معضلة صنع السياسة الخارجية في الدول النامية
كاتب الموضوع الأصلي: محمد الشهري 4
على ضوء ما يحدث من عنف غير مبرر في لبنان، وعجز كافة الأطراف الدولية عن تحقيق سريع لوقف إطلاق النار في هذا البلد المنكوب، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي والدول الكبرى كفرنسا وبريطانيا، فإن المرء يقف لكي يطرح تساؤلات حول قدرة الدول النامية على صنع سياساتها الخارجية بشكل مستقل بعيداً عن مواقف القطب الدولي الوحيد المهيمن على صنع القرار السياسي الدولي في عالم اليوم. فهل توجد فعلاً سياسة خارجية مستقلة للدول النامية؟ وإن وجدت مثل تلك السياسة الخارجية نظرياً، هل يمكن تحقيقها أو تنفيذها على الصعيد المحلي؟ وما هي الآليات والوسائل المتاحة لدى الدول النامية لتنفيذ سياستها الخارجية؟
من زاوية تنظيرية بحتة، يمكن القول إن تبني صنع السياسة الخارجية لدول العالم النامي، يمكن أن يعود إلى واحد من ثلاثة مناهج رئيسية: فأولاً، يمكن أن يطبق على الدول النامية التي ظهرت على المسرح الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، المنهج التقليدي الذي كان يطبق على الدول القائمة قبل تلك الفترة، أي الدول التي تصنف بأنها حديثة أو متقدمة برغم أن المقولات والطروحات المتعارف عليها بهذا الصدد، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة القائمة في كل بلد سواء كان نامياً أو متقدماً. وثانياً، يمكن توظيف إطار خاص من المرجعية يركز بشكل خاص على سلوك الدول النامية التي لديها تجربة ووزن محدود يعتد به على صعيد السياسة الدولية، آخذين بعين الاعتبار بأنه يرتبط بذلك تواجد قطاعات صناعية صغيرة لدى هذا النوع من الدول.
وثالثاً: القيام بالجمع بشكل فعال بين المنهجين الواردين في أولاً وثانياً، والمزاوجة بينهما عن طريق معالجة الأنواع المختلفة من الدول، ضمن منظومة المقولات نفسها، ولكن في إطار مظلة أوسع من تلك التي تستخدم من قبل المدرسة السلوكية في الولايات المتحدة لتحليل السياسة الخارجية. إن ما أميل إلى استخدامه شخصياً، هو القيام بتحليل السياسات الخارجية للدول النامية ضمن هذا الإطار الثالث، الذي يقدم لدارسي السياسة الخارجية أكثر المناهج نضجاً وفائدة. إن تعدد المشاكل وأساليب صنع السياسة الخارجية التي تواجهها الدول نادراً ما تبدو صالحة لاستخدامها كتبرير لتحديد نوع الفصل المتولى الذي سيقسم الدول النامية ويضعها ضمن قوالب متمايزة.
ومن جانب آخر يبدو أيضاً أنه من غير المنطقي، القيام بمحاولة تطبيق النماذج الغربية ضيقة الأفق، على الثقافات الراديكالية المتعددة. وبناءً على ذلك، فإن أقل المتطلبات التي يحتاج إليها الباحث المنفتح، مهما قلت تجاربه في مجال دراسة السياسة الخارجية للدول النامية، هو أن يقوم بتوضيح مسائل ما قبل النظريات بطريقة أشمل، تكفي لكي تكون واسعة المجال بطريقة كافية تبعد الشبهة عن تصنيف الباحث بأنه ينتمي إلى دولة تصنف بأنها ليبرالية متحررة أو ذات أيديولوجية ضيقة، كأن تكون يسارية أو ثيولوجية، متقدمة أو نامية، منفتحة على العالم أو منغلقة تعيش في عزلة عن بقية دول المجتمع الدولي.
وبالتأكيد، فإن التحليل الذي يمكن القيام به، سيركز في البداية، على تصنيف مباشر لجميع المتغيرات التي ربما يمكن لها أن تؤثر على قرارات السياسة الخارجية، وفقاً لما نعرفه عن أو ننظر إليه، بالنسبة للبيئة الداخلية والخارجية المتواجدة عند لحظة إجراء التحليل المراد إجراؤه. وبالطبع فإن الطموح الأكثر حضوراً هو المتعلق بالقدرة على الحديث بثقة عن أيٍ من العناصر في البيئتين، هو الذي سيكون أكبر تأثيراً ونفوذاً ولماذا يحدث ذلك. وبرغم أن الأسئلة المتعلقة بلماذا، هي الأكثر أهمية من جميع ما عداها، إلا أنه قد لا يمكن الإجابة عليها دون أن تكون لدينا معرفة دقيقة ومحددة بالظواهر السياسية التي تحتاج إلى شرح.
وعليه، فإنه إذا لم تساعدنا المناهج المستخدمة على تحديد التساؤلات المهمة والقابلة للإجابة عليها من غيرها، فإن تلك المناهج تصبح عقيمة وعديمة الفائدة.
إن التصنيفات المجردة بحد ذاتها، غير ذات فائدة حقيقية ما لم تقترن بإمكانية تطبيقها واستخدامها في الواقع العملي. وعلى ضوء ما يحدث في عالم اليوم بالنسبة للمشكلة اللبنانية، فإن تطبيق أي من المناهج الثلاثة المشار إليها، بما في ذلك طروحات المدرسة السلوكية في الولايات المتحدة، تبدو غير مناسبة لدراسة صنع السياسة الخارجية في دول العالم النامي. وعليه، فإنه لابد من البحث المستمر من قبل دارسي السياسة الخارجية في العالم النامي، عن مناهج وطرق ووسائل حديثة لدراسة صيغة السياسة الخارجية لبلدانهم. وربما يكون المشوار طويلاً في هذا السياق، ولكن يبدو لي أنه لا يوجد ما يعيق البدء في ذلك والسير على الطريق حتى النهاية.