أ.د. أحمد محمد وهبان

مستقبل العلاقات الباكستانيه الامريكية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف محمد الغفيلي

لم تشهد علاقة بين بلدين هذا الكم من الغموض والالتباس كما تشهده العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة، ففي الوقت الذي تعتبر فيه الإدارة الأمريكية النظام الباكستاني حليفها الرئيس من خارج حلف الناتو، تتردد الأحاديث داخل الولايات المتحدة حول توجيه ضربات عسكرية خاطفة لباكستان، بل تشير بعض التقارير عن خطط وضعت لغزو باكستان، زاد من حالة الغموض وضبابية الرؤية التطورات الدراماتيكية الأخيرة التي شهدتها باكستان والتي انتهت باغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية “بينظير بوتو” التي وصفت بأنها ورقة واشنطن العائدة من المنفى للسيطرة على مجريات اللعبة السياسية في باكستان.. وفي ظل هذه الأجواء تتعدد التكهنات حول مستقبل العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد والتي سيكون لها بطبيعة الحال تأثير جوهري على مستقبل هذا البلد الذي يبدو وكأنه جاثم على برميل من البارود من الممكن أن ينفجر في أية لحظة.
لكن قبل الحديث عن مستقبل العلاقات بين البلدين عقب اغتيال بوتو، لابد في البداية من إدراك الأدوار التي مرت بها هذه العلاقات.
وعند الحديث عن هذه الأدوار ينبغي أن نميز بين مرحلتين رئيستين، ما قبل أحداث 11سبتمبر ، وما بعدها.
العلاقات الباكستانية الأمريكية قبل أحداث 11سبتمبر:
بدأت العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة مبكرة جدًا في أعقاب استقلال باكستان عن الهند في أربعينات القرن الماضي ، وتوثقت العلاقة بين البلدين بعد انضمام باكستان إلى حلف بغداد عام 1953م، هو تحالف ضم الدول المعادية للاتحاد السوفيتي يومها واقتضى منها هذا الانضمام الدفاع عن المصالح الأمريكية في منطقة جنوب آسيا والعمل على إنجاح المشروع الأمريكي في هذه البقعة من العالم، ونتيجة لانضمام باكستان إلى هذا الحلف فقد غامرت باستقرارها وأمنها وضياع حتى كشمير منها إذ إن تأييدها وانضمامها إلى هذا التحالف العسكري دفع بالهند إلى إلغاء تعهداتها والتزامها بإجراء استفتاء في كشمير ودفع بالهند إلى الانضمام إلى حلف المعسكر الشرقي، بعدها دخلت باكستان في حرب مع الهند بإشارة من الإدارة الأمريكية التي أكدت أنها سوف تقف بجانبها في نزاعها مع الهند حول كشمير ولا تقصر في حمايتها، لكن إسلام آباد فوجئت بأن الوعود التي أعطتها لها أمريكا كانت عارية من الصحة ولم تتلق باكستان الأسلحة التي طلبتها في حربها وخرجت من الحرب من دون أن تحقق أهدافها، حدث نفس الأمر مع باكستان عندما دخلت حربها الثانية مع الهند عام 1971م حيث وقفت أمريكا موقفا سلبيًا من حليفتها باكستان، فعلى الرغم من المعاهدة الأمنية بين أمريكا وباكستان للدفاع عنها في حالة تعرضها لعدوان من المعسكر الشرقي، فوجئت باكستان بإهمال أمريكي لها وعدم تزويدها بالأسلحة المطلوبة طيلة أيام الحرب مما نتج عنه هزيمة مروعة للجيش الباكستاني وفقدان مناطق من إقليم كشمير المتنازع عليها، وتعللت واشنطن بأن موقفها السلبي يعود إلى علاقة باكستان بالصين.
لكن مع اجتياح الاتحاد السوفيتي لأفغانستان زاد الاعتماد الأمريكي على باكستان في تفكيك القطب المنافس لأمريكا وحلفائها، من جانبها ووفرت باكستان الأرض والقواعد الخلفية لتفكيك الاتحاد السوفياتي ودعمت المنظمات الجهادية الأفغانية واستمر التعاون الأمريكي الباكستاني لتسع سنوات، ونتيجة لحاجة أمريكا لباكستان فقد غضت طرفها عن تطوير باكستان لبرنامجها النووي، حتى تحقق الهدف الأمريكي في تقهقر القوات السوفياتية ثم تفككها فيما بعد، وكوفئت باكستان بنهاية مأساوية لرئيسها العسكري الجنرال “ضياء الحق” بتفجير طائرته في ظروف غامضة لكن العديد من الدلائل تشير لتورط واشنطن في هذا التفجير.
