ما هي حدود المقاطعة، ومن علينا أن نقاطع؟
كاتب الموضوع الأصلي: سعود الشبانات
ما هي حدود المقاطعة، ومن علينا أن نقاطع؟
هنالك عدة أسئلة تطرح نفسها في مواجهة تحديات المستقبل، ولاستشراف آفاق الآتي لابد من دراسة متأنية للحاضر ومصاعبه وتحدياته، وأعتقد أن هناك سؤالين أساسيين يطرحان نفسيهما بقوة هما:
1- ما هي حدود المقاطعة، ومن علينا أن نقاطع؟
2- ما هي المصاعب التي تعانيها حركات المقاطعة في الدول العربية؟
1- مَنْ علينا أن نقاطع؟!
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه على ما أعتقد بالغ التعقيد، وهو الذي يضع فروقًا واضحة في إستراتيجيات لجان المقاطعة في الدول العربية، فالجواب بسيط، بأن نقاطع أعداءنا ومن يدعمهم، ولكنه أيضًا معقد، فمن هم أعداؤنا، ومن هم داعموهم؟!
من البدهي أن عدونا بالدرجة الأولى هو الكيان الصهيوني المزروع في المنطقة، والذي لم يستطع تحقيق حلمه الخرافي بدولة حدودها من الفرات إلى النيل، لكنه لا زال يحلم بسيطرة اقتصادية تشمل بقية الأراضي العربية، التي لم يتمكن من احتلالها بقوة السلاح، وما الفرق اليوم بين احتلال عسكري للأرض وسيطرة اقتصادية تحوّل المناطق المسَيْطَر عليها وأناسها إلى عبيد، يعملون تحت إمرة المسيطِر اقتصاديًا؟!!، ألم يكن ذلك حال العمَّال الفلسطينيين من الضفة والقطاع، الذين تحمَّلوا من الذل ما تحمَّلوا؛ بعملهم في الأماكن التي يسيطر عليها الاحتلال الصهيوني، والذين تتحكم سلطات العدو بلقمة عيشهم المغمسة بالذل، فتمنحهم إياها تارة، وتسلبهم إياها تارة أخرى؟ إذن مقاطعة البضائع والمنتجات التي تنتجها دولة العدو- سواء التي تأتي عن طريق استيراد نظامي في بعض الدول التي عقدت معاهدات صلح مع دولة العدو، أو تهريبًا مجتازة حدود الدول الأخرى- مسألة بدهيَّة، فسَدُّ الأسواق العربية أمام هذه البضائع إضعاف لا جدال في نتائجه على دولة العدو، ولولا تأثير هذه المقاطعة المُجدي لما أصدرت عدة دول غربية في الماضي قوانين مضادة للمقاطعة العربية للكيان الصهيوني، ولَمَا كانت أولى شروط مؤتمرات السلام ومعاهدات الصلح مع العدو هو إلغاء المقاطعة.
فقد صدر في أمريكا عام 1977م قانون بالغ الشدة ضد المقاطعة العربية المطبقة على الشركات الأمريكية أو شركات الدول صديقة أمريكا، كما صدرت قوانين تختلف في مضمونها وشدَّتها في: كندا، فرنسا، هولندا، ثم ألمانيا 1993م، والبرلمان الأوروبي 1993م، ولو لم تكن المقاطعة مجدية كذلك لما تحركت مجموعة الدول الصناعية السبعة الكبار، عام1991م قبيل بدء المفاوضات العربية الصهيونية في مدريد تحث الكيان الصهيوني على تجميد بناء المستوطنات والدول العربية على رفع إجراءات المقاطعة، كدليل حسْن نيَّة قبل البدء بالتفاوض، كما نصَّت معاهدتي السلام المصرية الصهيونية والأردنية الصهيونية على إنهاء حال المقاطعة الاقتصادية، وكذلك نص الاتفاق اللبناني الصهيوني في أيار1989م على التفاوض؛ بغية التوصل إلى اتفاقيات حول حركة السلع والمنتجات والأشخاص، ذلك الاتفاق الذي رفضته وأسقطته القوى الوطنيةاللبنانية.
