مبادئ الحكم والسلطة في الاسلام
كاتب الموضوع الأصلي: تركي الحارثي1
1- ضرورة السلطة ومدنيتها في الإسلام
2- مصدر الشرعية في الدولة الإسلامية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان الإنسان اجتماعيا بطبعه كما هي عبارة الأقدمين بسبب عجزه فردا عن توفير حاجاته الضرورية من الغذاء والحماية، فضلا عن ضرورات ترقية هذا الوجود ماديا ومعنويا إنتاجا للحضارة مما ليس يتصور خارج الحياة الاجتماعية.
وإذا كان يجاور ويزاحم ويضاد هذا الميل للاجتماع ميول للإشباع الغريزي النهم ولو من طريق العدوان على الآخر، لا سيما عدوان القوي على الضعيف مما يجعل قانون الغاب هو قاعدة التعامل بين بني الإنسان، وهو مؤذن بخراب العمران.
”
تحتم على الناس أن يعيشوا جماعات، واقتضى عيشهم المجتمعي من أجل أن يستمر ويزدهر وجود أعراف وقوانين وقيم توضح وتحدد ما هو عدل وما هو ظلم
”
إذا كان ذلك كذلك تحتم على الناس أن يعيشوا جماعات، واقتضى عيشهم المجتمعي من أجل أن يستمر ويزدهر وجود أعراف وقوانين وقيم توضح وتحدد ما هو عدل وما هو ظلم، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر. وهذا على أهميته لا يكفي ما لم توجد سلطة يحتكمون إليها في فض ما ينجم بينهم من نزاعات، فتحجز الظالم وتقتص منه بقدر إساءته وتنتصف للمظلوم بقدر ما ناله من ظلم وفق معايير عادلة، وهو ما ينبغي أن يكون، حتى إذا لم يكن وتخلف الواقع عن بلوغ هذا المقصد كاملا، يظل العدل هو غاية القانون وأساسه، وتظل شرعية السلطة تتحدد بقدر ما تحقق من المقصد الأصلي لاجتماع الناس، وفي كل الأحوال لا بد للناس من سلطة برة أو فاجرة كما هو مروي عن الإمام علي. فما طبيعة السلطة في الإسلام؟ ما مصدر شرعيتها؟ ما ضمانات عدم جورها؟.
1- ضرورة السلطة ومدنيتها في الإسلام
أ- تكاد مذاهب الإسلاميين لا تختلف في أن إقامة سلطة في الجماعة (نصب الإمام) واجب ديني لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة، من مثل وزع القوي عن الضعيف وإقامة الحدود وحماية الثغور (1) ولم يشذ في القديم غير فرقة من الخوارج ذهبت إلى نفي الضرورة الدينية لإقامة الحكم وانصب اهتمامها على وظيفته الاجتماعية ألا وهي إقامة العدل فإذا تيسر للناس إقامته من دون سلطة لم تكن لهم بها حاجة. ورغم شذوذ هذا الرأي إلا أنه مهم جدا من حيث التأكيد على الطبيعة الوظيفية المدنية للدولة في الإسلام المتمحورة حول إقامة العدل، بما يجعل شرعية وجودها تقاس بقدر ما تقيم من العدل، وهو ما يجردها من كل مزاعم دينية أو حتمية لمكانتها، فهي مجرد ضرورة لسد ثغرة تضيق وتتسع حسب حال الجماعة صلاحا، فبقدر ما يزداد الناس صلاحا واستقامة بقدر ما تقل وتتضاءل الحاجة للدولة والعكس بالعكس. ومعلوم أن الخير هو الأصل في الطبيعة البشرية. وإنما جاءت النبوات لتعزيز هذا الأصل في مواجهة اندفاعات الغرائز وتحريضات شياطين الجن والإنس.