وخلال حرب الخليج الثانية أيدت الحكومة الباكستانية السياسة الأمريكية في ضرب العراق وتحرير الكويت وذلك تحقيقًا لأهداف التعاون المتفق عليه بين البلدين، لكن العلاقات بين البلدين ما لبثت أن شابها حالة من الفتور.
وأرجع البعض حالة الفتور هذه لعدد من العوامل أبرزها:
1-علاقة باكستان بحركة طالبان.
2- الضغوط الأمريكية على باكستان بسبب برنامجها النووي.
3- توطيد واشنطن لعلاقتها مع الهند بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وظهر التحول الأمريكي نحو الهند خلال زيارة الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون ” إلى الهند حيث اتسمت بحفاوة زائدة بينما اتسمت زيارته لباكستان بالبرود.
4- استمرار العلاقات الباكستانية وحليفها الاستراتيجي الصين رغم الاعتراضات الأمريكية على هذه العلاقة، وتعتقد الولايات المتحدة أن باكستان لم يكن بإمكانها أن تتحول إلى دولة نووية لولا الدعم الصيني لا محدود لها خلال العقود الماضية، وتصر على أن التعاون بين الصين وباكستان هو تعاون نووي باليستي وأن التكنولوجيا النووية قد نقلت من الصين إلى باكستان.
العلاقات الباكستانية الأمريكية بعد أحداث 11سبتمبر:
غير أن حالة الفتور هذه لم تستمر طويلاً بين البلدين إذ سرعان ما وقعت أحداث 11سبتمبر لتلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين، وتصبح باكستان أهم شريك لأمريكا في حربها على “الإرهاب”، وبالفعل تخلت باكستان عن حلفها الاستراتيجي مع حركة طالبان ولعبت دورها المطلوب ووفرت لقوات التحالف المطارات والقواعد العسكرية وأغلقت منافذها مع أفغانستان وأعطت معلومات استخباراتية هامة للقوات الأمريكية ساعدت على ملاحقة قوات طالبان والقبض على بعض قادتهم، وأعلن عدد من الساسة الأمريكيين في أكثر من مناسبة أن احتلالهم أفغانستان كان بفضل التعاون الباكستاني معها وأن واشنطن لن تتغلب على بقايا “الإرهاب” إلا باستمرار هذا التعاون”، تلك التحولات على أهميتها لم تعن غياب مصادر التوتر بين باكستان والولايات طوال السنوات الخمس الأخيرة، كما لم يكن هذا التحول كاملاً إلى الحد الذي يرقى إلى الطموح الباكستانى، وكشفت جولة الرئيس بوش للهند والباكستان خلال الأسبوع الأول من مارس 2006، عن تمييز شديد من جانب أمريكا بين تحالفها مع الهند من ناحية، وباكستان من ناحية أخرى، لصالح الأولى.
ويمكن إرجاع عوامل التوتر إلى عدد من الأسباب
1-دخول مرحلة العلاقات الهندية الأمريكية طور التعاون في مجالات الطاقة والنووية، فخلال زيارة بوش للهند وقع على اتفاقية للتعاون النووي رغم عدم توقيع الهند حتى الآن اتفاقية حظر الانتشار النووى، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد أعلن البنتاجون تزويد الهند بطائرات إف ‏16‏ وإف ‏18,‏ وأنه سيتم دراسة تزويدها بالتكنولوجيات العسكرية الجديدة في كل مرة يتم فيها تطوير قدرات القوات المسلحة الأمريكية، الأمر الذي يعني تحول ميزان القوى لصالح الهند في شبه القارة الهندية.
2-الضغوط الأمريكية على باكستان بشأن وقف مساعدتها لحركات المقاومة الكشميرية بل الدخول مع الهند في مفاوضات لإنهاء القضية الكشميرية بما يخدم المصالح الهندية.
3- الاتهامات الأمريكية المستمرة لنظام مشرف بعدم جديته في ملاحقة الإسلاميين في الداخل والتغاضي عن نشاط طالبان في منطقة القبائل، ما دفع مشرف إلى خوض حرب داخلية مع الحركات الإسلامية صاحبة النفوذ في البلاد الأمر الذي يهدد بانفجار الأوضاع وعدم القدرة في السيطرة عليها.