2- مقاطعة البضائع والمصالح الأمريكية كافة:
وذلك بسبب مواقف أمريكا الداعمة للعدو الصهيوني والمهدِّدة لعدة دول عربية، والتي سبق لها أن نفذت هي- بدءًا- حصارات اقتصادية على عدة دول عربية، كالعراق وليبيا والسودان، والآن تهدِّد بضربة عسكرية للعراق، و تهيِّئ- ربما لغيرها- عن طريق قانون محاسبة سوريا في الكونغرس، وتصنيف بعض التنظيمات المقاومة للعدو الصهيوني والمتواجدة في لبنان وسوريا على أنها تنظيمات إرهابية؛ مما سيعطيها الذريعة لضرب لبنان وسورية مستقبلاً، مادامت هي التي ترسم محاور الخير والشر في العالم كما تشاء.
3- مقاطعة الشركات غير الأمريكية الداعمة للعدو الصهيوني:
وهي شركات أوروبية تقوم بدور فعال في دعم اقتصاد الكيان الصهيوني.
4- مقاطعة الشركات أو سلاسل المطاعم أو المحلات التجارية الوطنية، التي تملك ترخيصًا من الشركات الأمريكية أو الشركات الداعمة للعدو الصهيوني.
في كل واحدة من الرموز السابقة هناك إشكاليات تطرح نفسها بقوة- إشكاليات مقاطعة البضائع “الصهيونية”-، ويختلف الوضع هنا بين دولة عربية وأخرى، ففي حين تدخل هذه البضائع السوق العربية لبعض الدول التي عقدت اتفاقيات صلح مع “الكيان الصهيوني”… تهرب إلى دول أخرى أو تدخل تلاعبًا تحت تسميات دول أخرى، أو لا تدخل بتاتًا، وهنا تختلف مهمات لجان المقاطعة من دولة لأخرى، ففي مصر والأردن تبدو مهمات اللجان هناك أصعب لحماية الأسواق من غزو البضائع “الصهيونية”، بتبيان خطر الغزو الاقتصادي الصهيوني للأسواق العربية، ومن ثمَّ كشف تلاعب بعض الشركات التي تغطي منتجاتها تحت أسماء مستعارة لشركات أو دول أخرى، وتعميم تلك الأسماء على المستهلك المستعد أصلاً نفسيًا لمقاطعة هذه المنتجات، وإذا كانت الحكومات مقصرة في إغلاق حدودها أمام تسريب البضائع “الصهيونية” المهربة فدور لجان المقاطعة هنا بارز في تعريف المستهلك بأسماء هذه المنتجات، أو الأسماء المستعارة لشركات أو دول المنشأ، التي تختفي وراءها، ويتم ذلك بدراسة دقيقة للشركات “الصهيونية” ومنتجاتها، ولم يعد ذلك صعبًا بوجود مصادر الإنترنيت التي تزودنا بهذه المعلومات.
إشكاليات مقاطعة البضائع الأمريكية:
تأتي الصعوبة هنا من رفض المبدأ من قِبَل البعض وذلك:
• إما بحجة عظمة أمريكا، ومبدأ “هل بإمكان العين أن تقاوم المخرز؟ وهل بإمكاننا الوقوف في وجه أكبر وأعتى دولة في عصرنا؟”.
• أو بحجة أنه “لا يجب أن تؤخذ الشركات الأمريكية بجريرة مواقف حكوماتها!
• أو أن استعداء أمريكا لن يكون لمصلحة العرب.
• أو أن اقتصاد أمريكا العظيم لن يتأثر بمقاطعة الدول العربية لها، والتي لا يشكّل حجم التبادل التجاري بينها وبين أمريكا 3-6% من صادرات أمريكا.
