مداخلة ألان جوبيه بمناسبة اختتام ندوة "الربيع العربي" معهد ا
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك الضحيان 411
“سيدي الرئيس،
سيدي وزير الدولة،
سيداتي وساداتي السفراء،
سيداتي وساداتي،
أعرب لي العديد منكم عن دهشتهم وهم يروني أقضي يوما كاملا هنا، في معهد العالم العربي، رفقتكم. وتجنبا لأي لبس، دعوني أخبركم أن ذلك لا يعود إلى الفراغ، بل أنا حاضر هنا بمحض إرادتي. ذلك أن أشد ما نفتقده في المهمة التي أضطلع بها هو بطبيعة الحال الوقت، الوقت للإصغاء، الوقت للتفكير، أو بكل بساطة، الوقت للتوقف والتأني. أود أن أشكركم لإعطائي اليوم المناسبة للقيام بذلك طيلة يوم ملفت.
أتقدم أولا، من جديد، بالشكر لكم سيدي الرئيس للترحيب الذي لقيته من قبلكم ومن قبل موظفيكم.
شكرا كذلك لجميع المتدخلين على جودة أفكارهم وعلى الوقت الذي خصصوه لذلك، بل وعلى الحماس الذي ساهموا به في هذا اليوم المكرس لتبادل الآراء حول “الربيع العربي”. أود أيضا الإشارة إلى جرأة وزارة الخارجية الفرنسية، إذ أننا قمنا بالثورة طيلة اليوم. كما لم ننفك نتحدث عن الثورة، وأجرينا ذلك مع ثوار، وذلك ما لم تدرج عليه العادة دائما في مؤسسة وزارة الشؤون الخارجية والأوروبية الوقورة هذه. ودعوني أهنئ موظفينا الذين أعدوا هذا المنتدى وحققوا نجاحا كبيرا.
يجب الاعتراف بأن هذا “الربيع” كان بمثابة مفاجئة لكل واحد منا.
لطالما اعتقدنا أن الأنظمة السلطوية كانت وحدها الكفيلة بصد التطرف في العالم العربي. لطالما تذرعنا بالتهديد الإسلامي لتبرير نوع من المحاباة إزاء حكومات كانت تنتهك الحرية وتعرقل نمو بلدانها.
وفجأة في مدينة سيدي بوزيد، ودون الانتماء لتوجه سياسي أو ديني، يضرم شاب النار في نفسه.
فجأة، تواتر الأقارب الأمر، فاشتعل لهب الحرية ليشب في المنطقة بأسرها. ثم نهض شباب مصر وهاهي ليبيا تثور وإذ بالشعوب العربية تقوم ضد القمع. أصبح المواطنون هم من ينادي بكرامتهم ويصرخ تعبيرا عن توقهم للحرية الفردية، واحترام الفرد والحرية في التعبير عن آرائهم – كل هذه القيم العالمية تتمسك بها فرنسا، ولا يقتصر الأمر على فرنسا، فهذه القيم تتجاوز الحضارات والثقافات والحدود فضلا عن كونها ملكا مشاعا لمنظمة الأمم المتحدة.
فجأة، يجدد العالم العربي الارتباط بتقاليد الانفتاح والتغيير والحداثة التي ميزته طيلة قرون. ربما قد أغفلنا ذلك، نوعا ما.
تجدر الإشارة مثلا إلى التأثير الهائل لخلفاء دمشق وبغداد، فضلا عن القاهرة وقرطبة، أيام كان ابن رشد وابن ميمون وابن حزم يلهمون العالم وأيام نسجت الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث، معا، على الأراضي الأندلسية، نموذجا للتعايش المنسجم والسلمي.
كما أقصد حركة اليقظة المتميزة التي شكلتها النهضة العربية، هذه الحركة الإصلاحية المستنيرة التي تغذت من منابع الثقافة العربية مستندة إلى عصر التنوير، وكانت وراء نشوء نخبة مثقفة تنزع إلى الحداثة في بلدان الضفة الجنوبية. فمن تونس إلى دمشق، مرورا بالقاهرة وبيروت، اضطلع التونسي والطهطاوي والأفغاني والبستاني، وخليل جبران لاحقا، بدور ناقلي المعارف. فقد فتحوا العالم العربي، عبر قراءاتهم وأسفارهم وكتاباتهم، أمام إشكاليات التربية ومكانة المرأة في المجتمع وتنظيم الدولة.