إن تعويل الإسلام في صلاح الناس على طبائعهم الخيرة وما تتلقاه ضمائرهم من مدد رباني وتعزيز تربوي بما يجعل الخير يصدر تلقائيا من داخلهم فيكون الوازع لفعل الخير والامتناع عن الشر من داخلهم، من دون حاجة إلى الوازع الخارجي أي السلطة، إنه بقدر ما تنجز التربية وظيفتها بنجاح بقدر ما تقل الحاجة للدولة، غير أن النقص يظل ملازما لطبائع الناس مهما بلغوا من السمو بما يفرض قدرا من الدولة لإقامة العدل، وحتى في هذه الحالة فهي مجرد وظيفة خادمة للجماعة وأداة من أدواتها لإقامة العدل تحت رقابة الجماعة.
أما في العصر الحديث فإنه بأثر الغزو الغربي لديار المسلمين وما زرعه من فكر وقيم وأساليب تنظيم حضاري فقد اختلف الأمر، إذ طلعت على المسلمين دعوات في مجال علاقة الدين بالسياسة تروج بينهم لمذهب الفصل بين المجالين تأسيسا على أن النبي عليه السلام، بزعمهم، لم يكن سوى مبلغ عن الله وكذلك سائر إخوانه النبيين وأن ما قام من أوضاع سياسية بعد ذلك لم يكن لها شأن بالدين وإنما اقتضتها ظروف البيئة وطبائع الملك (2).
”
تكاد مذاهب الإسلاميين لا تختلف في أن إقامة سلطة في الجماعة (نصب الإمام) واجب ديني لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة
”
وقد مثل كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق المشجب الذي تعلق به العلمانيون تعلق الغريق بقشة، ليعلقوا عليه دعاواهم العلمانية وقد شهد لها شيخ، ولم تردهم عنها الحملات التي شنها فطاحل العلم الإسلامي المعاصر في سائر أرجاء دار الإسلام (3). وحتى لما تراجع الشيخ عبد الرازق عن دعواه وتاب منها لم يوهن ذلك شيئا من تشبث العلمانيين بالمذهب الأول للشيخ معرضين عن كل مراجعة لموقفهم حتى بعد أن امتلأ عالم الإسلام بحركات إسلامية قامت على أساس فكرة شمول الإسلام لقضايا الدنيا والدين بل قامت على نفس الأساس دول مثل الجمهورية الإسلامية في إيران والسودان وأفغانستان بصرف النظر عن مدى توفيقها في تجسيد مثل الإسلام في العدل والشورى. كما قامت على أساس الشريعة مؤسسات اقتصادية عملاقة كالبنك الإسلامي وفنون وآداب وأزياء ومنظمات ومراكز وحركات جهادية وثقافية وسياسية ومشاركات فاعلة في كل المناشط الاجتماعية. وبذلك عاد الإسلام بقوّة طرفا فاعلا في السياسات المحلية والدولية رغم اختلال ميزان القوة الدولي ضده، وذلك مقابل انزواء الفكرة العلمانية وتواتر وتفاقم أوضاع فشلها، بما فاقم من تعويلها في البقاء على جهاز الدولة القمعي وعلى الظهير الخارجي، بينما يتصاعد تأثير حركات الإسلام على الأفراد ومؤسسات المجتمع. والثابت أن فكرة الإسلام الإصلاحية الشمولية هي أسرع وأشد الأفكار نموا اليوم إن داخل بلاد الإسلام أو خارجها، بما يشهد على فشل ذريع لرهان ومخططات استبعاد الإسلام وتهميشه أو علمنته.
