مجلس الأمن القومي وصنع السياسة الخارجية الأمريكية
كاتب الموضوع الأصلي: محمد الشهري 4
عين على البيت الأبيض , مجلس الأمن القومي ودوره في صنع السياسة الخارجية الأمريكية :
تقرير واشنطن استحداث قسم جديد يسعى إلى تسليط الضوء على دور ونشاط البيت الأبيض في المشهد السياسي الأمريكي. وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود أسرة التحرير لتقديم صورة أوضح وأكثر عمقا للسياسة الأمريكية التي تتسم بطبيعة نادرة، وتعقيد شديد. ونود أن نكرر الدعوة لقرائنا لتقديم اقتراحاتهم لتطوير وتجديد موضوعات هذا التقرير حتى تتناسب مع تطلعاتهم.
مؤسسة البيت الأبيض :
يعتبر البيت الأبيض المؤسسة الأم للجناح التنفيذي بالحكومة الأمريكية (حيث تتكون الحكومة على حد تعبير الدستور الأمريكي من ثلاثة هيئات). الهيئة التنفيذية بما فيها مؤسسة الرئاسة والوزارات المختلفة، والهيئة التشريعية أو الكونغرس بمجلسي الشيوخ والنواب، إضافة إلي الهيئة القضائية التي يقع على رأسها المحكمة الدستورية العليا The Supreme Court.
ويعتقد الكثير من المراقبين أن البيت الأبيض هو مجرد محل إقامة وعمل الرئيس الأمريكي ومجمع لمكاتب مساعديه، وحرسه وموظفيه. إلا أننا يجب أن نفرق بين البيت الأبيض كمحل إقامة وموقع هام يجذب السائحين ويستحق الزيارة، وبين البيت الأبيض كمؤسسة واسعة النطاق وشديدة التعقيد، يندرج تحتها هرميا أجهزة رئاسية مختلفة تنسق عمل الوزارات والجهات التنفيذية الأخرى سعيا لتسهيل عملية إتخاذ القرار داخل الهيئة التنفيذية للحكومة الأمريكية، كما تشرف على عملية تطبيق السياسات والتشريعات الصادرة عن الكونغرس.
ومن أجل القيام بكل هذه المهام يوجد تحت إشراف مكتب الرئيس الأمريكي عدة لجان ومجالس متخصصة تضم عضوياتها أهم شخصيات صنع القرار مثل رؤساء اللجان الرئاسية والوزراء المختصين. وينضم إليهم مستشارو الرئيس والبيت الأبيض. ونظرا لضخامة المؤسسة التنفيذية التابعة لتوجيه وقيادة الرئيس، تقوم مثل هذه المجالس الخاصة بالبيت الأبيض بمهام تتعلق بمساعدة مكتب الرئيس في اتخاذ القرارات المهمة ومهام التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية. فهناك مثلا مجلس المستشارين الاقتصاديين، ومجلس الجودة البيئية، ومجلس السياسة المحلية، ومجلس الاقتصاد القومي، ومكتب الاتصالات الدولية، مكتب الإدارة ومكتب الميزانية. وهناك أيضا محل تركيز بقية هذا التقرير- مجلس الأمن القومي National Security Council – الذي عادة ما تثير طبيعته العديد من تساؤلات المراقبين الأجانب حيث يلعب هذا المجلس دورا مهما في صنع السياسة الولايات المتحدة الخارجية.
مجلس الأمن القومي :
مجلس الأمن القومي الأمريكي لم يكن له وجود حتى عام 1947، وقد أنشأه قانون الأمن القومي بالاشتراك مع الاستخبارات المركزية الأمريكية ومكتب وزير الدفاع الأمريكي، وينص القانون على تسمية أعضاء مجلس الأمن القومي، وهم: رئيس البلاد، ونائبه، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع. وفي البداية لم يكن هناك مستشار للأمن القومي، وفي عام 1949 تم إنشاء منصب سكرتير تنفيذي للأمن القومي الذي تطور عبر السنوات ليصبح مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي، ويتبعه طاقم عمل أساسي خاص به. ويعتبر مجلس الأمن القومي أحدى الجهات الأساسية لدعم قرارات الرئيس المتعلقة بالسياسة الخارجية وقطاع الدفاع.
