مصطلح الديمقراطية
كاتب الموضوع الأصلي: سلمان عليوي العنزي 1
مصطلح الديمقراطية
الديمقراطية مصطلح سياسي غربي يوناني ويعني حكم الشعب، وان الشعب مصدر السلطات، وهذا المفهوم جزء من كيان الحضارة الغربية، وقد ظهر في الغرب كرد فعل للاستبداد والظلم والدكتاتورية التي شهدتها المجتمعات الغربية، وهي اسلوب من اساليب الحكم يقوم على الرأي العام، وانه نظام يستلهم شكله من رأي الامة.
والمعنى الشائع للديمقراطية في العالم اليوم يطلق على المجتمع الذي له ادارة سياسية تضمن الحد الاعلى من الحقوق والحريات الفردية، وهذا المفهوم ذو اتجاه فكري علماني وهو بهذا المعنى لا وجود له في الإسلام، لان الفكر السياسي الاسلامي ظهر قبل ان تعرف اوروبا تطبيق مبادئ الديمقراطية او الانتخابات الحرة لتعيين ممثلي المجالس المحلية والمسؤولين والحكام.
وعند دراسة الفكر السياسي في الاسلام يجب الالتفات الى نقطة مهمة وهي انه في الوقت الذي يقوم الحكم في الاسلام على الاعتقاد بحاكمية الله سبحانه، فانه ينظر الى اسلوب الحكم وتعيين الحاكم بمنظار انساني وايديولوجية منسجمة مع طبيعة الانسان ورغبته في تحقيق الحرية والعدالة والمساواة. فالاسلام في سيره النضالي الثوري يؤمن بمشاركة الشعب في قضايا الامة. والمشاركة السياسية تعني تأكيد حق الشعب في الانتخابات والترشيح وممارسة العمل السياسي بكل أشكاله، وحرية المعارضة، واخذ رأي الجمهور في اختيار من يمثله في مجلس الشورى وفي اختيار الحاكم.
فالدولة الاسلامية ليست دولة تسلطية تمارس روح التسلط والقهر السياسي، انها بعيدة عن الاستبداد والجور والظلم. والتحيز الايديولوجي للغرب يجعله يتهم الاسلام بالدكتاتورية وحكم الفرد ويعمد الى تشويه الحقائق وتزييف الواقع. فالغرب ينمط المجتمعات الى شمال وجنوب ومصنع وغير مصنع وديمقراطي وسلطوي ويطالب الدول بالديمقراطية، ولكنه لا يريد حكم الشعب ابدا في بلادنا وهذا ما فعله في الجزائر عام 92، عندما اوشكت جبهة الانقاذ على الفوز في الانتخابات البلدية.
ومن الحقائق المهمة عن الدولة الاسلامية، انها دولة قانونية بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني الحديثة.
ان لها دستوراً رصيناً يعتمد على المصادر الشرعية من القرآن الكريم وسنة الرسول الاعظم وعترة الرسول الاطهار. ويمتاز النظام التشريعي السياسي الاسلامي بتحقيقه الحقوق والحريات العامة والشاملة لرعايا الدولة الاسلامية دون تفريق بين فرد وآخر.
وجاءت هذه التشريعات لتقر حقوق الانسان في المجتمع وتمنحه الحرية بحيث يشعر انه في واحة الامان وفي ظلال العدل والمساواة لا يمكن أن يعتدى عليه او يغتصب حقه حتى من قبل اعلى سلطة في البلاد، وبذلك يستغل قدراته ومواهبه كلها من خلال حريته في مشاركته السياسية، وله ان يرشح نفسه لاي منصب يراه مؤهلا له، لا فرق بين الابيض والاسود، فالناس كلهم سواسية كاسنان المشط، ولهم حق خدمة وطنهم عن طريق الارتقاء في مناصب الدولة وشغل وظائفها الادارية او العلمية او الفنية.
ففي الدولة الاسلامية لا يساق الانسان قهرا ولا يقيد بقيد يمنعه من المشاركة في الانشطة الاجتماعية والسياسية ولا تهدر انسانيته لكيلا تتعطل قواه النفسية والمعنوية، ولا يصيبه الخوف والهلع ولا يكون قلقا خائفا مسلوب الارادة والحرية، بل يتمتع بحريته ويستطيع بقوة ان يشارك في مجتمع الانسان.
يرى البعض ان نظام الشورى الاسلامي يمثل الديمقراطية الغربية وهو خطأ وقع فيه كثير من الباحثين، ولمناقشة هذه النقطة نقول ما ذكرناه سابقا اثناء البحث: ان المفهوم الحضاري لا يمكن تعميمه على جميع الشعوب والامم، لانه نابع من حضارة معينة لها سماتها وخصائصها وايديولوجيتها المعينة، فهو جزء من نسيج باطني، وعضو في جسم له خصائصه الذاتية، ونقله الى جسم آخر يؤدي الى رفضه وعدم ادائه لدوره بسبب جهاز المناعة في الجسم الآخر.
واخراج مفهوم من منظومته واستعماله مفردا في منظومة حضارية اخرى يؤدي الى التداخل في المفاهيم والى الالتباس في المعنى والى ارتجاج في القشرة الداخلية للمفهوم والى اهتزاز المنطق الداخلي فيه.
ومن هنا فان من الخطأ النظر الى المصطلحات والمفاهيم بمنظار آخر خارج عن منظومتها وانماطها الفكرية.