ب- غير أنه مقابل الطرح العلماني لعلاقة الدين بالدولة المتأثر بالنمط الغربي ولا سيما في صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة، نجد الطرح الشيعي التقليدي للمسألة الذي يصر على اعتبار الإمامة جزءا من العقيدة وأن الإمام منصب ديني بحت نص عليه الشارع كما نص على الصلاة والصيام، إذ نص بزعمهم على قائمة اسمية لمن يجب أن يتولاها نيابة عن الرسول عليه السلام فليس يسع المؤمن إلا أن يسلم تسليما بإمامة تلك القائمة من نسل النبي من ولد علي وفاطمة عليه وعليهم جميعا السلام، وذلك رغم أن دعاة الإمامة الوراثية قد اختلفوا في ترتيب وتسلسل قائمة الوارثين كما اختلفوا في الحكم على من تولى الخلافة قبل علي رضي الله عنه وعنهم جميعا، هل هم أئمة شرعيون كما هي عقيدة جمهور المسلمين أم هم لصوص سطوا على إرث النبوة وخانوا معلمهم بمجرد وفاته بينما هو قد شهد لهم بل شهد لهم الكتاب العزيز بالصحبة والقرب والرضوان، وهو أمر خطير يفرض التمزق في ضمير المسلم إذ يفرض عليه أن يحكم بضلال أكثر من 90% من بين أفضل أجيال الأمة، حتى الذي شرفه رب العزة بالذكر وخصه ورسوله بالمعية “ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” (التوبة).
وقد يجمح بإخواننا العشق لآل البيت وهم جديرون بالولاء والحب، ولكنهم يتجاوزون إلى النطق بعبارات تتجاوز الحدود الجائزة، من مثل العبارة الواردة على لسان الإمام الخميني غفر الله له “إن أئمتنا قد بلغوا من القرب مبلغا لم يصله نبي مرسل ولا ملك مقرب” (4)، وذلك رغم أن الإمام الخميني يعتبر من أعظم المجددين في الفكر السياسي الشيعي الحديث من خلال بعثه الحياة والروح العملية العصرية في مفهوم “ولاية الفقيه” الذي كان قد ذكره بعض فقهاء الشيعة القدامى إلا أنه ظل مهملا على هامش عقيدة الغيبة والرجعة للمهدي المنتظر التي جعلت طائفة إسلامية معتبرة في حالة عطالة انتظارا لعودة الغائب.
تعتبر فكرة ولاية الفقيه كما نقلها إلى العصر في صيغة دولة حديثة الإمام الخميني الفكرة المركزية في الثورة التي قادها وأطاحت بأعتى دكتاتورية في المنطقة، وخلاصتها أنه في مرحلة غياب الإمام المنتظر ما ينبغي أن تعطّل أحكام الإسلام وتضيع مصالح المسلمين بل يجب على الفقهاء أن ينهضوا بهذه المهمة فيختاروا واحدا منهم وليا للمسلمين ونائبا للإمام في انتظار قدومه فينهض حتى يومئذ بكل وظائفه ويتمتع بكل صلاحياته تقريبا. والفكرة هي من الغنى أنها تكاد تلخص ككل الأفكار المهمة في التاريخ الجانب الأعظم مما حققت الثورة ودولتها وشعبها من نجاحات وهي كثيرة وما اصطد مت به ولاتزال من عقبات، لدرجة أن الاختلاف حول مضمونها لا يزال المحور الأساسي للصراع في الجمهورية الإسلامية بين داع إلى سلطة مطلقة للولي الفقيه تجعل سلطانه فوق القانون وكل مؤسسات الدولة -وفي الدستور الذي صيغ على مقاس الإمام الراحل ما يدعم هذا التأويل- وداع إلى اعتبار سلطة الولي الفقيه سلطة رمزية تمارس صلاحياتها في ظل سلطة القانون والمؤسسات.
”
يقابل الطرح العلماني لعلاقة الدين بالدولة المتأثر بالنمط الغربي ولا سيما في صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة، نجد الطرح الشيعي التقليدي للمسألة الذي يصر على اعتبار الإمامة جزءا من العقيدة وأن الإمام منصب ديني بحت نص عليه الشارع كما نص على الصلاة والصيام
”
وواضح أن اتجاه الرأي العام في الجمهورية الإسلامية يتطور بسرعة صوب دولة إسلامية ديمقراطية تستمد سلطانها بالكامل من الشعب وتعمل كلها في إطار القانون ومرجعية الإسلام العليا، وتشهد على ذلك النسب العالية المتصاعدة التي فاز بها السيد خاتمي رافع لواء الدولة الإسلامية الديمقراطية والمجتمع المدني وحوار الحضارات والدور الفاعل للشباب والنساء والأقليات وتأكيد سلطان الأمة بما يؤسس لتقارب حقيقي بين الشيعة والسنة والعصر على قاعدة الشورى والديمقراطية.