وهناك العديد من الهيئات الحكومية المسؤلة عن إدارة علاقة الولايات المتحدة مع العالم الخارجي وتشمل هذه المجموعة وزاراتى الخارجية والدفاع بكل مكتبهما ومؤسساتهما التابعة وأيضا وزارة المالية وأجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي وغيرهم. ونظرا لتعدد التقارير والآراء داخل كل الجهات الحكومية المختلفة، أصبح من المهم وجود منسق مركزي لنشاطات وتقارير المؤسسات المعنية حتى يستطيع الرئيس الأمريكي صنع وقيادة السياسة الأمريكية بشكل عملي وبالسرعة المطلوبة. وظهر هذا الاحتياج عند دخول الولايات المتحدة عالم السياسة العالمية كقوى عظمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع ازدياد عمق المصالح الأمريكية بالخارج شهدت تلك الفترة بداية منافسة حادة بين وزارات السياسة الخارجية مثل وزارتي الدفاع (كانت معروفة بوزارة الحرب قبل نهاية الحرب العالمية الثانية) والخارجية. ومازالت مثل هذه المنافسات حية حتى اليوم.
تاريخ المجلس
مع بداية المجلس ضمت عضويته الرئيس الأمريكي (وهو في نفس الوقت رئيس المجلس) ووزراء الخارجية والدفاع والجيش والأسطول والطيران الحربي. وتغيير عضوية ودور وأسلوب إدارة المجلس عبر العهود الماضية. فمثلا الرئيس هاري ترومان لم يعتمد علي المجلس حتى بداية الحرب الكورية. ولكنه ظل أكثر أعتمادا على وزارة الخارجية في إتخاذ قراراته. ومع ذلك لعب مجلس الأمن القومي دورا بارزا في توجيه السياسة الأمريكية خلال فترة بداية الحرب الباردة. فيعد تقرير مجلس الأمن القومي رقم 68 من أهم الوثائق التاريخية حيث وضع التقرير نهج السياسة الأمريكية تجاه الأتحاد السوفيتي والحركات الشيوعية بإنحاء العالم وكانت هذه البداية الرسمية لسياسة الحد من إنتشار الشيوعية والسيطرة علي نمو نفوذ الاتحاد السوفيتي. وشهدت فترة رئاسة ترومان بداية دور المجلس في توجيه العمليات السرية للأجهزة الأستخبارية. فمثلا تدخل الولايات المتحدة الخفي لمنع فوز الحزب الشيوعي في الانتخابات الإيطالية من خلال المخابرات الأمريكية عام 1948 تم من خلال موافقة مجلس الأمن القومي. ومن هنا لعب مجلس الأمن كذلك دورا بارزا في توجيه مثل هذه العمليات كعملية إنهاء حكم رئيس الوزاراء الإيراني محمد مصدق سنة 1953 ومحاولة الإطاحة بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو عام 1961 ومشروع مساندة المتمردين في نيكاراجوا (المعروفة بفضيحة إيران-كونترا).
وازداد عدد الموظفين العاملين بجهاز المجلس بمرور الوقت. فنجد اليوم للمجلس مكاتب متخصصة بشئون المناطق المختلفة والقضايا المختلفة. كما تغييرت عضوية المجلس حيث يتكون المجلس اليوم من الرئيس الأمريكي، نائب الرئيس، وزراء الدفاع والخارجية والمالية، ومستشار الأمن القومي، ورئيس هيئة قيادة الأركان المشتركة، ورئيس أجهزة الاستخبارات، ورئيس ديوان الرئاسة، ومساعد الرئيس للسياسة الاقتصادية.