4- إحراج النظام الباكستاني بسبب قيام قوات التحالف الموجودة في أفغانستان بعمليات داخل الأراضي الباكستانية ضد أهداف تقول أنها تابعة للقاعدة وطالبان.
5- استغلال أزمة العالم النووي الباكستاني “عبد القدير خان”، للضغط على باكستان لتحجيم أنشطتها النووية.
ونتيجة لهذه العوامل فقد مارست الإدارة الأمريكية ضغوطًا غير مسبوقة، ولم يقتصر الأمر على الضغوط فقط بل تجاوز ذلك للتهديد من خلال تصريحات بعض الساسة بضرب أهداف باكستانية على رأسها مفاعلها النووي.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الباكستاني “برفيز مشرف” غير رافض للإملاءات الأمريكية، لكن قوى داخل الجيش والاستخبارات الباكستانية ترى في حالة الرضوخ الدائم لواشنطن ضياع لمصالح باكستان الاستراتيجية ومن ثم تعمل على مدافعة هذه الضغوط تارة والاحتيال عليه تارة أخرى، وبدا الرئيس الباكستاني في حالة من العجز بين الضغوط الخارجية والممانعة الداخلية مما قد ينذر بانفجار الأوضاع داخل باكستان، وإزاء ذلك سعت الولايات المتحدة للبحث عن بديل لمشرف أو شريك في أحسن الأحوال له أنصار داخل باكستان يعتمد عليهم في مواجهة قوى الممانعة الداخلية ويكون أكثر طواعية للإدارة الأمريكية ومن ثم كانت عودة رئيسة الوزراء الباكستانية “ينظير بوتو”، غير أن حادث اغتيال بوتو جاء ليقلب الأوضاع من جديد.
سيناريوهات المستقبل:
من خلال هذا العرض سواء قبل أحداث 11 سبتمبر أو بعدها نلمح معلمًا أساسيًا ميز العلاقات الأمريكية الباكستانية وهو أن العلاقات بينهما مربوطة إلى حد كبير بالتطورات الظرفية والزمنية والمصالحية وليست مربوطة بعلاقات استراتيجية وهذا ما جعل أمريكا تقترب إلى إسلام آباد كلما شعرت بمصالحها في التعاون مع باكستان، وابتعدت عنها كلما لم تعد لها حاجة لديها، بينما ظلت باكستان هي الطرف الضعيف الخاضع في هذه العلاقة الذي يسارع لتحقيق مصالح الطرف الأقوى حتى ولو كان ذلك على حساب مصالحها القومية، على العكس من ذلك فإن العلاقات الهندية الأمريكية تعد إستراتيجية متوازنة.
وانطلاقاً من هذا الملمح الرئيس فإن علاقة البلدين المستقبلية مرهونة بعدد من المحددات المهمة:
1- التيار الإسلامي داخل باكستان: فعلى الرغم من الخطوات التي اتخذها مشرف لتقويض هذا التيار، من خلال حظر عدد من التنظيمات الإسلامية والقبض على قياداتها، وفرض المزيد من الرقابة على المدارس الدينية التي تمثل أحد مصادر تفريخ هذا التيار، إلا أنه ما تزال لهذا التيار نفوذه وتغلغله الواسع داخل باكستان وبالتالي فإن الدور الأمريكي المستقبلي داخل باكستان لن يتوقف لتخوفها الشديد من أن يصل التيار الإسلامي إلى الحكم في باكستان وبالتالي وصول القنبلة النووية الباكستانية لأيدي الإسلاميين، وهو الأمر الذي تخشاه أمريكا جدًا، لأنه في هذه الحالة ستكون مصالح الولايات المتحدة في الداخل والخارج معرضة للخطر النووي، ووقتها لن تستطيع أمريكا ولا معاونيها الوقوف في وجه التيارات الإسلامية أو أية تنظيمات جهادية في العالم.
