مقال سياسي (شهيدات بيت حانون)
كاتب الموضوع الأصلي: ماجد سعد الشهراني1
شهيدات بيت حانون
ردت نساء بيت حانون اللواتي انطلقن في مسيرة عفوية الى مسجد المدينة لإنقاذ المحاصرين من المسلحين، والتصدي للقوات الاسرائيلية الغازية، الاعتبار للمرأة العربية، واثبتن انهن اكثر رجولة وشجاعة من كل رؤساء الاركان وقادة الجيوش العربية دون استثناء. جميل منظر الفتيات والسيدات المؤمنات وهن يهرعن الى المسجد المحاصر وسط الدبابات والمجنزرات الاسرائيلية، غير عابئات بنيران وقذائف مدافعها الحية، يرددن الله اكبر.. الله اكبر مدوية مجلجلة.
لا نعرف ما اذا كان الزعماء العرب قد شاهدوا هبة الكرامة هذه، شاهدوا النساء يتصدين بصدورهن العامرة بالايمان للرصاص الاسرائيلي ويسقطن شهيدات وجريحات دفاعا عن ارض ومقدسات تقاعس هؤلاء الزعماء في الدفاع عنها، وهم الذين يملكون الجيوش وترسانات اسلحة انفقت على عملية بنائها مئات المليارات من الدولارات.
ولا نعرف ايضا ما اذا كانت السيدات الأوليات كن الى جانب ازواجهن، ونظرن الى شاشات التلفزة وهي تنقل هذه اللقطات المشرفة، وماذا كانت ردة فعلهن، اذا كانت هناك فعلا ردات فعل ترتسم ملامحها على الوجوه التي هي قطعاً في كامل زينتها. هذه هي المرأة العربية الفلسطينية، لا تكتفي بإنجاب الشهداء، وانما بالانضمام الى قوافلهم ايضا، والنزول الى ميدان المواجهة.
سياسة التجويع التي تمارسها امريكا وبدعم معظم الأنظمة العربية، في دول المركز والاطراف، فشلت في تركيع الشعب الفلسطيني، اناثا وذكورا، بالغين واحداثاً، اسلاميين او وطنيين، فالمقاومة لم تتوقف مطلقاً، والصواريخ الايمانية استمرت في الوصول الى قلب المستوطنات الاسرائيلية تبث الهلع والرعب في صفوف سكانها.
القيادة السياسية الاسرائيلية تقول ان هذه المجازر لا تعني الاجتياح، ولا اعادة احتلال قطاع غزة، فإذا كان مقتل سبعة وعشرين فلسطينيا، بينهم امرأتان، هو مجرد تسخين ، فكيف ستكون المجزرة الكبري اذا ما بدأت عملية الاجتياح الكامل؟
الحكومات العربية غير عابئة بما يحدث، والجامعة العربية كفت حتى عن القيام بما كنا نستنكره في الماضي، اي الدعوة لانعقاد اجتماع طارئ للجامعة العربية، فالسيد عمرو موسي امينها العام يتواجد في الدوحة لاستعادة الديمقراطيات المغيبة، والرئيس المصري حسني مبارك في اذربيجان في جولة آسيوية وسطى، و”خادم الحرمين الشريفين” الملك عبد الله بن عبد العزيز يتفقد مدينة جيزان على الحدود اليمنية.
تونس اغلقت سفارتها في قطر احتجاجاً على برنامج بثته الجزيرة عن قرار منع الحجاب الطائفي فيها، اما الحكومة الاردنية فسارعت الى سحب سفيرها من الدوحة استياءا من برنامج آخر.
الكرامة العربية تنتفض لأن ضيفا في محطة تلفزيونية نطق بآراء لا تعجب الحكومات في برنامج تلفزيوني، ولكنها تغيب تماما عندما تنتهك اسرائيل اعراض المحصنات، وتقتل الابرياء بالعشرات وتنسف المساجد ودور العبادة. فكرامة الأنظمة وأجهزة مخابراتها اكثر اهمية من كرامة أمة ودماء نسائها واطفالها.
