أ.د. أحمد محمد وهبان

كيف تتعامل حكومة النسور مع ضغوط الشارع الأردني؟

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

رانيا مكرم
تواجه الحكومة الأردنية الحالية برئاسة عبد الله النسور ضغوطًا اقتصادية وشعبية متزايدة، تضعها أمام خيارات ضيقة، خاصة في ظل وجود سخط شعبي يعبر عن نفسه من خلال مظاهرات متتالية تشهدها العديد من المدن الأردنية، تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية، وترفع شعارات ضد الحكومة والملك في سابقة لم تعتد عليها الساحة الأردنية. وقد عكست هذه المظاهرات في مجملها مواقف سياسية عبرت عن طبيعة الاستياء الشعبي تجاه بعض القوي السياسية والحكومة التي خطت بثبات نحو سياسات رفع الدعم عن مصادر الطاقة والغذاء وزيادة الضرائب.
وعلي الرغم من أن الحكومة الأردنية الحالية قد تشكلت بناءً على نتائج المشاورات التي قام بها رئيس الديوان الملكي مع النواب لاختيار رئيس الوزراء، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، إلا أن هذا التطور لم ينعكس إيجابيًا علي شعبية النسور وحكومته التي اتخذت العديد من الإجراءات التقشفية لحل المشكلات الخانقة التي تواجه الاقتصاد الأردني منذ سنوات بشكل صعد من حدة الاستياء الشعبي ضدها.

ولعل تتابع الأزمات السياسية والاقتصادية وتزامنها مع بعضها البعض كان أحد أهم محركات الشارع الأردني، حيث سبقت أزمة رفع الدعم عن المشتقات النفطية أزمة سياسية حادة تمثلت في رفض بعض القوى السياسية لقانون الانتخابات الذي أجريت بموجبه الانتخابات البرلمانية في 19 ديسمبر 2012، ومقاطعتها إياها، واستغلال بعض قوي المعارضة، وعلي رأسها حزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، هذه الأزمة في حشد الجماهير وتنظيم مظاهرات واسعة.

تراجع مستمر

في إطار ما تشهده الأردن من توتر منذ اعتماد حكومة النسور حزمة من الإجراءات التقشفية التي من شأنها، وفقًا للحكومة، تخفيض عجز الموازنة وتقليص الفجوة بين المصروفات والايرادات من خلال رفع الدعم نهائيًا عن الكهرباء حتي ينتهي عام 2017، وذلك بعد أن رفعت قيمة الضرائب على أجهزة الهواتف المحمولة بنسبة 16% وعلى خدماتها بنسبة 24%، جاءت نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية بعمان علي عينتين (وطنية، وقادة رأي) ونشرت نهاية أكتوبر الفائت- لتشير إلي تراجع شعبية رئيس الوزراء عبد الله النسور وحكومته بعد 200 يوم من تشكيلها الجديد، حيث رأي 45% من أفراد العينة الوطنية، أن الحكومة كانت قادرة على تحمل مسئوليات المرحلة، مقارنة بـِ 54% أفادوا بذلك في استطلاع أبريل 2013 و60% في استطلاع أكتوبر 2012.

فيما أفاد 48% من عينة قادة الرأي بأن رئيس الحكومة كان قادرًا على تحمل مسئوليات المرحلة، مقارنة بـِ 59% في استطلاع أبريل 2013 و60% في استطلاع أكتوبر 2012. كما أظهرت النتائج أن 40% من مستجيبي العينة الوطنية أفادوا بأن الفريق الوزاري كان قادرًا على تحمل مسئوليات المرحلة، مقارنة بـِ52% في استطلاع أبريل 2013 و53% في استطلاع أكتوبر 2012.

وقد انعكست الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بشكل ملحوظ علي استجابات المستطلعة آراؤهم في هذا الاستطلاع، حيث جاءت مشكلة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة عند أفراد العينة الوطنية، في مقدمة المشكلات التي تواجه الأردن اليوم، فيما تصدرت مشكلة الوضع الاقتصادي السييء قائمة المشاكل لدي عينة قادة الرأي (47%)، تلتها مشكلة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة (14%). كما توقع 50% من أفراد العينة الوطنية وعينة قادة الرأي أن يكون وضعهم الاقتصادي خلال الستة أشهر المقبلة أسوأ مما هو عليه الآن.