2- مسار الحرب الأفغانية وتطورها: إذا إن المقاومة الأفغانية تحرز كل يوم تقدم وتكسب أرض جديدة ، وتتهم أمريكا باكستان بأنها أتاحت الفرصة لعناصر القاعدة وطالبان بإعادة تنظيم نفسها من خلال إبرام صفقة هدنة مع “شورى طالبان” في وزيرستان وتؤكد تقارير المخابرات الأمريكية أن القاعدة ما زالت تشكل خطرًا على الولايات المتحدة الأمريكية وأنها اليوم في وضع أفضل من أي وقت مضى يمكنها من القيام بهجمات جديدة داخل الولايات المتحدة وطالما ظلت أمريكا في أفغانستان ستظل في حاجة إلى دعم جارتها باكستان وبالتالي توطيد تحالفها معها.
3- التحولات الاستراتيجية في منطقة جنوبي آسيا: خاصة فيما يتعلق بالصراع الهندي- الباكستاني، والتحالف الهندي- الأمريكي، فتطور العلاقات الاستراتيجية الأمريكية مع الهند، وتطور العلاقات الاستراتيجية للأخيرة مع إسرائيل، سيؤدي بالضرورة إلى التهميش الباكستاني، و خروج باكستان من دائرة التحالفات الاستراتيجية الأمريكي.
هذه المحددات الثلاثة ستتحكم إلى حد بعيد في طبيعة ومسار العلاقات المستقبلية بين البلدين.
وهناك سيناريوهات متعددة أمام الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها في باكستان:
السيناريو الأول:
خلق حالة من عدم الاستقرار داخل باكستان من خلال العمل على تصعيد الاضطرابات الداخلية ، يمكن من خلال ذلك أن تتدخل واشنطن بصورة مباشرة بدعوى الحفاظ على السلاح النووي الباكستاني ومن ثم تقوم بتفكيكه، غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطر عدم قدرة الولايات المتحدة في السيطرة على الأوضاع ومن ثم تجد الجماعات الإسلامية المسلحة بيئة مناسبة تنشط من خلالها ضد أمريكا، أقرب مثال لفشل هذا السيناريو العراق، هذا بجانب أن الولايات المتحدة حتى الآن لم تتمكن من السيطرة على أفغانستان والعراق فكيف يمكنها أن تفتح على نفسها جبهة ثالثة قد تكون أشد ضراوة.
السيناريو الثاني:
البحث عن بديل لبوتو يقوم بالدور الذي كان من المفترض أن تقوم به، بحيث يمكنه أن يجفف قوى الممانعة داخل المجتمع الباكستاني خاصة في الجيش والمخابرات من خلال قاعدة شعبية تسانده ويقوم بطرح بديل ديمقراطي مدني لنظام مشرف العسكري ويعمل على تحقيق نمو اقتصادي، لكن هذا الخيار يواجه معارضة مشرف نفسه، بجانب أن أقرب المرشحين لهذا الدور هو “نواز شريف”الذي يواجه اتهامات بالفساد قد يستخدمها مشرف عند الحاجة إليها، كما أنه غير معروف عن شريف موالاته القوية لواشنطن في السابق نظرًا لعلاقاته بالإسلاميين.
السيناريو الثالث:
الاتصال ببعض التيارات الإسلامية المعتدلة ومحاولة التوصل معها لتفاهمات تشارك من خلالها في السلطة مع ضمانها المحافظة على المصالح الأمريكية وعدم وقوع البرنامج النووي الباكستاني في يد عناصر متطرفة، لكن هذا السيناريو مستبعد من قبل الإدارة الأمريكية حيث يحتوي على مغامرة كبيرة، قد تهدد الولايات المتحدة نفسها، كما أن عداء الإسلاميين الباكستانيين بجميع أطيافهم شديد للسياسات الأمريكية.
السيناريو الرابع:
الحفاظ على مشرف ومحاولة تثبيت حكمه باعتباره الخيار الآمن والأكثر واقعية وسط هذا السيناريوهات، على أن يتم دعمه خارجيًا وداخليًا، حتى يتمكن من تنفيذ الأجندة الأمريكية.
هذا عن الخيارات المطروحة أمام الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها في هذه المنطقة، فماذا عن الخيارات المطروحة أمام باكستان؟، ليس هناك أمام باكستان سوى خيار واحد وهو البحث عن سياسة خارجية مستقلة غير منحازة أو تابعة، تقدم مصالحها القومية على أي مصلحة أخرى محاولة مد الجسور والاستقواء بعمقها الإسلامي لمواجهة الأخطار الخارجية سواء من الهند أو الولايات المتحدة الأمريكية، ومستفيدة من أخطاء الماضي

Leave a Comment