• ومن ثمَّ الفكرة “المعششة” في رؤؤس الكثيرين: هل بإمكاننا العيش دون البضائع الأمريكية؟!!
والجواب على تلك الأسئلة ربما يكون معقدًا، وله الكثير من الجوانب والمداخل، لكن لو وضعنا مبدأً واضحًا فيمكننا من خلاله مناقشة كل الأمور السابقة، وأولها مشروعية مقاطعة أمريكا، من حيث هي عدو من الدرجة الأولى، يهدد- تهديدًا واضحًا صريحًا مباشرًا- العديد من الدول العربية، هذا إذا لم نذكر دعمه الواضح والصريح للعدو الصهيوني بنواياه العدوانية المعروفة، ولاننس أن أمريكا هي التي بادرت بتطبيق سياسة المقاطعة على عدة دول عربية، بل على كل من لا تعجبها سياسته ككوبا مثلاً.
وغير صحيح أن اقتصاد أمريكا لم يتأثر بالمقاطعة، فانخفاض مبيعات السلع الأمريكية في الأسواق العربية واضح، وقوة الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على الاقتصاد المتين أولاً وأخيرًا لا بد أن يزعجها تأثر اقتصادها، وإن كان طفيفًا الآن، خاصةً في حال نجاح واستمرار حملة المقاطعة وتطورها مستقبلاً، بحيث تؤثر على الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى المصالح الأمريكية الأخرى في المنطقة، وتحوَّل المقاطعة ربما مستقبلاً إلى مقاطعة إيجابية تشمل سلاح النفط.
وحتى لو لم تستطع المقاطعة العربية مجتمعة التأثير على اقتصاد أمريكا فيكفي أنها ستكون موقفًا وصرخة احتجاج من شعوب ترفض الاستعباد من قِبَل قوة عاتية تريد فرض منطقها- منطق القوة- ولو كان منطقًا لا يستند إلى موازين الحق والعدالة، وعلينا ألا ننسَ أن سلاح المقاطعة ربما يكون ضعيفًا اليوم، ولكن لو تخيلنا عن استمراريتها ودخولها مجال المقاطعة الإيجابية- بسحب الاستثمارات العربية، واستخدام سلاح النفط- فسنعرف مدى التأثير الذي من الممكن أن تشكله على الإدارة الأمريكية؛ مما سيضطرها إلى إعادة النظر في سياساتها العدوانية المتعجرفة، والتي لا تضع حسابًا لشعوب الأرض جميعًا، إلى درجة تصنف البشر في خانتي إما “معنا أو ضدنا”، ولو كانت تلك الـ”معنا” لا تقوم على أي أساس عادل، له علاقة بمباديء الحضارة الإنسانية!!.
أما من يقول: ما ذنب الشركات الأمريكية؟!! فذلك كمن يحتجّ بمسألة الإضرار بالعمَّال العرب في حال مقاطعة سلاسل المطاعم والمخازن الأمريكية في بلادنا!! فمن المعروف العلاقة المتينة التي تربط الاقتصاد الأمريكي بالإدارة الأمريكية، وأن الضغط على هذه الشركات سيستدعي بالضرورة ضغط هذه الشركات على الإدارة الأمريكية؛ كي تغدو سياساتها أكثر تعقُّلاً، سياسة تخفف سعي الإدارة الأمريكية الحالية جاهدة؛ كي تزيد من عدد الدول في المعسكر المعادي لها، وكأنها كلفت بمهمة سماوية بذلك، ولعل آخر ما ابتدعته جهودها العدوانية هو الموافقة على قانون يعتبر القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وكأنها بذلك تسعى- قصدًا- في هذا الظرف الدولي الحرج إلى المزيد من العداء والكراهية لها في جميع الدول العربية والإسلامية!!.