ج- يقف جمهور الإسلاميين في مكانة الدولة في الإسلام موقفا وسطا بين المعطلة النفاة من العلمانيين الذين عملوا ولايزالون على إفراغ الإسلام من محتواه الاجتماعي السياسي ونقله من العام إلى الخاص لحبسه في هذا الأخير تمهيدا لتهميشه فالإجهاز عليه انطلاقا من إهدار مبدأه الأعظم في التوحيد بين المادي والروحي وبين السياسة والأخلاق وبين الدنيا والدين، وهو أعظم مبادئه وخصوصياته… وسطا بين هؤلاء المعطلة النفاة والرؤى الثيوقراطية الشيعية التقليدية والصوفية التي لم تسلم منها بعض التصورات السنية التي رسختها أنظمة الجور والاستبداد ونظر لها بعض فقهاء السلطة والتي تجعل سلطان الحاكم فوق سلطان الأمة ما دام منسجما مع الوجهة العامة للشريعة كما يقدرها. وفي هذا الصدد تؤثر عبارات عن بعض خلفاء بني أمية وبني العباس (5).
أما موقف الوسطية الذي عليه جمهور الإسلاميين فيتمثل في اعتبار السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة عدل الإسلام. أنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا وأن القائمين بها ليسوا سوى خدام عند الأمة، إذ هي المخاطب الحقيقي بإقامة الشريعة، بما يجعل شرعيتهم موقوفة على إنفاذهم للشريعة والتوافق مع توجيهاتها كما يرتضيها جمهور المسلمين كما أنها موقوفة على مدى احترامهم لإرادة الأمة المعبر عنها تعبيرا حرا ومنظما “الشورى” أو الديمقراطية بالمصطلح الحديث، فهي بهذا الاعتبار مجرد سلطة مدنية من كل وجه لا تختلف عن الديمقراطيات المعاصرة إلا من حيث علوية المبدأ الخلقي في إقامة العدل وفق ما جاءت به الشريعة أو وفق ما لا يخالفها (6). وهو ما أسست له مدرسة الإصلاح كما جاء بيّنا في فكر كل رموزها مثل الأفغاني وعبده ورشيد رضا وحسن البنا وحسن الترابي والمرجع الشيعي المعتبر المرحوم آية الله محمد مهدي شمس الدين (7)
إن الدولة الإسلامية وسيلة لا غنى عنها ما دام الإنسان اجتماعيا بطبعه وما دام الإسلام نظاما شاملا للحياة من أجل إنتاج بيئة اجتماعية تتيح لأكبر عدد ممكن من أفرادها وجماعاتها أن يعيشوا روحيا وماديا في توافق فطري مع القانون الذي جاء به الإسلام. إن الدولة الإسلامية ليست سوى أداة من أدوات أمة وقفت نفسها على خدمة رسالة الإسلام وعدله تحق الحق وتبطل الباطل في الأرض كلها حتى تكون عبادة الله والتقرب إليه بالطاعات وفعل الخيرات أمورا مرغوبا فيها ميسورة مجزية، وتكون محادته بالكفران وانتهاك الحرمات وإشاعة الشرور واقتراف المظالم أمورا بغيضة عسيرة منكرة، في المستوى الاجتماعي على الأقل.
إن تصور إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من البشر للتعرف على مثل الإسلام والعيش وفقها عدلا وإحسانا وتقوى وتعاونا على الخير، من دون قيام سلطة إسلامية تذب عن دار الإسلام وتحمي ثغورها وتدافع عن حرية التدين بعيدا عن كل أساليب الإكراه “حتى لا تكون فتنة” (الأنفال) هو محض خيال خادع وانحراف شنيع وسقوط في الإثم والضلال وهو من جهة أخرى استسلام لأعداء الإسلام وإيكاله لمصيره (8).