ولن أنسى، ختاما، أنه منذ منعطف القرنين التاسع عشر والعشرين إلى الحرب العالمية الثانية، عرف العالم العربي، أو على الأقل العديد من نخبه، عصره التحرري، بفضل حركات تستند إلى الدستورية، وإرهاصات ديمقراطيات برلمانية وتعددية سياسية، لاسيما في مصر وسوريا والعراق وتونس. هذا “الربيع العربي” ما كان لأي مركز أبحاث أو بعثة دبلوماسية أو خبير التنبؤ بحجمه أو زمن وقوعه، رغم وجود إشارات منذرة – كأنه حكم على هذه المنطقة من العالم بالعيش في بيئات تكتم أنفاسها، دون الحصول على الحق في الحرية والحداثة.
غير أنه، منذ مدة طويلة، أظهر المشاركون في دائرتنا المستديرة الأولى بوضوح وجود شرارات حركة التجديد هذه، المستحيل كبحها، في كافة بلدان الضفة الجنوبية.
ظهرت الشرارات ضد مضايقات الشرطة وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد.
ظهرت الشرارات بفعل الفقر والبطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بعد أن فقد الحاضر معناه وبات المستقبل مغلقا.
ظهرت الشرارات على الموجات والشبكة العنكبوتية، وغذتها وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، بينما عززها شباب ديناميكي لم يفتأ تعليمه يتحسن، شباب يتوق إلى الانفتاح على العالم.
ظهرت الشرارات في الأوساط المثقفة والفنية. أقصد مثلا عبد الرحمن الشرقاوي، الذي تحكي روايته “الأرض”، التي حولها المخرج يوسف شاهين إلى فيلم سينمائي، ثورة فلاحين في قرية بدلتا النيل. أقصد كذلك صنع الله إبراهيم، الذي تتناول جميع مؤلفاته النظام المصري بسخرية. كما أقصد نجيب محفوظ، الفائز بجائزة نوبل، والكتاب الطيب صالح وإميل حبيبي وكاتب ياسين، وجميع العلماء والشعراء والموسيقيين والمخرجين الذين اضطلعوا بدور بارز في الكفاح من أجل الحرية والتسامح والعدالة.
يجب أن لا يخيفنا هذا “الربيع العربي”. وإن تحدثت منذ قليل عن الحماس والانشغال، فقد كان ذلك سعيا مني فقط للحديث عن معاينة صرفة وليس للتعبير عن قناعة شخصية.
إنه نتاج شجاعة خارقة للعادة. أنسينا ثمن الحرية والديمقراطية، نحن الذين قاتلنا قبل 70 سنة للدفاع عن هذه القيم؟ أنسينا ما يكلفه الأمر من دم وأرواح حين نتصدى للوحشية، حين نتحدى طاغية، كما هو حال الليبيين اليوم؟
إن “الربيع العربي” هذا نتاج المسؤولية. ولعل سلوك الشباب المصري في ميدان التحرير خير دليل على ذلك. التقيت بهم الشهر الماضي، عند زيارتي للقاهرة. أصغيت إليهم وهم يحدثونني عن مشاريعهم، عن آمالهم، عن مخاوفهم. أعجبت بهدوئهم، وأعجبت أيضا برفضهم التخلي عن نصرهم، الذي يشكل نصرا لشعبهم لا لحزب أو دين. تأثرت بحماسهم، بحلمهم بدولة مصرية ديمقراطية يسودها الوئام وبوسعها توفير وظائف لشبابها. فقلت لنفسي: “ماذا لو نجحت الشعوب العربية؟”. يسعدني اليوم أن أحيي أولئك منهم الموجودين في القاعة. فبفضل حزمهم ونضجهم السياسي، قدموا للعالم درسا في الإصغاء والانفتاح والحوار.
أجل، هذا “الربيع العربي” بمثابة أمل عظيم بالنسبة لنا جميعا. لكنه أيضا تحد هائل – أظن أن مائدتنا المستديرة الثانية قد أظهرت ذلك بوضوح.
تحد سياسي، أولا. علينا تعبئة جهودنا جميعا لضمان نجاح التحول الديمقراطي.