أما سؤال: هل يمكننا الاستغناء عن البضائع الأمريكية؟!، فلعل سورية خير مثال على ذلك، فإذا استثنينا البضائع المهربة من لبنان، فالبضائع الأمريكية نادرة في سورية، إذ لا تستورد سورية الكثير من أمريكا، وأسماء السلع الأمريكية الكبرى ليس لها تواجد عندها، وكذلك سلاسل المطاعم أو السوبر ماركات الشهيرة، ومستوردات سورية من أمريكا لم تتعد- عام 2000م- 256 مليون دولار، منها: 84 مليون دولار ذُرة صفراء،21 مليون دولار كُسبة للعلف،21 خيوطًا تركيبية،6 مليون دولار سجائر، 4 مليون دولار أجهزة تدريب على الطيران، 2,5 مليون دولار أدوات جراحية، وهي مواد من السهل استبدالها بمواد من دولة أخرى، ولا تشكل سوى نسبة صغيرة من الواردات السورية، لكنها تعادل مستوردات سورية من الدول العربية كافة، كما أن هناك بضعة شركات لها امتيازات أمريكية، وتدخل بعض المواد الأولية من منشأ أمريكي، ضمن الصناعات الوطنية، مثل صناعة الدواء، وسورية بذلك تختلف عن الكثير من الدول العربية التي يبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين أمريكا رقمًا عاليًا، فالمقاطعة في هذه البلدان أجدى اقتصاديًّا، ولا شك أن الجهود التي تقع على عاتق لجان المقاطعة فيها أكبر بكثير، وفي نفس الوقت… فسورية مثالٌ على أن أي دولة عربية يمكنها مقاطعة المنتجات الأمريكية، أو أن تخفض مبادلاتها التجارية مع أمريكا إلى الحدود الدنيا، ما دام البديل الأجنبي أو الوطني موجودًا.
إشكاليات مقاطعة البضائع غير الأمريكية الداعمة لـ”الكيان الصهيوني”:
تكمن الصعوبة هنا في كون أغلب الشركات حاليًا غدت شركات متعددة الجنسيات، ولها مراكز إنتاج في “الكيان الصهيوني” والدول العربية أيضًا، وتسوق بضائعها هنا وهناك، فما المقياس؟ لعل المقياس الأساسي لمقاطعة هذه الشركات هو مقدار مساهمتها في دعم اقتصاد العدو الصهيوني!! فهنالك شركات تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم اقتصاد دولة العدو عن طريق زيادة الاستثمارات (برغر كينغ)، أو تقديم الهبات أو التبرعات إلى المنظمات الصهيونية (نستله)، أو إقامة مصانع (سارة لي)، أو مراكز أبحاث في المستوطنات (جونسون آند جنسون)، أو تقدم تسهيلات تتجاوز المتعارف عليه دوليًّا لتسويق منتجات العدو (نستله)، وهنا تأتي صعوبة تمحيص المعلومات وتدقيقها، وتلك المهمة منوطة بلجان المقاطعة، وفي حال أقرت مقاطعة إحدى الشركات، وشعرت هذه الشركة بأن قرار مقاطعتها مجحف، فلتقدم وثائق مضادة تثبت عدم دعمها لاقتصاد العدو، وعندها يمكن رفع المقاطعة عنها كما حدث سابقًا مع عدة شركات أيام المقاطعة العربية التي قادتها بنجاح جامعة الدول العربية قبل أن تجمد من قبل اتفاقيات السلام.
مقاطعة الشركات الوطنية ذات الامتيازات المعادية:
و هي أكثر الأمور التي تثير صعوبات أو إشكاليات، فقد وقف الكثيرون في وجه مقاطعتها، مدعين أن ذلك سيضر بالاقتصاد الوطني، وسيؤثر على لقمة عيش المئات، بل الآلاف من العائلات، وهنا لابد من معالجة الأمر بهدوء ورويَّة، فهذه الشركات تخدم بالنتيجة مصالح بعض التجار والصناعيين، الذين ترتبط مصالحهم بمصالح الدول أو الشركات الداعمة للعدو، وعليهم أن يدركوا ذلك جيدًا- وليس من الصعب عليهم إن كانوا يملكون الحسّ الوطني- أن يستبدلوا منتجاتهم ببدائل وطنية تشغل نفس اليد العاملة، خاصةً أن أغلب مصالحهم تتعلق بالصناعات الخفيفة وبخاصة الغذائية منها، ومن الممكن جدًّا قلبها إلى منتجات تعتمد على المواد الأولية المحلية وبتصنيع محلي أكثر صحيَّة، ويخدم الوطن لا مصالح العدو.
