تتردد في تقديم التضحيات وإعطاء التسهيلات وحشد الطاقات حتى تم تحرير دولة الكويت واستعادة سيادتها ووحدة أراضيها.

إن المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد رحمه الله، وباعتبارها كياناً عربياً قائماً على أسس إسلامية عربية، جعل السياسة الخارجية للمملكة تتخطى الأطر المحلية الخليجية لتهتم بتسوية الخلافات بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية والعمل دونما كلل على وضع حدٍّ لمعاناة الشعب الصومالي، حيث تم تأسيس الهيئة العليا لمتضرري الصومال التي عملت على جمع التبرعات وقدمت الخدمات للشعب الصومالي الشقيق.

على الصعيد الإسلامي، بذلت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد جهوداً مضنية وقدمت تضحياتٍ جساماً لنصرة الشعب المسلم في أفغانستان بعد تعرضه للغزو السوفييتي في عام 1979 . لقد أدى وقوف المملكة إلى جانب إخوانهم المسلمين ومناصرتهم ومدهم بمختلف أنواع الدعم المعنوي والمادي حتى تمكنوا من دحر المحتلين وتحرير وطنهم. أضف إلى ذلك أن اهتمام الملك فهد، رحمه الله، بالقضايا الإسلامية وحرصه على خدمة الإسلام والمسلمين وصل إلى البوسنة والهرسك، فكانت المملكة من أوائل الدول التي اعترفت بالجمهورية الجديدة وأعلنت تضامنها الكامل معها حكومة وشعباً. وبناءً على توجيهات الملك فهد الكريمة، قدمت مختلف أنواع المساعدات مثل إقامة المخيمات للاجئين وتقديم الخدمات الطبية وإمدادات المياه وإنشاء المدراس وتشييد المساجد وبناء المساكن.

أما في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب، فإن المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد لم تألُ جهداً في مكافحة هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع السعودي، وساهمت بكل إمكانياتها لتشرح للعالم الفرق بين الإسلام كدين للسلام والتراحم بين البشر وبين أولئك الذين شوّهوا صورة الإسلام لتبرير جرائمهم ضد الأبرياء.

تغمد الله الملك فهد برحمته، ونسأل الله أن يُحسن عزاء إخوانه وشعبه ويلهمهم الصبر والسلوان. لقد وسع صدره هموم الوطن والمواطنين والإخوة العرب والمسلمين وإخوانه في الإنسانية.

*رئيس مركز الخليج للأبحاث

Leave a Comment