إن العالم العربي بطبيعة الحال هو من يهمه الأمر بالدرجة الأولى. وقد أصبح فاعلون سياسيون جدد، حازمون ومتطلبون، يظهرون في جميع بلدان الضفة الجنوبية. وأصبحت تتحتم إعادة تعريف العلاقات الاجتماعية – بل العقد الاجتماعي- في جميع بلدان الضفة الجنوبية. فقد باتت جميع الحكومات تدرك أن عليها السماح لمواطنيها بإسماع أصواتهم. أصبحت تدرك أن قمع الآمال المشروعة للشعب والإفلات من العقاب بات أمرا غير ممكن.
غير أن كل وضعية تبقى متميزة. ويتعين على كل شعب، بفضل تاريخه ومميزاته، تقرير مصيره وإنشاء نموذجه الخاص.
أصبحت بعض البلدان ملزمة اليوم بإدارة ما بعد الثورة –أعني تونس ومصر. هذا الطريق نحو الحرية طريق وعر يتطلب التوفيق بين إرادة الجميع واحترام كل فرد، وبين التعطش المشروع للديمقراطية والتعلم المتأني واللازم لتطبيقها، لثقافتها. إذ أن “الحصول على الحرية لا يعني مجرد التخلص من أغلاله. بل يعني العيش بطريقة تحترم حرية الآخر وتعززها” (نيلسون مانديلا، مسيرة طويلة نحو طريق الحرية). وليست دولة القانون دولة تحترم حقوق المواطنين فحسب. فهي أيضا دولة تقوم على هرم من المعايير يجب أن يحترمها الجميع. لذلك أكدنا على دعمنا للتحول في مصر وعلى دعم الإتحاد الأوروبي لتونس قصد انتخاب جمعية تأسيسية في 24 يوليو/تموز المقبل.
في بعض البلدان، التي استغلت هذا الدفع نحو الحرية، اتخذت السلطات مبادرات بالتزامها الحازم بعملية انفتاح، حرصا منها على تلبية طلبات شعوبها المشروعة. أقصد المغرب، حيث ألقى الملك خطابا شجاعا، ممهدا الطريق لإصلاحات مؤسسية مهمة.
أما آخرون فقد اختاروا قمعا وحشيا. ذلك هو الحال في ليبيا التي عبأ فيها المجتمع الدولي جهوده لحماية المدنيين. ودون الخوض هنا في نقاش حول جدوى التدخل في ليبيا، سأقول لكم فقط أنني أتذكر حين ألقيت خطابي أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث وجهت هذا النداء “المسألة مسألة أيام، بل ساعات”. كنا ندرك جيدا أن طوابير القذافي تزحف على بنغازي وكنا نعرف ما كان سيفعله في المدينة، فقد أعلن عن ذلك، أي تقتيل خصومه. اليوم، لا يختلف اثنان في أن القذافي بعد قصفه لشعبه بالمدافع قد فقد كل مشروعية ويجب عليه التنحي.
آخرون، ختاما، يترددون، كما هو الشأن في اليمن أو في سوريا، حيث تعد الوضعية مصدر انشغال عميق. على هاذين البلدين أن يدركا أنه ليست ثمة حلول أخرى سوى حوار مفتوح من شأنه الاستجابة بوضوح لتطلعات المواطنين، الذين يجب ضمان تعبيرهم عن آرائهم بكل حرية.
ويجب علينا، من جانبنا، مراعاة جميع التحديات الناجمة عن هذا “الربيع العربي”.
يتجلى الأول في ضمان احترام الحقوق الأساسية للإنسان. فعلا، سبق في الماضي، أحيانا، وأن ترددنا في التصدي لبعض الانتهاكات، وكان الخوف من تهديد التطرف من بين العوامل التي منعتنا من ذلك. أريد أن أكون واضحا: كما هو الشأن بالنسبة لليبيا، سنواصل التصرف بحزم كبير إزاء جميع الانتهاكات الثابتة، وحسب خطورة الوضعية، سنستخدم جميع الوسائل في حوزتنا لإنهائها. فلدينا، فعلا، مجموعة من الوسائل، لاسيما العقوبات، في الحالات القصوى، وبإذن من مجلس الأمن.
