مشروع مارشال
كاتب الموضوع الأصلي: سعود بن خالد
بعد أشهر قليلة أُعلن مشروع مارشال، في 5 يونيه 1947. وكان الرئيس ترومان قد عين الجنرال مارشال وزيراً لخارجيته، ويتلخص مشروع مارشال في وجوب مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لأوروبا الغربية قبل أن ينهار اقتصادها، وفي الوقت نفسه حث مارشال الدول الغربية على القيام بوضع برنامج موحد لإنهاض بلادها اقتصادياً حتى يمكن لأمريكا مساعدتها. ولم يستثن من دعوته دول أوروبا الشرقية، ولذلك كان لتلك الدعوة أثرها السيئ لدى حكومة الاتحاد السوفيتي. حتى صرح مولوتوف بأن الاتحاد السوفيتي لا يرى في مشروع مارشال إلا نوعاً من الاستعمار الجديد أي استعمار الدولار الأمريكي، ومحاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب المستقلة. وبموجب هذا المشروع أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية حوالي اثني عشر ملياراً من الدولارات في سبيل إعادة بناء اقتصاديات أوروبا الغربية. لقد جاء مشروع مارشال، في وقت كانت فيه أوروبا الغربية على استعداد تام للانحناء وقبول الشيوعية، إذ كان الألمان يعيشون في مدن مهدمة، كما أنها كانت تئن من الهزيمة، وتعجز عن الدفاع ضد التسلل والانقلابات. أما التضخم في إيطاليا فقد وصل إلى أعلى معدلاته، وفي فرنسا هبطت عمليات النقل وإنتاج المواد الغذائية إلى حالة من الفوضى لم يسبق لها مثيل.. وذلك في الوقت الذي توقفت فيه نصف عمليات التعدين، ولم يكن هناك إمداد بالكهرباء للمدن إلا لفترة ضئيلة، لا تتعدى ثلاث ساعات في اليوم. وبدت الأحزاب الشيوعية في كل من فرنسا وإيطاليا كأنها قريبة من النجاح في الانتخابات بعد أن وعدت بإصلاح الأوضاع. وكان الشيوعيون في البلدين أبطالاً وقت الحرب لأنهم كانوا قادة حركات المقاومة في حين تعاون غالبية رجال الصناعة مع الفاشيين والنازيين. لذلك كان يجب القيام بعمل سريع وحازم، من وجهة النظر الأمريكية. لقد أعلن جورج مارشال George Marshall مشروعه في 5 يونيه 1947، في خطاب خطير أثناء تخريج دفعة جديدة من جامعة هارفارد Harvard ، وكان هذا الخطاب بداية لهذا المشروع، فقال: “لقد أخذ في الاعتبار حين النظر في إعادة الحياة إلى أوروبا تلك الخسائر في الأرواح، والدمار الملموس في المدن الذي أصاب المصانع والمناجم، والطرق والسكك الحديدية، وقد أصبح من الواضح في خلال الشهور القليلة الماضية أن هذا الدمار الملموس قد يكون أقل خطورة من تدهور جميع عوامل الإنتاج ومقومات الاقتصاد في أوروبا. لقد كانت الظروف خلال السنوات العشر الماضية، غير عادية بصورة واضحة، إذ كانت حمى الاستعداد للحرب، والجهود الضخمة التي بذلت خلالها، هي التي تسيطر سيطرة تامة على جميع مظاهر الاقتصاد القومي. وقد أدى هذا الوضع إلى أن تشعر الأجهزة المختصة باليأس المطلق، وإلى أن يتحطم تكوين نظام الأعمال والاقتصاد في أوروبا تحطيماً كاملاً. لذلك تأخر الانتعاش بسبب عدم الاتفاق بين مختلف الأطراف المعنية، حتى بعد انتهاء الحرب بعامين وانتهاء العداوات بين الحلفاء وكـل من ألمانيا وال——سا، وإقرار السلام”.”