إن محاورة هؤلاء الصناعيين والتجار عن طريق غرف الصناعة والتجارة قد يكون مجديًا، وفي حال إصرارهم فالمقاطعة ستكون لهم بالمرصاد، وعندها ربما سيُضطَّرون- مجبرين لا مخيرين- على إيجاد حلول أفضل من تعاملهم مع من يدعم عدونا، ولو افترضنا تضرر بعض الأيدي العاملة المحلية فتلك خسارة يمكن تحملها في سبيل القضية الأسمى، ويمكن إيجاد فرص عمل لهؤلاء المتضررين بإنشاء صناعات وطنية بديلة- مطاعم الأغذية الشعبية-، وقد قرأت مقالاً لـ”الكيان الصهيونية” تدعو لمقاطعة الماكدونالد في القدس خوفًا على الاقتصاد والتقاليد الوطنية، وتدعو فيه إلى تشجيع الغذاء التقليدي المحلي، رغم أن ماكدونالدز يتبع دولة داعمة لهم حتى النخاع، فكيف يجب أن يكون موقفنا نحن من تعادينا أمريكا أكثر من النخاع؟!!
المقاطعة الثقافية:
أعتقد أن مقاطعة الثقافة الصهيونية ليست موضوع نقاش، فالعدو الصهيوني عبارة عن تجمع مجموعات من البشر قدموا من بلدان متعددة، شكلوا ثقافة هجينة دون أسس، وهكذا ثقافة دون أصول أو تراث لا يُخشى منها، فهي بذاتها لا تحمل مقومات صمودها، لذا فتأثيرها على الشعوب المجاورة غير وارد، ولعل تجربة مصر والأردن، اللتين لازال شعباهما رافضًا للتطبيع مع الصهاينة بكل أشكاله، رغم مرور سنوات طويلة على اتفاقيات السلام، وعدم تأثر أي فرد عربي بثقافة العدو، رغم إذاعة صوت الكيان الصهيوني القائمة منذ سنوات عديدة، ومن ثم الفضائيات والإنترنيت، كل هذا دليل واضح على أن ثقافة الصهاينة لا يُعتد بها، وخاصةً أن ما يميز شعوبنا ذلك التراث الغني الذي يضرب جذوره في الأرض لمئات السنين.
أما بالنسبة للثقافة الأمريكية فلم تَعد هاجسنا نحن فقط، بل هاجس شعوب الأرض جميعا، وخاصةً أن انتشارها يهدد بفقدان الشعوب هويتها، وتعزيز طغيان الدولة الأقوى في العالم اليوم.
إن الثقافة الأمريكية التي تحوّل الإنسان إلى فرد متوحد ضمن مجتمع ينعزل أفراده بعضهم عن بعض في لهاث يومي محموم هدفه الربح والاستهلاك، وخدمة الشركات الكبرى، التي تسعى اليوم من خلال العولمة إلى تحويل البشر إلى20% يستفيدون من منتجات الحضارة، ويستمتعون بها، وقطيع مؤلف من80% من البشر يعيشون فقط بما يتيح لهم الاستمرار في الحياة، يتناولون الوجبات السريعة غير الصحيَّة مع إلهائهم كما يُلهى الأطفال بالمصاصات، بجنون الرياضة والفضائيات والموسيقى الصاخبة، وآخر صيحات الموضة.