”
دولة الإسلام هي دولة الناس الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون عبر الشورى المتخصصة والشورى العامة التي تجعل الحاكم مجرد خادم للشعب ووكيل عنه ويعمل تحت رقابته
”
وفي كل الأحوال فإن دولة الإسلام هي دولة الناس الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون عبر الشورى المتخصصة والشورى العامة التي تجعل الحاكم مجرد خادم للشعب ووكيل عنه ويعمل تحت رقابته في إنفاذ حكم الله حكم الشعب، فهي حكومة مدنية من كل وجه طريقها الاختيار الشعبي الحر كما سيأتي، يحكمها قانون يتساوى أمامه كل مواطني الدولة بصرف النظر عن جنسهم واعتقادهم. لا تختلف آليات سيرها عن الديمقراطيات المعاصرة إلا بمرجعيتها الخلقية العلوية مرجعية الشريعة. وما من دولة ديمقراطية أو غير ديمقراطية إلا وتتوفر في أساسها على فلسفات وقيم تمثل الموجهات الكبرى لسياساتها بصرف النظر عن مأتاها أرضيا كان أم سماويا صريحا كان أم متضمنا من مثل مبادئ حقوق الإنسان أو مبادئ القانون الطبيعي.
2- مصدر الشرعية في الدولة الإسلامية
إن الشرعية من أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحديثة تمييزا لها من الدول القديمة. والمقصود بالشرعية خضوع كل تصرفات الدولة لقواعد قانونية يستطيع المواطنون المطالبة باحترامها أمام قضاء مستقل وأن يكون صدور ذلك القانون وفق إجراءات متبعة وأن تمتنع الدولة عن إتيان أي فعل لا ينسجم مع نظامها القانوني السائد وأن تلتزم باحترام القيم الأساسية والأهداف العليا للمجتمع بما يؤدي إلى القبول الطوعي من قبل الشعب بقوانينها وسياساتها وبعدالتها وملاءمة مؤسساتها لحاجيات المجتمع وقيمه (9).
فما الذي يضفي الشرعية على الحاكم في الدولة الإسلامية بما يجعل حكمه مقبولا من طرف شعبه؟.
إن شرعية الحكم في دولة إسلامية تستمد من مصدرين:
الأول: يتعلق بالمرجعية القانونية القيمية العليا التي تستند إليها كل سياسات الدولة في سائر المجالات، وهي هنا ما ينبغي أن تخرج أو تتصادم بحال مع مبادئ الإسلام وقيمه العليا، الأمر الذي يجعل من تلك السياسات والتصرفات عبارة عن تطبيقات مباشرة لنصوص الشريعة أو اجتهادات مستندة إليها ومستمدة منها عبر أصل من أصول الاجتهاد، بما يجعل أي مصادمة لنصوص الشريعة ومقاصدها تمثل طعنا موجعا في شرعية تلك الدولة من حيث انتسابها للإسلام. ونصوص الشرع الآمرة جزما برد جميع الأمور إلى الشرع والاحتكام متواترة وقاطعة. قال تعالى “فاحكم بينهم بما أنزل الله” (المائدة) “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول” (النساء) وهو ما يجعل مخالفة تلك الأصول خروجا عن الملة وتفويتا في الشرعية وتشريعا للتمرد على سلطان الدولة. قال تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” (المائدة). وفي الحديث: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” “وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (رواه مسلم) وهو ما يجعل النص كتابا وسنة السلطة المؤسسة للدولة الإسلامية (10) والحاكم الأعلى وكل ما سواه محكوم به وتابع له، وهو أيضا ما يجعل الدولة الإسلامية دولة قانون ويفرض على كل مسالكها أن تكون منضبطة بالقانون ويفقد أوامرها المخالفة للقانون كل شرعية. بل إن الدولة تفقد شرعية الطاعة بقدر ما تتنكب عن القانون أي الشريعة، وهو ما يسفه كل اتهام للدولة الإسلامية بأنها دولة استبدادية مطلقة، رغم أنها كثيرا ما كانت كذلك لأسباب لا تعود للإسلام بقدر ما هي عائدة إلى أحوال العصر وأحوال المسلمين، وهو ما يفسر استمرار الثورات الدامية في تاريخ الإسلام نقمة على الاستبداد وانجذابا صوب مُثل الإسلام العليا في الحكم خلال حكم النبي وخلفائه الراشدين.
