"كتاب روح القوانين و منهجه"
كاتب الموضوع الأصلي: عمر عبدالله البطاح
“كتاب روح القوانين و منهجه”
بعد أن توصل مونتسكيو إلى نهاية جهده الشاق و اعتر ف و كان قد بلغ الستين من العمر و اضاف “أريد ان أرتاح و لن أعمل بعد الآن” .و يجب القول بأن افتخارا محقا بالنفس كان يراوده امام النتيجة. أمام هذا الولد المخلوق بدون أم حسب بعض العبر. و لقد كان مشروعه هذا ضخما و كان هو يعي ذلك(1).
و ما يظهر جليا في هذا المؤلف أن مونتسكيو حاتول نتيجة الجولة الطويلة التي قام بها في دول عديدجة أن يستنتج الخلاصة التالية و هي أن المجتمعات لا يمكن أن تتكون و تظهر بصورتها العفوية أو العتباطية بالعكس فإن تكونها و تظهورها يخضع قوانين ثابتة لا تتغير ذلك أن تاريخ أن أية أمة من الأمم لا يعكس إلا حالة من حالات تأثير هذه القوانين الثابتة عليها. و من هنا حاول مونتسكيو أن يشرح و يفسر طبيعة الأنظمة السياسية و مؤسساتها الاجتماعية لدى مختلف الأمم من خلال تأثير القوانين العامة عليها.(2).
و لقد كان مشروع مونتسكيو فعلا ضخما لأنه يتطرق لكل المؤسسات التي عرفها البشر و ينكب على دراسة القوانين و الأعراف المختلفة لكل شعوب الأرض من أجل أن يبين سببها و يكشف روحها. أما الروح فقد ركز عليها في عدة مناسبات فهو لمك يكن يبحث عن اسم القوانين و إنها عن روحها. و لم يكن يعتزم تدريس القوانين انما تدريس (طريقة تدريسها).
كما يشرح مونتسكيو موقفه في مقدمته المأثورة بعبارة جوهرية حيث قال :” لقد تفحصت أولا البشر و اعتقدت أنه في هذا التنوع الإنهائي للقوانين و العادات لم يكونوا فقط مسيرين بواسطة أهوائهم .لقد وضعت المبادئ و رأيت الحالات الخاصة تخضع لها من ذاتها. إن تواريخ كل الأمم ليست إلا توابع لهذه المبادئ و إن كل قانون خاص يرتبط بقانون آخر أو يخضع لقانون آخر أعم”. و من خلال هذه المقولة نجد إيمان تا ملات بالعقل التاريخي في النظام ، بتسلسل الأسباب و بالسياق الرئيسي،و لكن قبل الوصول إلى هذا الاكتشاف كم من صعوبات و مشاكل من(3).
شأنها تثبط عزيمة أكثر العاملين عنادا. على الأقل طالما أن مونتسيكيو لم يمتلك بعد مبادئه
حيث قال: ” لقد بدات هذا العمل و تخليت عنه عدة مرات و رميت ألف مرة في الهواء الأوراق التي كنت قد كتبتها و كنت أشعر في كل الأيام أن الأيدي الرحيمة تسقط و كنت أتابع موضوعي دون تكوين هدف. و كنت لا أعرف لا القواعد و لا الاستثناءات. و لم أمن لأجد الحقيقة إلا لأفقدها. و لكن عندما اكتشفت مبادئي أتى إلي كل ما كنت أبحث عنه. و خلال عشرين سنة رأيت عملي يبدأ و ينموا و يتقدم و ينتهي”. (1)
منهج مونتسكيو:
مونتسكيو من حيث الفلسفة دستوري و ليبرالي مثله مثل جون لوك، و يدين له بالشيء الكثير و لكنه من حيث المنهج لا ينطلق من مبادئ أولى كالمبادئ الرياضية و الهندسية بل من ملاحظة الواقع، كما أن ملاحظته لهذا الواقع أشمل من ملاحظة أي مفكر سياسي من قبله بما في ذلك أرسطو و ابن خلدون و ميكيافيلي و جون بودان. كون أرسطوا درس الدساتير اليونانية وحدها، و ابن خلدون اعتمد في استقرائه للتاريخ اكثر ما اعتمد التاريخ الاسلامي ، استقى ميكيافيلي أكثر معلوماته من التاريخ الروماني و كذلك فعل بودان. غير أن منتسكيو حاول أن يمد نظره للمنتظمات السياسية و القوانين لكل زمان و مكان و كان واثقا من أن هذه الملاحظة الشاملة سوف تمكنه من معرفة القوانين “كعلاقة ظرورية تستمد من طبيعة الأشياء”، و يصف D’ALEMBERT جهد مونتسيكيو في هذا السبيل فيقول: ” إن مونتيسكيو لم ينتج في هذا الكتاب الهام على منوال الذين سبقوها فلم يسترسل في مناقشات ميتافيزيقية كتلك التي يسترسل فيها الذين يتصورون الانسان تصورا تجريديا. و لم يقتصر كسواه على تناول بعض الشعوب في أحوال خاصة ، لكنه تناول جميع سكان العالم و تطرق لأحوالهم الحقيقية و درس كل ما يقوم بينهم من علاقات” (2).