لماذا لا يهتم العرب بأمريكا اللاتينية؟
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الدوسري 3
كانت هناك علاقات قديمة بين الجانبين، فقد كانت ثمة اتصالات بين مصر وأمريكا اللاتينية فى القرن التاسع عشر، وعلاقات على مستوى عال فى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، فى إطار مجموعات سياسية مثل عدم الانحياز، واقتصادية مثل مجموعة الـ 77 ، وكانت لتلك الدول مواقف متوازنة بل ومؤيدة أحيانا للمواقف العربية، فيما يتصل بالصراع العربى – الإسرائيلى، إلا أن العمل الرئيسى للسفارات العربية اقتصر على ” التمثيل الدبلوماسى الشكلى”، فمعظم السفارات بدون ملحقين، و يعمل معظمها فقط على متابعة الجاليات العربية وحل مشاكلها.
وتعتبر مصر وسوريا ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية من أكثر الدول العربية تمثيلاً دبلوماسيا بسفارات مقيمة فى عدة دول. ومصر لها 13 سفارة مقيمة وقسم رعاية مصالح فى السلفادور وقنصلية عامة فى ريودى جانيرو- أى 15 بعثة وترتبط بأهم الدول اللاتينية باتفاقيات ثقافية وآليات للتنسيق السياسى بين وزارات الخارجية، واتفاقيات تعاون بين المعاهد الدبلوماسية، كما عقدت اتفاقيات للتعاون فى مجالات مكافحة الإرهاب على ضوء هروب بعض العناصر الإرهابية فى الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية.
لقد كان ثمة شعور عربى بعدم الحاجة إلى توسيع نطاق العلاقات مع هذه القارة التى تبدو بعيدة عن الشرق الأوسط، خاصة فى ظل ” تسييس” العرب لعلاقاتهم الخارجية، وأدى خفوت دور منظمة عدم الانحياز إلى ضعف الاتصالات مع الدول اللاتينية، واعتادت النخبة المثقفة على النظر للدول اللاتينية على أنها حديقة خلفية للولايات المتحدة، أو كما يسمونها “جمهوريات الموز”، دون محاولة لفهم الأمور بشكل أكثر تعقيدا.
كانت العلاقات الاقتصادية العربية – اللاتينية تتسم أيضا بالتواضع، فعل الرغم من أن الخليج العربى يمثل سوقاً للعديد من المنتجات اللاتينية مقابل وارداتها من البترول من الدول العربية، لايزيد حجم التبادل التجارى عن 2.5% فقط من حجم تعامل الدول اللاتينية مع العالم. ويميل الميزان التجارى لصالح الدول اللاتينية بشكل كبير يصل إلى 10 أضعاف.
إن بعد المسافة قد أدى إلى نوع من التكاسل، فى ظل عدم وجود آليات مشتركة سواء حكومية أو غير حكومية تستطيع دعم المشروعات المشتركة، وقد تعامل المصدرون والمستوردون عن طريق وسطاء وليس بشكل مباشر، ولم يتم الاهتمام بالمعارض التى يشارك بها المنتجون بين الطرفين، مع عدم وجود مجالس رجال الأعمال التى تؤدى إلى الاحتكاك والتعارف وتبادل المعلومات. بالإضافة إلى عدم وجود بنوك مشتركة.
– الجاليات العربية
إن المثير هو أنه على الرغم من تدنى مستوى العلاقات السياسية الاقتصادية القائم بين الجانبين، ثمة وجود عربى قوى داخل أمريكا اللاتينية يرتبط بالجاليات العربية ( الشامية) التى هاجر أبناؤها فى شكل موجات واسعة إلى تلك الدول منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين فى فترات لجوء الحكم العثمانى إلى العنف خاصة فى منطقة الشام، والذين وصل عددهم إلى حوالى 17 مليونا من أصل عربى وفق إحصاءات عام 2000.
وتوجد أكبر جالية عربية من أصول لبنانية فى البرازيل، ومن أصول سورية فى الأرجنتين، ومن أصول فلسطينية فى شيلى. وصل عدد منهم إلى مناصب سياسية عليا. ففى الأرجنتين تولى كارلوس منعم الرئاسة وهو من أصل سورى، كما أن وزيرة خارجية الباراجواى هى سيلى رستم من أصل عربى، ورئيس الإكوادور من أصل فلسطينى، وكان منافسه رجل أعمال من أصل فلسطينى أيضاً، وغيرهم الكثيرون الذين لهم تأثير قوى فى الاقتصاد والسياسة فى هذه القارة.
إن تلك الجاليات لاتمثل ” لوبى عربياً”، فقياداتها عصامية، و هى قابلة وراغبة فى الاندماج فى المجتمعات المهاجرة إليها، وهى فى أغلبيتها لا تريد ربط نفسها عضوياً بقضايا الشرق الأوسط وصراعاته التى تؤدى إلى انقسامات واسعة بينهم، وتكتفى بالتأييد والتعاطف حفاظاً على مصالحها وانتمائها للدول الموجودة بها واهتمامها بالمشاركة فى الحياة العامة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً دون شبهة ولاء لغيرها.
كما أن الجزء الأكبر من هذه الجاليات قد هاجر فى ظل ظروف قاسية، ومن ثم فإن هجرة الأغلبية العظمى منهم كانت بلا عودة، لكنهم يشكلون رغم ذلك – ولديهم بنية مؤسسية وثقافية متماسكة من الاتحادات والنوادى والمدارس والمراكز الدينية – قاعدة لمضاعف قوة لو كانت هناك علاقات قوية أصلا.
