أ.د. أحمد محمد وهبان

منظمة التجارة العالمية

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل4

آثار منظمة التجارة العالمية على الأمن القومي العربي :
تمثل التجارة الدولية العصب المركزي لاقتصاديات دول العالم . ومع هذه الأهمية ، فقد مرت النظرية الاقتصادية التي تعنى بدراسة التجارة الدولية بمراحل تطورت من خلالها ، بدءاً بالنظريات التي كانت ترى الاكتفاء الذاتي لكل بلد أمراً ممكناً . بل مرغوباً فيه من الناحية الاقتصادية ؛ وعليه فلا داعي للتجارة الدولية ؛ وهو ما يستدعي فرض قيود عليها . ووصولاً إلى النظريات الحديثة التي ترى التوسع في التجارة البينية بين دول العالم ، وأنها تزيد من رفاه العالم والدول المشاركة فيها على حد سواء ؛ فلا بد من تحريرها من القيود .
وبناءً على الواقع السياسي والحربي لدول العالم ، كانت التجارة الدولية تمر بموجات من المد والجزر في مجال الحمائية ( ويقصد بها وضع موانع غالباً ما تكون مصطنعة أمام انسياب السلع من خارج البلد مثل الجمارك والقيود الكمية والنوعية على الواردات ) . فقد كانت الحروب ، ولا تزال ، تشكل العائق الأول أمام انسيابية التجارة الدولية بسبب فقدان الثقة بين البلدان المتحاربة . وكان يصاحب قيام الحروب وقف تصدير واستيراد الذهب والفضة على وجه الخصوص بسبب كونهما نقوداً مقبولة في أنحاء كثيرة من العالم لقرون طويلة ( أو غطاء إلزامياً للنقود الورقية إلى عهد قريب ) . هذا هو السبب الأول الذي جعل أصحاب النظرية التجارية ينادون بالاكتفاء الذاتي وعدم القيام بعمليات تجارة عالمية ؛ حيث إن فقدان المعدنين الثمينين في أوقات السلم يجعل البلد عرضة للضعف الشديد حال الحرب . ولذلك تزيد الموجات الحمائية ( بفرض القيود المالية والكمية والنوعية ) على التجارة بين البلدان أثناء وبعد الحروب . ولما تغير الوضع في النقود وأصبحت لا تصرف بالمعدن الثمين ، خفَّت تلك الآثار من جهة ، وزادت من جهة أخرى ؛ فأصبحت الدول المتحاربة تتعامل بعملات قوية مصدرة في بلد غير مشمول بالحرب ، لكن النقد الخاص بالدول المتحاربة قد يتلاشى للصفر . وآثار الحروب لا تتوقف على النقود ، بل كثير من الأدوات الاقتصادية التي تعتمد على الثقة تتأثر تأثراً كبيراً بالحرب .
ولذلك كانت الحربان العالميتان ذواتي أثر كبير على التجارة العالمية بناءً على ما سبق . وقد استدعى ذلك من قادة العالم ( القادر على ذلك ) المبادرة لتصحيح مثل تلك الاختلالات في سوق التجارة العالمية حتى لا تتضرر البلدان وخاصة المتقدمة بعد الحروب . وقد قامت جهود كثيرة من دول العالم المتقدم لتصحيح الخلل الناشئ من الحروب على التجارة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى ، ولكنها لم تلق الدعم الكافي من بقية دول العالم ، وفتَّ في عضدها الكساد العظيم الذي ضرب أطنابه على الولايات المتحدة وأوروبا من عام 1929م حتى 1933م ، وقيام الحرب العالمية الثانية فيما بعد . وكانت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية ( البلد المنتصر في الحرب ) لفرض سياستها على العالم ، وتشكيل ما تريد تشكيله من المؤسسات والمنظمات العالمية التي تحل بها كثيراً من المشكلات التي نشأت من الحروب ؛ بحيث تستفيد الاستفادة القصوى من تلك المنظمات . ومن هنا قامت منظمات دولية من أهمها : ( منظمة الأمم المتحدة ) والهيئات والوكالات التابعة لها ، و ( صندوق النقد الدولي ) ، و ( البنك الدولي للإنشاء والتعمير ) . وكان الغرض منها ترتيب الشأن السياسي والاقتصادي
والتمويلي في العالم . وفي تلك الحقبة نفسها ، تم اقتراح إنشاء منظمة تعنى بالتجارة
الدولية تسمى : ( منظمة التجارة العالمية ) .