هناك الكثيرون ممن ينتقدون مسألة مقاطعة الثقافة الأمريكية بحجة أن الثقافة لا تقاطَع، نحن نقاطع الثقافة الأمريكية السلبية، التي كما ذكرت تحاول تحويل البشر جميعًا إلى قطيع مما يلغي التفرد وتحريض الروح الإبداعية لدى كل فرد، وخاصةً أن الثقافة الأمريكية معنية اليوم بمعاداتنا وتقديمنا كشعوب همجية متوحشة تحب سفك الدماء، وأن الثقافة الأمريكية وخاصةً السينما هي صناعة، ومقاطعة الشركات الأمريكية تضم ضمنها مقاطعة شركات الإنتاج السينمائي، كما أن الجهات التي ترعى الفعاليات الثقافية الأمريكية عندنا هي نفس الجهات التي ترعى المصالح الأمريكية، وتنفذ سياسات أمريكا في المنطقة، وبالطبع فلسنا ضد الشعب الأمريكي، ولسنا ضد الثقافة الأمريكية، التي تدعو إلى السلام والعدالة بين البشر، والتي يقدمها مواطنون أمريكيون يعُون سياسات حكوماتهم المعتدية، وهم أنفسهم يناهضون العولمة والحروب.
أهداف لجنة المقاطعة مستقبلاً:
لابد من التركيز على أمر مهم هو عدم اعتماد المقاطعة سلاحًا وحيدًا في وجه العدو، فتجربة الهند لن تتكرر؛ بسبب الظروف الدولية المتغيرة، ويجب استخدام جميع الأسلحة في وجه العدو، فإن أراد السلام فنحن شعوب تحبه، وإن أراد الحرب فنحن شعوب اعتادت التضحية، لكننا شعوب لم ولن نقبل الظلم والذل.
إن نجاح المقاطعة يعتمد على إيجاد البدائل المعقولة، بتشجيع الصناعات الوطنية البديلة، والسعي نحو تحسين نوعيتها؛ كي تضاهي منتجات الشركات المقاطعة، وتشجيع الاستثمارات في الدول العربية، في محاولة لإعادة رؤوس الأموال العربية الموظفة في أمريكا إلى الدول العربية، وذلك لن يتم إلا بالضغط على الحكومات؛ كي تفتح مجالات الاستثمار بشروط معقولة على أراضيها، وإزالة العوائق البيروقراطية في التعامل، وغيرها من المعوقات، كطلبات السمسرة والرشاوى.
وهنا لابد من التأكيد على خطة مستقبلية، تدعو جميع الدول الصديقة إلى مقاطعة الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني ومن يدعمهما، أسوة بمقاطعة العالم لنظام الأبارتايد العنصري، والذي ساهم في إسقاطه، ولا أظن أن أمريكا أو الكيان الصهيوني- اليوم- بأقل من ذلك النظام ظلمًا واعتداءً على شعوب الأرض، كذلك يمكن التنسيق مع المنظمات المناهضة للعولمة، والتي نتفق معها في كثير من النقاط، وليس أدل على ذلك من مواقفها الإيجابية في مؤتمرَي “ديربان وجوهانسبرغ”.
التحديات التي تواجه لجان المقاطعة:
التحدي الكبير الذي تواجهه هذه اللجان كونها جهات لا تحظى غالبًا بمباركة حكوماتها لها بصفة غير رسمية، وتتعرض إن لم يكن لعدم الدعم، فبالعرقلة الواضحة من قِبَل حكوماتها، تبدأ من عدم الاعتراف بها بشكل رسمي، مرورًا بمنعها من تلقِّي أي دعم مالي من أي جهة كانت، وانتهاءً باعتقال بعض أفرادها في بعض الدول.
هذا التحدي يفرض على هذه اللجان الاعتماد على إمكاناتها الذاتية، وبالذات البشرية في تغطية جميع نشاطاتها وفعالياتها، والاستعداد لجميع أنواع المضايقات التي يمكن أن تتعرض لها.
