أ.د. أحمد محمد وهبان

منهج ميكيافلي(2)

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الزبن

دـ السياسة الداخلية.
يفضل بالنسبة للحاكم أن تخافه الناس لا أن تحبه. شيء مثالي أن يكون محبوبا، ولكن، إذا من الواجب الاختيار بين الوسيلتين، الأفضلية يجب أن تعطى إلى الخوف. وهذا يبرر ويعود إلى الطبيعة العميقة للإنسان. ( الأمير، الفصل 17، الصفحة 339). بمعنى آخر، الأمير الواعي أو المتيقظ عليه أن يوجد وفق ما يريد هو، وليس على ما يريد الآخرون، ومن هنا تأتي أفضلية الخوف كأداة في السلطة. (المرجع السابق، الصفحة ، 341). واقعية ميكيافلي وتفكيره حول إستراتيجيات فعّالة للتوازن بين القوى الاجتماعية تقوده يعلن عن الأطروحة التالية : أحيانا، الحكام، ومن أجل تهدئة الشعب، عليهم ألا يترددوا في تقديم “كبش المحرقة” والذي سيخدم في مخرج من غرائزه العدوانية وبالتالي إيجاد حل لراحتهم ولجميع المواطنين. في الواقع هذه التفكير الميكيافلي حول التضحية بأحد المواطنين من قبل الدول هو ما يمكن أن نسميه “بجريمة الدولة”. فهو يعطي الشرعية للحكام بتصفية المعارضة من خلال ارتكاب الجرائم، ومن غير تقديم هؤلاء للعدالة، لذلك ندرس الفكر السياسي الميكيافلي هنا كجزء تابع لمرحلة الحكم الاستبدادي أو المطلق. ( يمكن مراجعة “الأمير” الفصل 17، الصفحة 338).

هـ ـ ميكيافلي بين الملكية والجمهورية ؟
ساند ميكيافلي و بشكل متزامن في كتابه “الأمير” وكتاب “خطابات”، الأطروحات الملكية و الجمهورية، لدرجة أن العديد من المحللين اعتقدوا أن أطروحاته غير متماسكة. في الواقع مسألة نموذج أو شكل الحكم كان ثانويا بالنسبة له. فقد كان في البداية مدفوعا بمسألة الاستقلال الإيطالي، إذا إنها الدولة كمجسدة للأمة، التي اهتم بها في المقدمة. ولكن بواسطة من هذه ستؤسس ويتم حكمها ؟

في ” الأمير” يتحدث ميكيافلي عن الحل الملكي. ولكن في كتاب “خطابات” يظهر وكأنه جمهوريا. في الحالتين، الدولة الميكيافلية عليها وفي جميع الظروف أن تحكم من غير اعتبارات للقوانين أو الأخلاق. فروح الجمهورية الرومانية التي تم تحليلها في كتاب “خطابات” هي نفسها المملكة الفرنسية والإسبانية، أو بمعنى آخر سلطة سياسية مطلقة. ولكن يمكننا القول أن ميكيافلي اعتقد أن الجمهورية ليست شكلا جيدا للحكم في إيطاليا آنذاك، وهي على كل فكرة كانت سائدة بشكل واسع في ذلك العصر. إذا بالنسبة للدولة يجب أن تكون خاضعة لرجل واحد فقط يظهر قوة لا تعادلها قوة أخرى في الدولة. ( من كتاب”خطابات” الفصل 9، الصفحة 405). أما السلطة التنفيذية يجب أن تكون واحدة غير مقسمة لاسيما في أوقات الأزمات.

من جهة أخرى لا يتردد ميكيافلي في القول أن التعددية فيها إيجابيات كثيرة، وخاصة التعددية في ظل”جمهورية”. فأفضل القوانين في روما كما يقول، كانت ثمرة للتعددية. ولكن على هذه التعددية أن تتماشى مع اختيارات الحكام.

ي ـ ميكيافلي و القومية.
كان ميكيافلي يشعر بالإهانة بسبب الحالة التي تعيشها بلاده أمام الغزو الفرنسي و الإسباني،التي الدول التي اعتبرها أقل حضارة من إيطاليا وهي في نفس الوقت أقوى منها لأنها استطاعت أن تبني وحدة وطنية. من هنا أراد تحقيق الوحدة الوطنية في إيطاليا. قدم ميكيافلي مفهومه للأمة كشخصية مجردة وهي في نفس الوقت أسمى من الفرد الذي يكونها وأيضا لها طابع دنيوي خالص. هذه الأمة هي شيء آخر غير الفرد فليس من شانها الخضوع لأي أخلاق أو قانون. الفكرة الأهم عند ميكيافلي فيما يتعلق بالشعور القومي كانت في إنشاء جيش وطني مؤلف من جميع المواطنين وليس من ميلشيات. أيضا وقف ميكيافلي إلى جانب استخدام جميع الوسائل في العمل الدبلوماسي ضد العدو خاصة إذا كنا لا نملك القوة لمحاربته. فالأمة هنا ليست مضطرة لاحترام كل أنواع المعاهدات و الاتفاقيات التي وقعتها من أمة أخرى.

أخيرا وفيما يتعلق بميكيافلي ،نستطيع القول أن أفكار ميكيافلي السياسية لاقت إعجابا كبيرا من قبل أنصار الحكم الاستبدادي المطلق في مختلف الدول الأوربية، فالملوك الذين ترددوا في السير خلف شعار “الغاية تبرر الوسيلة”، وجدوا في كتاباته الوسيلة التي حررتهم من هذا التردد. أما في القرن العشرين فحصلت أفكاره على قوة أكبر عند اليمين المتطرف كما عند اليسار المتطرف. وحتى في القرن التاسع عشر لاقت ترحيبا عند ما يسميهم مؤرخ الأفكار السياسية Philippe Nemo ” بأسياد الشك” ماركس ونيتشه، إلى منظري التوتاليتارية الذي أخذوا أيضا من أفكاره. واستخدمه كمرجع كل من الفلاسفة Pareto, Sorel , Maurras ، كما كان مشهورا في الأوساط الجامعية الفرنسية كمفكر سياسي كبير وخاصة عند المفكرين المقربين من الماركسية. ونذكر هنا أن المنظر الماركسي الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي اعتبر أن النظرية الميكيافلية في كتاب “الأمير” هي أول نظرية “للثورة”، وقد كانت “اليعقوبية” في فرنسا الثورة الفرنسية وروسيا البلشفية التجسيدات التاريخية الأولى لكتاب ” الأمير”

Leave a Comment