”
الشورى في الإسلام هي الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة
”
الثاني: الشورى، والأمر بالشورى ذاته نص أمر صريح يؤسس لحق الأمة المستخلفة من الله المخاطبة من قبله مباشرة بإقامة شريعته وتهيئة الوسائل الضرورية للوفاء بهذا التكليف الواجب. ومنها إقامة الحكومة الإسلامية، بما يجعل الحاكم المسلم نائبا عن الأمة في إقامة الشريعة وإنفاذها وفق العقد الذي بينه وبين الأمة: ألا يخرج في كل تصرفاته عن الشريعة وألا يستبد بالأمر دونها بل يلتزم عمليا بمشورتها والاستماع لنصحها وتوجيهها، فباعتبارها المصدر الوحيد لسلطته هي التي تقيمه وهي التي لها أن تصرفه من الخدمة متى شاءت، وهو مجرد وكيل عنها في أداء ما هي مخاطبة ومكلفة بأدائه من إنفاذ عدل الله وفق شريعته.
إن الشورى في الإسلام الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة. وهذا الأصل هو أعظم من أن يستدل عليه بنص أو نصين قد يختلف في تأويلهما ومدى إلزاميتهما للحاكم، على اعتبار أنها ليست حكما فرعيا وإنما هي أصل من أصول الدين ومقتضى من مقتضيات الاستخلاف أي أيلولة السلطة الربانية إلى العباد (11). إن الشورى هي العمود الفقري في الحكم الإسلامي باعتبارها رمزا لسلطة الأمة ونهوضها بأمانة الاستخلاف عن الله عز وجل على أساس التعاون على الخير والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والمشاركة الفردية والجماعية في أداء الأمانة في مستوى التشريع والتنفيذ. وهو ما يقتضي توفير الآليات الضرورية الكفيلة بنقل هذا الأصل العظيم من المستوى النظري أو الفردي الذي قد لا يتجاوز مستوى موعظة يلقيها عالم جريء يجابه بها طاغية معرضا نفسه لبطشه وقد يتحمل الطاغية وطأة ألمها للحظات ثم ينتهي الأمر لتمضي الأمور على معتادها، نقله من هذا المستوى الفردي الجزئي إلى مستوى نظام للحكم يستمد كل سلطاته من الشعب فتدار كل شؤونه الجماعية والفردية وفق ترتيبات وآليات تجعل أمور الأمة بيد الأمة وهو مقتضى “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى) “وشاورهم في الأمر” (آل عمران). ولأن الإسلام دين لكل العصور ولكل البشر فقد اكتفى بما من شأنه التطور بتأسيس القواعد العامة كما هو حاصل في مسألة شؤون الحكم حيث اكتفى بالأمر بالشورى والعدل واحترام رأي الجماعة والتشنيع على حكم الانفراد والاستبداد، تاركا لاجتهاد المسلمين وتجارب الزمن استنباط وتطوير الآليات القمينة بترجمة قاعدة الشورى وسلطان الأمة في نظام سياسي يمنع الاستبداد، وهو ما كان إسهام التجربة الغربية في تطويره معتبرا. والأصل أن كل ما من شأنه العون على تحقيق مقاصد الإسلام في العدل والشورى وغيرها هو من الشريعة وإن لم يرد نص بها في كتاب ولا سنة كما هو متواتر على ألسنة علماء الإسلام (12).