من ناحية أخرى لابد للجان المقاطعة من استيعاب غياب الحامل الاجتماعي لنشاطاتها؛ نتيجة حال الإحباط واليأس الواضحة التي يعاني منها الشارع العربي؛ بسبب تخاذل حكوماته، ومواقفها المخزية؛ مما يحدث في الأراضي المحتلة، وإعلانها عن عجزها التام عن مواجهة الوحش الأمريكي المرعب، مداراة أو صراحة على لسان زعمائها!!.
وهنا يبرز الدور الحقيقي للجان المقاطعة بالاحتكاك المباشر بالمستهلك بالنزول إلى الشارع بشكل متكرر متواصل، ومحاولة إعادة الثقة إلى الإنسان العربي، وإقناعه بقدرته على الفعل وأهمية فعل المقاطعة اليومي الذي يمكنه القيام به، وتعريفه بأهمية المقاطعة والمواد التي ينبغي له مقاطعتها، إن أراد المشاركة في هذا الفعل الوطني.
وهنا أريد أن ألفت النظر إلى أن عمل القوى السياسية الموجودة على الساحة العربية في مجال المقاطعة هذه القوى التي تحمل تناقضاتها وإشكالياتها وإحباطاتها المسبقة على مدى السنوات السوداء، التي مرت على الوطن العربي، وعكْسها تناقضاتها الداخلية، أو بينها وبين القوى السياسية الأخرى، أو إصرارها على العمل منفردة يؤثر سلبًا على المقاطعة؛ لذا فإن دعوتنا موجهة إلى جميع القوى والفصائل السياسية، ولا تضع هذه التناقضات جانبًا، وتعمل ضمن لجان مقاطعة تحوي كافة الأطياف والفعاليات السياسية، ولتكن لجان المقاطعة مكانًا يمكن أن تتجلَّى فيه الوحدة الوطنية بل العربية في أرقى أشكالها، عندما يتوحد الجميع في مواجهة خطر واحد، ساعين نحو هدف سام مشترك، وهنا أيضًا ندعو جميع لجان المقاطعة في كل بلد عربي أن توحد جهودها وتتبنَّى سياسات مقاطعة مشتركة، حيث يصبح العمل الجماعي الموحد في تبادل المعلومات وتوحيد الفعاليات والنشاطات أكثر جدوى.
ولعل هذا ما يمكن تعميمه على لجان المقاطعة العربية التي خرجت بلجنة عربية موحدة وبقرارات مشتركة صدرت عن المؤتمر العربي الأول للمقاطعة، الذي عقد في دبي في أيار 2002م، والذي لم ينفذ من توصياته على أرض الواقع إلا القليل القليل، وقد حاولت اللجنة الوطنية لمقاطعة البضائع والمصالح الأمريكية في سوريا جاهدة البقاء على اتصال مع بقية اللجان السبعة التي شاركت في المؤتمر، إلا أن نصفها لم يتجاوب، رغم المحاولات المتكررة، كذلك لم يؤد موقع الإنترنيت الذي كان إلإصرار عليه كبيرًا، وقام الإخوة المصريون- مشكورين- باستحداثه للأسف.
الدور المنوط به كصلة وصل يومية بين اللجان على امتداد الوطن العربي، لكن يمكننا اعتبار مشاركة ثلاث دول عربية لسورية في حملة مقاطعة السجائر الأمريكية، هي لبنان، ومصر، واليمن، مؤشرًا هامًا على إمكانية تطوير التعاون المستقبلي فيما بين لجان المقاطعة، كأحد مظاهر التضامن العربي الذي نحلم به في سبيل الوحدة العربية، والنهضة العربية، وإزالة جميع أشكال الاستعمار والهيمنة والاستبداد والتخلف، وذلك ما نطمح إليه جميعًا، في حلم لن نسمح للزمن الرديء أن يسلبنا إياه.