ولا شك ان كل حضارة لها نسيج من القيم او ايديولوجية ـ خاصة ـ او مذهبية معينة، وهذه النظرية الحضارية لا تتوضح قط الا من خلال مصطلحاتها، فهي ومصطلحاتها متلازمتان لا تنفصلان، ومن هذه الملاحظة الموجزة نستطيع أن نقول:ان ديمقراطية الغرب لها معنى مستقل يخص المجتمعات الغربية.
والادعاء بان الديمقراطية هي النظام الاسلامي بعينه يعد تسطيحا شديداً للموضوع، ويؤدي الى الغموض بدل الوضوح ويدل على سذاجة في التفكير وعلى سطحية الدراسة. ويدل على ضعف الرأي. واخذ ظواهر الامور. وعدم التعمق في معاني المفاهيم.
الديمقراطية كلمة جميلة افتتن بها كثير من الناس في عالمنا العربي والإسلامي، واستعملها كثير من الكتاب الاسلاميين وغيرهم ولكنها ليست نظام الشورى الاسلامي بأي حال.
وليس صحيحا اعتبار الديمقراطية مفهوما مطابقا لنظام الشورى الإسلامي، لان هناك فرقا كبيرا بين المصطلحين وكل منهما ليس لفظا لغويا مرادفا للآخر.
فالمذهب الاسلامي في السياسة عندما يتبنى الشورى في النظام السياسي يعتبرها جزءا من النظام الاسلامي الشامل للحياة، والديمقراطية لها معنى مغاير، انها جزء من نظام يندرج تحت مظلّة الحضارة الغربية.
ومن الواضح ان الايديولوجية الغربية تختلف عن الحضارة الاسلامية من حيث الايمان والشرائع والقيم. وكما يقول (كوسدورف): ان نظام كل ثقافة يتحدّد تبعا للتصور الذي تكونه لنفسها عن الله والانسان والعالم والعلاقة التي تقيمها بين هذه المستويات الثلاثة من نظام الواقع(1).
وتبعا لهذا فان التشريع والقيم في اصولها وفروعها، في النظام الديمقراطي هو من صنع الشعب، لان تعريف الديمقراطية عند اهلها هو (ان يحكم الشعب نفسه بنفسه مباشرة او عن طريق ممثليه في مجلس النواب)(2).
فالنظام الاجتماعي المنبثق عن الديمقراطية هو النظام العلماني اي فصل الدين عن الدولة. وهذا لا تقره مذهبية الاسلام عقيدة وشريعة في المجتمع.
فالامة الاسلامية ليس لها حق تغيير احكام الله القاطعة. ولا الانطلاق في اتخاذ المواقف السياسية غير مذهبية الاسلام في الوجود وغير ما اختاره الله والرسول (ص).
فكيف يمكن علميا ومنهجيا ان نسمي النظام الاسلامي في الحكم بالنظام الديمقراطي؟
وما الذي يدعونا الى ان نخضع للغرب ونتداول باستمرار المصطلحات المنظومة للحضارة الغربية المادية والعلمانية؟!
هل هو بريق الحضارة الغربية؟ او بريق الكلمات والمفاهيم الخادعة! اذا وعينا الاسلام وعيا اصوليا عصريا واجتمعنا لتحديد المصطلحات وتوحّدنا فكريا نستطيع عند ذاك ان نتخلص من عباءة الغرب ومن المفاهيم التي سكنت افكارنا وأصابتنا باضطراب الفكر(3).
وقد يقال في هذا الصدد: لماذا هذا التشدد في انتقاء المفاهيم والكلمات؟ ولماذا التعنت في استبدال مفهوم بمفهوم آخر؟
اليس مصطلح الديمقراطية يعادل في مضمونه وفحواه فكرة الشورى الاسلامية؟
ونحن نقول ان مفهوم الديمقراطية يحتوي ضمنيا على معنى فصل الدين عن الدولة، هل نحن نؤمن بذلك؟ وهل يمكن في ظل نظام ديمقراطي تطبيق شريعة الاسلام؟
هل نحن نؤمن بقيام احزاب في ظل النظام الديمقراطي اذا كانت مبادئها تصطدم اساسا مع اصول الاسلام؟
هل الحريات العامة في ممارسة الرذائل والدعارة، وتفشي العهر السياسي والاخلاقي التي تدخل ضمن مصطلح النظام الديمقراطي يمكن قبولها واعتبارها جزءاً من القيم الاسلامية؟!
فان كان الجواب نعم فهذا لا يمكن ان يقبله اي مسلم غيور على دينه. وان كان الجواب لا فهناك من يقول: لا نحن نريد تطبيق حكم الله في الارض ولا ندعو لقيام احزاب ملحدة او علمانية في المجتمع في ظل النظام الديمقراطي الذي نؤمن به.
اقول: اذن غدا الخلاف هنا لفظيا، وحينئذ لا ضرورة لاستعمال كلمة الديمقراطية الذي يحدث الالتباس ويربك الفكر.
والمشكلة ان كثيرا من السادة الكتاب والمثقفين في العالم الاسلامي يعيشون في فلك الحضارة بل يتم بدراستها والتعاطي معها عبر حوار حضاري بناء للاستفادة القصوى من علومها ومعارفها وأسلمة ثقافتها الغزيرة(1).