أ.د. أحمد محمد وهبان

مفهوم الدبلوماسية في العصور الحديثة

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد الحربي-3

بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم الدبلوماسية في العصور الحديثة:

تعددت الاجتهادات في تحديد تعريف الدبلوماسية الحديثة . واتفقت في مجملها علي عناصر رئيسية تشكل قوام الأسس التي ترتكز عليها كعلم متكامل تدخل في تشكيله قواعد القانون الدولي فيما يعرف بالنظام الدبلوماسي ، وأصول العلاقات الدولية ، والاقتصاد السياسي ، والاجتماع السياسي وكافة الأساليب الراقية في التعامل بين الدول من خلال المبعوثين الدبلوماسيين .
وقد تبلور في هذا الصدد مفهوم حديث للدبلوماسية يشمل كافة أساليب مباشرة العلاقات الخارجية في مختلف جوانبها علي اتساع المنظومة الدولية.
وهذا المفهوم الواسع هو الأقرب إلي واقع الحياة المعاصرة حيث تتخذ أساليب الاتصال والتفاعل اشكالاً متعددة تتعدي بكثير تلك التي كانت قاصرة في الماضي علي التعامل الثنائي من خلال المبعوثين الدبلوماسيين . وأصبحت هناك في ضل هذا المفهوم مسارات عدة للدبلوماسية أولها المسار الرسمي الذي يغطي سبل الاتصال والتفاوض والتفاعل بين الحكومات والدول علي مختلف الاصعدة ثنائية وإقليمية ودولية متعددة الإطراف .
وتمثل الدبلوماسية وسيلة للاتصال والتفاهم حول ما يعين من مسائل ذات اهتمام مشترك، أو لترتيب مصالح سياسية أو تجارية أو ثقافية. ويتسع هذا المفهوم ليسمح بدور ايجابي للرسول الدبلوماسي للقيام بمبادرات واقتراح السبل لتحسين العلاقات ، والتفاوض لتسوية المشاكل بتفويض صريح من حكومته وإبرام الاتفاقات نيابة عنها .

و يتمثل ثاني هذه المسارات في الإطار الأهلي غير الرسمي الذي تعاظم أهميته وتأثيره منذ مستهل التسعينيات ويغطي سبل الاتصال والتعاون بين المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني. ويتمثل ثالثها في مسار رجال الأعمال في القطاع الخاص والتعامل فيما بين الشركات الخاصة والمتعددة الجنسيات على اتساع العالم .
ويتمثل الرابع في مسار الاتصال والتفاعل بين الأفراد في المجالات الثقافية والتعليمية والفنية والرياضية والعلمية من خلال شبكة الانترنت وبرامج التبادل الطلابي وغيرها.
ويتمثل الخامس في مسار التعاون والتفاعل بين وسائل الإعلام من خلال برامج التعريف بالأخر في بؤر الصراعات الدولية والمحلية . وأصبحت هذه جميعاً تعرف حالياً بالدبلوماسية متعددة المسارات .
وقد تبلور في الولايات المتحدة مفهوم إضافي يجمع بين بعض هذه المسارات يعرف بالدبلوماسية العامة وتستهدف في الأساس تحسين صورة الولايات المتحدة في الدول الأجنبية، وكسب التأييد لسياساتها، ومواجهة الحملات المعارضة. ويتم ذلك من خلال تنمية الاتصال والتعاون وأحيانا التمويل لوسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمرئية و الأحزاب والجماعات العرقية والدينية والفكرية والنخب وعناصر الشباب المتميزة والواعدة.
وهذه الدبلوماسية رسمية في تخطيطها وتمويلها . ويتم مباشرتها اساساً من خلال وكالة الاستعلامات الأمريكية . وعلى الرغم من الطابع الرسمي لتوجيهها وتمويلها إلا أنها شاملة في نشاطها حيث تستهدف مؤسسات الإعلام والمراكز البحثية والجمعيات الأهلية والجامعات والنقابات المهنية والأحزاب بل والأفراد . ومن ثم فهي تتخطى قيود الممارسة الدبلوماسية الرسمية التقليدية.

ونري إن بعض الخلط قد شاب الفهم العام لمداولات الدبلوماسية بسبب الاستخدام الواسع للكلمة لعني جملة أمور قد تمت بصلة غير مباشرة لجوهر معناها أحيانا ، وقد تمثل هذا الجوهر في أحيان أخري . وهي تطلق احياناً كصفة للشخص الذي يتسم في علاقاته الاجتماعية بالكياسة واللباقة وحسن التصرف ، والذكاء ، والمرونة ، والتحفظ مع الكتمان والقدرة علي التوثيق والمواءمة . وهذه في مجملها تمثل صفات يفترض توفرها في المبعوث الدبلوماسي الناجح ،غير أنها لا تنهض في حد ذاتها تعريفاً للدبلوماسية ويطلق احياناً وصف الدبلوماسية علي التسوية السلمية للمنازعات وهي من جوانب العمل الدبلوماسي من خلال التفاوض . على إن أكثر الخلط يدور حول عدم التمييز مابين السياسة الخارجية والدبلوماسية. و ربما كان جانب منه يعود إلى اعتبار الجهاز الدبلوماسي لدولة ما والذي يقف على رأسه وزير الخارجية هو حسب التصور العام المحدد لتوجه الخارجي للدولة.

وواقع الأمر إن مفهوم السياسة الخارجية اشمل بكثير حيث يستند إلي تقرير الدولة لمصالحها ومقتضيات أمنها القومي تكتيكياً واستراتيجياً في حركتها الخارجية . وتتداخل في ذلك عوامل كثيرة أبرزها تقدير الدولة لعوامل قوتها الفعلية والمفترضة، ومدي استعدادها لاستثمار هذه العوامل، وتأثير تراثها الثقافي والديني والحضاري وموقعها الجغرافي، وطبيعة علاقات القوة بينها وبين مختلف القوى الأخرى الفاعلة إقليميا ودولياً. ويتم رسماً لهذا التصور على أعلى مستوى لصنع القرار في الدولة. و تشارك فيه كافة أجهزتها من عسكرية وأمنية واقتصادية فضلاً عن مراكز البحوث ودعم القرار.
ويكون للدبلوماسية دورها في توفير المعلومات والتحليلات في مرحلة إعداد هذا التصور أو تعديله من قبل المرجع العليا ، وفي تنفيذ ما يتم الاستقرار عليه من توجهات سياسية خارجية . فهي بذلك تساهم بدور مسعد في عملية الإعداد, وبدور فاعل في عملية التنفيذ. و تتأثر عملية رسم السياسة الخارجة بخصوصية وضع الدولة ومصالحها وتراثها الديني والحضاري, بينما تتقيد الدبلوماسية بما استقر من أنماط من العرف الدولي على صعيد الممارسة.

Leave a Comment