لذلك سأتطرق إلى مسألة أود أن أعبر عنها بدون لبس. الهدف وراء سياستنا ليس السعي إلى تغيير الأنظمة. كما لا ننوي البت في طبيعة وتوزيع الاختصاصات الداخلية في بلدان مستقلة. نحن نبدي آرائنا وندين ونتدخل وفق القانون الدولي وحده، و، لاسيما، بعد تنفيذ المبدأ الجديد، الذي اعتمد خلال 2005 من قبل منظمة الأمم المتحدة، وأدرج لأول مرة في قرار لمجلس الأمن، أقصد مبدأ مسؤولية الحماية، وفيما يلي تذكير بفحواه: بموجب هذا المبدأ، الذي اعتمدته الأمم المتحدة بالإجماع، تقع على عاتق الحكومات مسؤولية حماية شعوبها ضد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. إن لم تقم بذلك، يجوز للمجتمع الدولي الاضطلاع بهذه المسؤولية. لذلك فإن ما نقوم به في ليبيا يلتزم بصرامة بالإطار الذي حددته قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مما لا يمنعنا بطبيعة الحال من الدعوة إلى رحيل القذافي، لأننا نعتبر أن بقائه في الحكم يبدو غير متوافق مع حماية المواطنين الليبيين.
التحدي الثاني يتمثل في مواكبة بلدان الضفة الجنوبية في تحولها الديمقراطي. ولا يعني ذلك تقديم وصفاتنا، فنحن لسنا كاملين، أنما يتعلق الأمر باقتراح مساعدتنا في روح تعمها الثقة والصداقة والإصغاء. يمكن مثلا أن نتبادل معها تجربتنا وخبرتنا في مجال القانون الدستوري أو الأنظمة السياسية أو الحريات العامة أو حرية الصحافة.
أما التحدي الثالث فيتجلى في تغيير نظرتنا عن العالم العربي. فقد كنا، نحن الفرنسيين، نعتقد أننا على إلمام جيد بهذه المجتمعات، التي تربطنا بها علاقات عريقة ووثيقة. لكن “الربيع العربي” فاجئنا وأظهر جهلنا لجوانب كاملة من العالم العربي. اليوم، نحتاج إلى رؤية المقاولين والقائمين عن الجمعيات. نحتاج إلى رؤية الفنانين والطلبة. نحتاج إلى رؤية المدونين وأولئك الذين يقولون “لا” والجهات الفاعلة الناشئة.
ذلك هو مغزى هذه الندوة التي وددت أن أعقدها لتشكل مناسبة لنا لتبادل آرائنا وتحاليلنا وأفكارنا.
تلك أيضا هي المهمة التي عقدت العزم على تنفيذها: منذ تعييني، زرت مصر للقاء الجهات الفاعلة في “يوم 25 يناير”. وسأتوجه عما قريبا إلى تونس، مهد هذا “الربيع العربي”، والتي ستشكل في المستقبل نقطة انطلاق رئيسية للديمقراطية على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
ذلك أيضا هو فحوى الرسالة التي وجهتها لسفرائنا في البلدان العربية الذين عقدت اجتماعا معهم في باريس أمس، طالبا منهم توسيع نطاق الجهات التي يتعاملون معها لتشمل جميع الفاعلين في المجتمع المدني. فلطالما كانت اتصالاتنا، عن وعي أو بدون وعي، تقتصر كثيرا على الأشخاص المتقلدين للمناصب، لو صح التعبير. علينا، في نظري، الحديث وتبادل آرائنا مع جميع الجهات التي تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية وبطبيعة الحال المبدأ الأساسي المتمثل في رفض جميع أشكال العنف. وآمل أن يقام هذا الحوار بدون عقد مع التيارات الإسلامية مادام الجميع يحترم المبادئ الذي ذكرتها، أي قواعد اللعبة الديمقراطية ورفض جميع أشكال العنف.
السيد بن سالم قال لنا منذ قليل أن الإسلاميين سيفاجئوننا. فاجئونا، إذا! أنا لا أطلب أفضل من ذلك. وسنفاجئكم بدورنا، فنحن ليست لنا إطلاقا عقلية تسعى إلى وصم العالم الإسلامي أو الدين الإسلامي، بل على العكس من ذلك، نحن نسعى إلى الحوار معه. بل أنني سأقدم لكم اقتراحا: لنتحدث معا عن ماهية العلمانية، لكم، لنا، فقد نتوصل إلى أرضية مشتركة. وتتوفر لدى فرنسا آلية دبلوماسية متميزة لتحقيق ذلك، وأود تحية سفرائنا في منطقة شمال إفريقيا – الشرق الأوسط الذين اجتمعوا في باريس أمس، كما ذكرت، والذين حضروا هذه الندوة بمواظبة كبيرة. علينا ببساطة إعادة توجيه وسائلنا في هذا الاتجاه، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. ينبغي لنا اليوم أن نعيد النظر في سياستنا برمتها تجاه العالم العربي.