مستشار الرئيس للأمن القومي والمنافسات الداخلية
عادة ما يثير وجود هذا المنصب الكثير من التساؤلات حيث يرى العديد من المراقبين أن مستشار الأمن القومي كثيرا ما يتعدى على مهام وزير الخارجية. ولذلك ليس من الغريب أن نجد وفرة من المنافسات بين هذين المنصبين خلال التاريخ. فمن المعروف أن وجود علاقة حميمة بين الرئيس والمستشار عادة ما يتسبب في تقليل دور وزير الخارجية في التأثير على مسار عملية صنع القرار. ويستنتج الكثير من المحللين بواشنطن أن هناك خلافا بين وزير الخارجية في فترة بوش الأولى كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد فيما يتعلق بموضوع العراق. ولعبت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي آنذاك الدور الأكبر في إدارة الساسة الخارجية الأمريكية، وساعدها على ذلك قربها الشديد من الرئيس جورج بوش. وتاريخيا ومن خلال تطور جهاز المجلس القومي ظهر منصب مستشار الأمن القومي الذي تتمثل فيه المهام الأساسية للمجلس مثل تقديم النصيحة للرئيس فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والدفاع مع التنسيق بين الجهات المختصة.
فمثلا في بداية عهد الرئيس نيكسون كان الرئيس الأمريكي يعتمد كل الاعتماد على مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر في تشكيل السياسة الأمريكية بدون أي تدخل من وزير الخارجية وليام روجرز. وأدت هذه الظاهرة إلى استقالة روجرز وتعيين كيسنجر في منصب وزير الخارجية إلي جانب مهامه الأخرى المتعلقة بوظيفة مستشار الأمن القومي. وكانت هناك منافسة شبيهة في وقت رئاسة جيمي كارتر الذي لم يستطع السيطرة على الخلاف بين وزير الخارجية سايروس فانس ومستشار الأمن القومي زيجينيو بريزينسكى. ومرة أخرى أدى هذا الخلاف إلى استقالة فانس الذي اختلف مع بريزينسكي على العديد من القضايا وخصوصا السياسة الأمريكية تجاه إيران مباشرة بعد الثورة التي أطاحت بنظام الشاه. ولم يكن عهد الرئيس ريغان خاليا من الجدل حول جهاز مجلس الأمن القومي حيث تورط كبار موظفيين الجهاز بمن فيهم مستشاري الأمن القومي المتتاليين جون بويندكستار وروبيرت ماكفرلاند وغيرهم في فضيحة إيران كونترا.
وبسبب دور مجلس الشيوخ في المصادقة على المعاهدات لابد للرئيس ومستشار الأمن القومي أن يكونا على علاقات وثيقة مع لجنة العلاقات الخارجية بهذا المجلس، وبسبب سلطة الكونغرس على الخزانة والشئون المالية، فأي رئيس يجب أن ينصحه مستشاروه بإقامة أحسن العلاقات الودية الممكنة مع الشخصيات القيادية في مجلسي الكونغرس.
يشغل حاليا ستيفين هادلي Stephen Hadley منصب مستشار الأمن القومي، وهو من الشخصيات التي لا تحظى بتغطية إعلامية كبيرة على العكس من سابقته كوندليزا رايس.
وعمل من قبل كمساعد لكوندليزا رايس أثناء توليها مهام مجلس الأمن القومي خلال فترة حكم بوش الأولي. كذلك عمل من قبل في مناصب عليا بوزارة الدفاع و في منظمة الناتو. وهو حاصل على شهادة البكالوريوس من جامعة كورنيل بولاية نيويورك، وشهادة الحقوق من جامعة ييل بولاية كانكيتيت. ويساعد هادلي اليوت ابرامزElliot Abrams مسئول عن عملية السلام في الشرق الأوسط والسياسة الأمريكية في الخليج.