وبالفعل تم ذلك ، وبدأت اللجان المشكلة العمل بها منطلقة مما عرف فيما بعد بـ ( ميثاق هافانا ) الذي كان يراد منه تنشيط العلاقات التجارية العالمية . ولكن هذه المنظمة لم تقم على سوقها ، لاعتراض الكونجرس الأمريكي عليها نظراً لسحبها كثيراً من صلاحياته .
غير أن حاجة الدول لمنتدى دولي للتداول حول الشؤون التجارية المختلفة كان ملحاً على الرغم من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية ، فكان أن قامت جهود منفردة بين مسؤولي القطاعات التجارية والاقتصادية التي لها علاقة بانسيابية حركة التجارة الخاصة بها ، ثم تبلورت تلك اللقاءات والاجتماعات عن أطر تلقى قبولاً عاماً بين الدول ، مستمدة من ( ميثاق هافانا ) ، شكلت فيما بعد الإطار النظري الذي بنيت عليه اتفاقية سميت : ( الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة ) ، واختصاراً من الحروف الإنجليزية الأولى لاسمها ، تدعى ( جات ) [GATT] . وكان الهاجس الأول فيها تحرير التجارة العالمية من القيود التي وضعت بعد الحرب ؛ وذلك بخفض الجمارك ، والحد من القيود الكمية والنوعية المفروضة على السلع من قبل الدول الأطراف في الاتفاقيات . وتولد عن تلك الاجتماعات اتفاقات بين دولتين أو أكثر ، وتغطي في الغالب سلعاً صناعية من المهم لأطراف الاتفاقية وضع ضوابط للتجارة فيها . ولحاجة كثير من دول العالم لمثل هذا النوع من الترتيبات التجارية ، زادت تلك الاتفاقات وتعددت أطرافها ، وتوسعت بعض الاتفاقيات في أعضائها والسلع الصناعية التي تشملها ، وأصبحت تلك الاتفاقيات مجالاً لإنضاج كثير من الأفكار الاقتصادية في مجال التجارة العالمية . ومع كل ذلك ، لم تكن ( الجات ) منظمة بالمعنى الفني الدقيق ، وإن كان لها أعضاء مشاركون مشاركة فاعلة في كثير من مجريات اتفاقياتها ، ولكنها قدمت للعالم وللفكر الاقتصادي كثيراً من الأفكار الناضجة في مجالها ؛ ومن ثم اكتسب كثير من ممارساتها عرفاً دولياً مهماً ، وإن كان غير ملزم للأطراف فيها ؛ وتبلورت تلك في خفض كثير من الرسوم الجمركية على جملة السلع محل المفاوضات . وكانت بعض الدول التي لا ترغب في الانضمام لهذا الملتقى الاقتصادي غير الرسمي تدخل طرفاً أو « عضواً » مراقباً فيه .
وقد تبلور العمل التجاري العالمي المدار عن طريق اتفاقية ( الجات ) عن مبادئ مهمة ألخصها فيما يأتي :
1- مبدأ عدم التمييز ( أو : قاعدة المعاملة الوطنية ) : والمقصود أن تتم معاملة كل دولة لسلع الدول الأخرى معاملة السلع الوطنية سواء فيما يتعلق بالضرائب المحلية أو الأنظمة المعمول بها . وفي هذا الإطار تعطى الدولة المشاركة ي الاتفاقية وضع « الدولة الأَوْلى بالرعاية » ؛ ويقصد به : حصول الدولة على كل المزايا الممنوحة من بلد آخر للبلدان الأخرى تلقائياً حتى لو لم يكن البلد طرفاً في اتفاقية محددة ، ويستثنى من ذلك البلدان الداخلة في ترتيبات تجارية إقليمية .
2- مبدأ حظر القيود الكمية : والمقصود أن يتم امتناع كل الدول المشاركة في اتفاقية الجات عن استخدام القيد الكمي ( أي : تحديد الواردات بكمية معينة ) في أساليب التعامل التجاري مع البلدان العالمية . ومعنى ذلك أن الدول ليس لها إلا استخدام الرسوم الجمركية كآلية وحيدة لحماية الصناعة المحلية .
3- مبدأ تخفيض الرسوم الجمركية : والمقصود أن تتعاون الدول الأعضاء في الاتفاقية بخفض رسومها الجمركية أمام الواردات الأجنبية تحفيزاً للتجارة العالمية ، وتقليصاً للعوائق السعرية عليها ، أو على الأقل ربط تلك الرسوم بحيث لا تزيد .
4- التعهد بتجنب سياسة الإغراق : والمقصود أن تحاول الدول الأعضاء عدم دعم السلع الموجهة للتصدير دعماً مالياً مباشراً ؛ بحيث إن الاتفاقية تريد ترسيخ قيم التنافس الحر بين الشركات والمنشآت التجارية بدون التدخل الحكومي .

Leave a Comment