ختاما، التحدي الأخير: بذل قصارى جهدنا لإيجاد حل لأبرز الصراعات المستمرة في المنطقة.
أقصد بطبيعة الحال، أولا وقبل كل شيء، الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. لا تقل تطلعات الشعب الفلسطيني مشروعية عن تطلعات الشعوب الأخرى للضفة الجنوبية. أما إسرائيل، فلها الحق في العيش في أمن وسلام. لذلك، يجب، خلال الأشهر المقبلة، أن تخرج فكرة دولة فلسطينية ديمقراطية مستدامة ومتصلة تعيش في أمن وسلام بجانب دولة إسرائيل، من مجال الأحلام لتتحول إلى واقع. نحن ندرك جميعا المعالم الكبرى للحل: يجب الآن تنفيذها. ولن تذخر فرنسا جهدا في سبيل تحقيق ذلك.
أقصد أيضا الوضعية في لبنان. نحن في حاجة للبنان ذو سيادة يتحكم في مصيره ويصير، في المنطقة، قدوة يحتدى بها بفضل فعالية مؤسساته الديمقراطية والتعايش السلمي بين الطوائف.
اقصد ختاما المسألة الإيرانية. موقفنا في هذا السياق واضح: يجب على السلطات الإيرانية أن تضمن لشعبها احترام حقوق الإنسان، وتسوية المسألة النووية، طبقا لطلب المجتمع الدولي، والعمل على تطوير تأثير إيجابي في المنطقة برمتها.
والتحدي الثاني الذي نواجهه معا، ولعله أكثرها صعوبة واستعجالا، اقتصادي واجتماعي.
دعونا نتحدث بصراحة: في غضون ستة أشهر، في غضون عام، إن لم نستجب لتطلعات الشعوب، في غضون ستة أشهر، في غضون عام، إن استمر الشباب في العيش دون آفاق مستقبلية وزاد فقر الشعوب سوءا مما هو عليه اليوم، فسينزعون لا محالة إلى التطرف. ولن يكون هناك سبيل للحيلولة دون انضمامهم إلى المتشددين من مختلف الاتجاهات.
نتحمل إذا جميعا مسؤولية توحيد جهودنا من أجل إبراز منطقة استقرار ورخاء في هذا الجزء من العالم. من الواجب علينا ومن مصلحتنا جميعا الزيادة في إثراء “ذاكرة الضفتين” المتمخضة عن مصيرنا المشترك، وإتاحة هذا “اللقاء الأساسي بين الشرق والغرب” والذي نادى به المستشرق الفرنسي الكبير جاك برك (“من حيث أتيت”).
بالطبع، ندرك ضخامة المهمة في وقت تعرف فيه الميزانيات صعوبات أكثر من أي وقت مضى.
لكن فرنسا وقفت دائما بجانب شركائها في الضفة الجنوبية. وقصد مرافقتهم في هذه الفترة المهمة، قررنا زيادة جهدنا عن طريق منحهم 20 بالمائة من المساعدة الإنمائية الرسمية للسنوات المقبلة، لتحقيق ثلاثة أهداف تكميلية: دعم نمو يوفر فرص الشغل ومواكبة التغييرات الاجتماعية والحفاظ على البحر الأبيض المتوسط. ويجب، بطبيعة الحال، أن يراعي هذا الدعم أهدافا تفرض نفسها علينا، مثل سياستنا في مجال الهجرة. لقد سمعت الرسائل التي وجهت منذ قليل، ولو سمحتم، أنا لست متفقا مع رأي أولئك الذين يرون بأن فرنسا بلد مغلق. فحين نستقبل سنويا 000 200 مهاجر شرعي فذلك لا يعني بالضبط أننا مغلقين. ولكن يتعين ببساطة على بعضنا البعض مراعاة القيود المفروضة على كل منا.