ولا تأتي نتائج الاستطلاع المذكور بمعزل عن حالة الشارع، الذي يشهد مظاهرات شبه يومية، تعكس دلالتين رئيسيتين: الأولي، اتساع دائرة المحتجين، حيث اجتذبت هذه الاحتجاجات فئات من المجتمع لم تكن تشارك في الحراك السياسي من قبل، فيما كان هناك حضور واضح لطلبة المدارس والجامعات، بل إن الفلسطينيين كان لهم حضور واضح في الاحتجاجات التي شهدتها المخيمات الفلسطينية. والثانية، تفاوتت مطالب المتظاهرين بين ضرورة التراجع عن رفع الأسعار، ومحاكمة الفاسدين وإعادة الأموال المنهوبة، والمطالبة بملكية دستورية.

وعلي الرغم من طرح رئيس الوزراء عبد الله النسور في بداية الأزمة مبادرة لتهدئة الأوضاع والدعوة إلي حوار وطني مع المعارضة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والإعلان عن إجراءات عاجلة لمواجهة الفساد والإعلان عن نتائج التحقيقات مع مسئولين سابقين، إلا أن ذلك لم يقلل من حدة رد فعل الشارع علي القرارات الإقتصادية التي تمس حياته اليومية وتؤثر عليها، الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة حول مدي قدرة الحكومة الأردنية علي تخطي الأزمة الحالية.

سيناريوهات محدودة

يمكن القول أن حكومة النسور باتت أمام خيارات ضيقة لاحتواء الأزمة الحالية والعمل علي الحد من تفاقمها، واستغلالها من جانب بعض القوي السياسية الساعية لتفجير الموقف: السيناريو الأول، يتمثل في العمل علي التهدئة الشاملة، من خلال مد الإطار الزمني المقترح لإنهاء الدعم وتمهيد المجتمع لما سيحدث من فجوات سعرية تثقل كاهل المواطن، في ظل صعوبة التراجع بشكل نهائي عن قرار رفع أسعار الوقود وغيرها من السلع التي شملتها إجراءات منع الدعم، إلي جانب الدخول في حوار مجتمعي جاد بشأن عملية الإصلاح السياسي الشامل، لا سيما مع القوى السياسية التي تقوم بحشد الشارع، مثل حزب جبهة العمل الإسلامي، والجبهة الوطنية للإصلاح، وحزب الوحدة الشعبية الديمقراطية ذو التوجه اليساري.

أما السيناريو الثاني، فيتعلق بمراهنة النظام على استخدام عنصر الزمن لانحسار التظاهرات والاحتجاجات. ويعد هذا السيناريو الأقرب إلي الحالة الأردنية، وذلك اعتمادًا علي عدد من المؤشرات، من أهمها، بقاء عبدالله النسور علي رأس الحكومة الحالية عقب إجراء تغيير وزاري شمل 13 حقيبة وزارية، وذلك علي الرغم من قرار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالتخلي عن صلاحية تعيين رئيس الوزراء، ليكون من نصيب الكتلة الحاصلة على الأغلبية البرلمانية، والتي اختارت بقاء النسور، برغم مطالبة الشارع بإقالته وتشكيل حكومة وطنية.

(*) باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
نشرت في الرأي العام
من أرشيف RCSS

الأردن

المزيد في هذه الفئة : « هل تشعل سياسات أردوغان صراعًا اجتماعيًا في تركيا؟ أبعاد ظاهرة استهداف الصحفيين في العراق »
رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة
نص التعليق * أدخل رسالتك هنا… اسم * البريد الإلكتروني *
عد إلى الأعلى
مقالات

النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية! النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
السـيد يسين
مانديلا الذي تمنته منطقتنا مانديلا الذي تمنته منطقتنا
طارق الحميد
توجهات الرأي العام الإيراني توجهات الرأي العام الإيراني
جيمس زغبي

In Depth

دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
إيمان أحمد عبد الحليم

ملفات RCSS

العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف) العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)
إعداد: عمرو عبد العاطي

Ads4

القضايا
التحولات الداخلية
العلاقات الأقليمية
القضايا الأقتصادية
الأمن الأقليمى
الرأى العام

التحليلات
التقديرات
التقارير
المقالات

الأصدارات
حالة الأقليم
دراسات الشرق الاوسط
حالة العالم

الأنشطة
الندوات العامة
حلقات النقاش
ورش العمل
المحاضرات العامة
اللقاءات الخاصة

المشروعات
مستقبل الثورة المصرية
حالة النظام الأقليمى
الرأى العام العربى

الخبراء

Copyright © 2012 . All Rights Reserved RCSS

Powered by Nile-Tech
Facebook

Leave a Comment