مطالبنا باتت متواضعة لدرجة المطالبة بسحب سفير عربي من تل ابيب، وطرد اسرائيلي من القاهرة أو عمان او نواكشوط او الرباط، او اغلاق مكتب تجاري في قطر او تونس. ولكن حتى هذه المطالب على تواضعها باتت كبيرة الكبائر يتهم من يقترب منها بالتطرف، وربما الانتماء الى تنظيم القاعدة . فاسرائيل لم تعد عدوا عند معظم الأنظمة العربية، ومجازرها في حق الشعبين الفلسطيني واللبناني لا ترتقي الى درجة الاقدام على اعمال مشروعة في العرف الدبلوماسي مثل سحب السفراء. فالعدو هو المقاومة، اسلامية او وطنية، التي تريد تنغيص حياة الأنظمة واستقرارها وعلاقاتها الطيبة مع الحليف الامريكي، وتكدير محاولاتها الاستمتاع بالعوائد النفطية المتضخمة.
الجيش الاسرائيلي مني بهزيمة مذلة في لبنان فأراد تعويضها في بيت حانون وطولكرم ونابلس، بقتل اكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين العزل، وهذا ما يفسر المجازر التي يرتكبها حاليا في قطاع غزة على وجه الخصوص.
المقاومة الاسلامية التي تصدت ببسالة للجيش الاسرائيلي ومنعت تقدمه، والحقت خسائر كبيرة في صفوف جنوده، وشيدت مقبرة جماعية لدبابات الميركافا ، في جنوب لبنان، كانت وما زالت، افضل حظاً من نظيرتها الفلسطينية لانها وجدت وتجد الدعم من ايران، وتملك حدودا مفتوحة مع سورية، وتجلس على ترسانة من الاسلحة الحديثة، وعشرين الف صاروخ مثلما اعلن سيدها حسن نصر الله. ولكن المقاومة الفلسطينية محاطة بأنظمة اكثر حرصا على امن اسرائيل من امنها الخاص، وتغلق الحدود بإحكام تحسدها عليه الدولة العبرية نفسها.
العراق يتحلل ويتلاشي امام اعيننا، والشعب الفلسطيني يتعرض للذبح، ولبنان ينتظر اجتياحا اسرائيليا آخر تسرح الطائرات الاسرائيلية في سمائه في تحد سافر للشرعية الدولية المزعومة، ودارفور السودانية تنتظر مصيرا اكثر سوءا من مصير العراق، والشعوب والأنظمة العربية تقف في موقف المتفرج.
باكستان تشهد مظاهرات صاخبة احتجاجا على قصف مدرسة على الحدود مع افغانستان من قبل القوات الباكستانية ادي الى وقوع مجزرة. وبنغلاديش تشهد مظاهرات ادانة للعدوان الاسرائيلي، حتى في غلاسكو في اسكتلندا يتظاهر الاسكتلنديون لابسو التنانير وزرق العيون ضد فريق مكابي حيفا الذي جاء ليلعب مباراة ضد فريق رينجرز الاسكتلندي في مسابقة اوروبية، يتظاهرون نصرة للعرب ويرفعون اعلام فلسطين.
العواصم العربية في صمت رهيب، لا وجود لأي تحرك عربي. اين البرلمانات العربية؟ اين الاتحادات المهنية؟ اين الطلاب؟ الا توجد نخوة وكرامة عند هؤلاء، ايخافون من قمع الأنظمة؟ وهل قمع الأنظمة اكثر شراسة وفتكا من الرصاص الاسرائيلي الحي الذي واجهته نساء بيت حانون بصدورهن؟
ايران كل يوم تجرب صواريخها البرية والبحرية والجوية، شهاب، الكوثر، نور ونصر، اما الأنظمة العربية فتجرب ماذا؟ اساليب جديدة للفساد ونهب المال العام، ام نظريات احدث حول كيفية تعديل الدساتير وتصدير الديكتاتورية الى روسيا؟
نعتذر لسيدات بيت حانون والشهيدات من بينهن، مثلما نعتذر لأهل العراق، وشهداء المقاومة في لبنان، فلم تعد توجد هناك امة عربية، وانما كتل بشرية مخدرة تحمل هذا الاسم زوراً.