لقد كان التأثير الأساسى لوجود تلك الجاليات حتى الآن هو الدفع فى اتجاه وجود علاقات قوية نسبيا لدول وأطراف مثل سوريا والأردن وفلسطين ولبنان مع هذه الدول نظراً لجالياتها المنتشرة فيها، لكن ظل مجمل الوضع يتعلق بعلاقات ثقافية وتعاون فنى وتبادل تجارى محدود.
– توصيات بلاحدود
إن الفترة الأخيرة تشير إلى ثمة رغبة من جانب عدد من دول أمريكا اللاتينية لتدعيم الحوار مع الدول العربية، وصولا إلى تعميق العلاقات بين الجانبين، فى ظل تطورات داخلية هامة داخل دول تلك المنطقة، ترتبط بجدل حول توجهات سياساتها الخارجية، ومن الممكن التجاوب مع تلك الرغبة فى عدة اتجاهات يوجد عدد هائل من التوصيات التى خرجت عن لقاءات وندوات وخبرات قديمة وحديثة، على غرار:
– إقامة حوار عربى لاتينى على المستوى غير الرسمى برعاية بعض المراكز البحثية العربية واللاتينية.
– فتح مكاتب للجامعة العربية على الأقل فى عواصم الدول اللاتينية الكبرى وهى المكسيك والبرازيل والأرجنتين وشيلى وفنزويلا والتى توجد بها جاليات عربية كبيرة وتمثيل دبلوماسى لعدة دول عربية.
– استئناف زيارات كبار المسئولين العرب لدول أمريكا اللاتينية، فلم يسبق أن زار رئيس مصرى أى دولة لاتينية، وجعل زيارات وزراء الخارجية العرب دورية.
– عودة مصر إلى الأخذ بنظام القناصل الفخريين فى الدول التى ليس لها فيها تمثيل دبلوماسى مقيم ليكون عيناً وحلقة اتصال بين رجال الأعمال بالتنسيق مع سفارات مصر المقيمة فى المنطقة.
– تنشيط التبادل التجارى والاقتصادى والاستثمارات بين دول المنطقة والدول العربية، وزيادة قيمة وكمية التبادل التجارى المباشر، حيث أن الكثير منه يتم حالياً عن طريق الشركات متعددة الجنسيات وما يعنيه ذلك من زيادة الأسعار.
– دراسة جدوى لإقامة مراكز تجارية للسلع المصرية والعربية فى المناطق الحرة مثل مدينة كول فى بنما ومدينة زاركوزا فى شيلى أو فى الأرجنتين بحيث تغطى دول المنطقة من شمالها وجنوبها. ويوجد حالياً تمثيل تجارى لمصر فى ساوبالو فى البرازيل، وبوينوس أيرس فى الأرجنتين ومكسيكيو سيتى.
– عمل دراسة لحصر رجال الأعمال والصناعة الذين يتعاملون مع دول أمريكا اللاتينية أو الراغبين فى ذلك ومنتجاتهم والطلب عليها فى الأسواق اللاتينية مقرونا بدرجة جودتها وأسعارها والقدرة على الاستمرار فى إمداد هذه الأسواق بها.
– الاستفادة من التقدم الملحوظ فى صناعة المنسوجات والملابس الجاهزة المصرية والتى تحتاج إلى توسعة أسواقها الخارجية وزيادة إنتاجها لتقلل تكلفتها، ويصبح عامل الجودة والسعر أساس المنافسة مع مثيلاتها فى الأسواق اللاتينية سواء الإنتاج المحلى أو المستورد.
– الاهتمام بتنشيط العلاقات الثقافية بتفعيل وتنفيذ البرامج الثقافية وبنودها المتنوعة والموقعة بين مصر وعدة دول لاتينية وإمداد المعاهد والمراكز الثقافية الخاصة بالجاليات العربية بأساتذة يجيدون اللغة الإسبانية.
– الارتقاء بمستوى البرامج الموجهة للمنطقة باللغة الإسبانية والبرتغالية عن طريق الراديو. ودراسة توجيه قناة فضائية تليفزيونية باللغتين الإسبانية والعربية ، وطبع ترجمة باللغة الإسبانية والبرتغالية على الأفلام العربية لتيسير تسويقها وعرضها.
– تطوير نظام المنح الدراسية التى تقدم للدارسين فى أمريكا اللاتينية بتخصيص السنة الأولى أو سنتين من المنحة الدراسية لدراسة اللغة، حيث أن عدم معرفة اللغة (الأسبانية والعربية) من الجانبين يمثل أحد معوقات تبادل الدارسين.
– وضع برامج سنوية للتعاون بين السفارات اللاتينية فى القاهرة وجمعية الصداقة المصرية اللاتينية وجمعية رجال الأعمال المصريين ووزارة قطاع الأعمال وقطاع أمريكا اللاتينية بوزارة الخارجية وقطاع البرامج الموجهة فى الإذاعة والتلفزيون، والمركز المصرى للزراعة وكلية الألسن ومعهد اللغات فى جامعة الأزهر، بهدف تطوير وتنمية العلاقات المصرية اللاتينية.
إن المسألة لن تحل يقينا بالتوصيات، لكن ماسبق يمثل فقط إشارة إلى أن هناك بعض الأفكار ممكنة التحقيق، بدون تكلفة كبيرة، ومن الممكن أن تكون مجدية اقتصاديا إذا تمت دراستها بدقة وتم تنفيذها بجدية، فهناك منطقة قارية كاملة لانتعامل معها كما يجب.