لذلك نجد أن مطالب أوروبا خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة من المواد الغذائية الأجنبية ومن المنتجات الأساسية وبخاصة من أمريكا، كانت أعلى بكثير من قدرتها الحالية على دفع تكاليفها، لذلك يجب أن تقدم إليها المساعدات الإضافية، وإلا فإنها سوف تواجه تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً خطيراً. لذلك أصبح من المنطق والعقل أن تبذل الولايات المتحدة الأمريكية كل ما في جهدها من طاقات لمساعدتها في العودة إلى حالتها الاقتصادية الطبيعية في العالم، لأن عدم تحقيق هذا الهدف سيؤدي إلى عدم خلق أي استقرار سياسي، كما أنه لن يساعد على تحقيق السلام. لذلك فإن سياستنا ليست موجهة ضد أي بلد من البلاد، أو أي مبدأ من المبادئ سوى الجوع والفقر واليأس والفوضى، بل يجب أن يكون هدفها هو إحياء النشاط الاقتصادي في العالم؛ ليمكن إتاحة ظهور الظروف السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تقوم في ظلها المؤسسات الحرة. وإنني على اقتناع تام بأن هذه المساعدة يجب ألا تقوم على أساس التدرج البطيء، في الوقت الذي تظهر فيه الأزمات وتتكون بسرعة كبيرة. لذلك فإن أي مساعدة يمكن أن تقدمها هذه الحكومة في المستقبل، يجب أن تقدم علاجًا وليس مجرد عملية تهدئة وتسكين. وإنني على ثقة تامة من أن أي حكومة تسعى للمساهمة في عملية الإنعاش، سوف تجد كل تعاون مطلق من جانب حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن أي حكومة تلجأ إلى المناورات ل————ل انتعاش الدول الأخرى لن تجد أي مساعدة من جانبنا. وبجانب ذلك فإن الحكومات، والأحزاب السياسية، أو المجموعات المختلفة التي تسعى إلى استمرار البؤس الإنساني لكي تحصل من ورائه على الربح السياسي، أو غير السياسي، سوف تجد أمامها معارضة قوية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية”.وكان هدف مارشال من خطابه هو تقديم المعونة الأمريكية لإنعاش الاقتصاد في أوروبا بشرط أن تتعاون الدول الأوروبية في الاستفادة منه على أحسن وجه، على أساس دولي لا على أساس قومي. ويرجع الفضل الأكبر في نجاح مشروع الإنعاش الأوروبي، وما أحرزه من نتائج عظيمة إلى حسن تصرف إيرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا واتساع أفقه. وقد كانت الدول الغربية تعتبر نفسها مدينة دائماً بالفضل لأمريكا، في حين اعتبرت الحكومة السوفيتية هذا المشروع عملاً من أعمال الحرب الباردة.
ولما دعت بريطانيا وفرنسا إلى عقد مؤتمر في باريس لدراسة مشروع مارشال، رفض الاتحاد السوفيتي الاشتراك فيه، بل وأمر حكومات أوروبا الشرقية ألا ترسل مندوبين عنها. وحتى تشيكوسلوفاكيا التي كانت قد أعلنت قبولها لمشروع مارشال، عادت تحت الضغط الروسي إلى العدول عن الاشتراك في المشروع.
وهكذا اتسع الخلاف بين الشرق والغرب، وفي أكتوبر 1947 أعلن الاتحاد السوفيتي عن تأسيس منظمة أطلق عليها الكومنفورم[1][1]Cominform ، وهي نفس المنظمة الشيوعية القديمة الكومنترن Comintern في لباس جديد. وتسربت الأوامر للأحزاب الشيوعية في غرب أوروبا أن تتخلى عن سياسة المهادنة والاعتدال التي اتبعتها، عندما كان التحالف الكبير سائداً بين روسيا والغرب، وهنا انتشرت الإضرابات والمظاهرات والعصيان، ولم يقف الحد عند قيام الإضرابات في أوروبا، بل انتقلت إلى الملايو وبورما وإندونيسيا والهند الصينية، ولجأ الشيوعيون الآسيويون إلى حرب العصابات حتى انقلبت الحرب الباردة إلى حرب ساخنة في كثير من أرجاء العالم.