فضلا عن ذلك، لا نذخر جهدا في تمكين جنوب البحر الأبيض المتوسط من الحفاظ على مكانة متميزة في إطار سياسة الجوار الأوروبية. وقد نجحنا في الدفع بالاستمرار في استفادته من ثلثي الغلاف المعد لهذه السياسة، على الأقل. وباعتبار ضخامة الاحتياجات، نجحنا أيضا في جعل منح المساعدات يقوم على منطق أكثر تحفيزا وعلى شروط منح ذكية لا تشترط من أجل التدخل التحقيق الفوري لجميع المعايير الديمقراطية الأوروبية، وإنما تراعي المسار المتخذ والرغبة في تحقيق الهدف وتشجع إرادة الإصلاح وتجزي البلدان التي لا تحترم تعهداتها في ميدان الحوكمة أو حقوق الإنسان. نأمل الآن أن تشكل سياسة الجوار المذكورة أداة أساسية في إطار شراكتنا مع الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
أنتم تدركون أن المبادرة المتبصرة التي أطلقها رئيس الجمهورية خلال 2008، قد تأثرت بتعثر عملية السلام في الشرق الأوسط، وهاهي اليوم تواجه الثورات في الضفة الجنوبية. ورغم ذلك، نرى أن هذه المبادرة تظل ضرورية أكثر من أي وقت مضى. وقد قررنا إرساء أسس جديدة لها قصد جعلها شراكة متوازنة تقوم على مشاريع ملموسة.
ووفقا لهذا التوجه، سنعزز أمانة الاتحاد من أجل المتوسط، لاسيما عن طريق تعيين أمين عام جديد قريبا.
ذلك أيضا هو السبب وراء اتخاذنا مبادرات جديدة، مثل المكتب المتوسطي للشباب، بغض النظر عن المشاريع التي سبق إطلاقها مثل الخطة المتوسطية للطاقة الشمسية أو طرق البحر السريعة. آمل بالفعل أن يشكل تكثيف التبادل بين الشباب إحدى أولويات الاتحاد من أجل المتوسط. فالإنجازات الملموسة هي التي سوف تمكننا من إنشاء أوجه تضامن في الواقع بين الضفتين. ودعوني أوجه لكم نداءا: أدرك أنني كلما تحدثت عن الاتحاد من أجل المتوسط أثير ردود فعل يطغى عليها الشك، شمالا وجنوبا، يقال لنا: “لم ينجح ذلك، لن ينجح أبدا.” بطبيعة الحال إن جزمنا أن لا مبرر للنجاح، فلن نفلح أبدا في ذلك. أظن أن ذلك ضروري، أظن أننا إن لم ننجح فعلا في تقليص فجوات التنمية بين شمال وجنوب ضفتي بحرنا المشترك، لن تجدي خطاباتنا الجميلة نفعا، سواء على المستوى السياسي أو في مجال التحكم في تدفق المهاجرين. والهدف بطبيعة الحال هو تمكين الرجال والنساء في الجنوب، إن اختاروا ذلك، من البقاء في بلدانهم والعمل فيها مع التمتع بالحريات الأساسية ونوعية حياة جيدة. تلك أيضا هي النية وراء كل ما نقوم به في إطار سياسة الجوار أو عن طريق الاتحاد من أجل المتوسط، فرجاء، قدموا لنا يد العون، يا معشر بلدان الجنوب عن طريق وضع الثقة في هذه العمليات ومرافقتنا في جهود الإنعاش هذه.
“سيدي الرئيس،
سيدي وزير الدولة،
سيداتي وساداتي السفراء،
سيداتي وساداتي،
“إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر”
في خضم هذا “الربيع العربي” الذي خصصنا له هذا اليوم، يلقى هذان البيتان للشاعر التونسي الكبير، أبو القاسم الشابي، صدى خاصا.
من ضفة لأخرى، لنوحد جهودنا حتى نأخذ موعدا مع التاريخ ونستجيب لتطلعات شعوبنا. لنضطلع بدورنا على أفضل وجه، متمسكين بقيمنا المشتركة، قيم الحرية والسخاء واحترام حقوق الإنسان والمرأة، لينشأ مع العالم العربي فضاء للسلام والاستقرار والتبادل في البحر الأبيض المتوسط. أما أنا، فيسعدني أن أقول لكم أن ثقة وأملا كبيرين يحدواني.
شكرا لكم.”