موقع الفاعلين في السياسة الخارجية المغربية
كاتب الموضوع الأصلي: محمد الغامدي (3),(4)
لمبحث الأول: المبحث الأول: موقع الفاعلين في السياسة الخارجية المغربية
تشكل السياسة الخارجية للدول إحدى الآليات الهامة لضبط وتطوير مصالح الدول على صعيد العلاقات الدولية من جانب وعلاقاتها مع وحدات النظام السياسي الدولي من جانب آخر. لذلك فإن دراسة مضامين السياسة الخارجية للدول فضلا عن تحولاتها تحتل أهمية كبيرة في الظروف السياسية المعاصرة وذلك لأسباب كثيرة أهمها التغيرات التي طرأت على أدوات السياسة الخارجية وسبل تنفيذها والفاعلين في حقلها.
بالنسبة للسياسة الخارجية المغربية، يعتبر مجال دراسة الفاعلين في حقلها من بين أهم الجوانب الأساسية في دراسة عملية صنع القرار الخارجي المغربي، والسبب في ذلك أن هذه العملية خضعت في الفترة الأخيرة للكثير من الانتقاد خاصة في ظل عدم فعالية الأداء الدبلوماسي المغربي – ولو نسبيا – في الإجابة عن العديد من الإشكالات كتلك المتعلقة بقضية الصحراء المغربية ودور المغرب في الساحة الدولية عربيا وإفريقيا وكذا العلاقة مع أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.
من جانبنا، سنحاول تلمس مكامن الخلل في أداء الفاعلين في السياسة الخارجية المغربية، وقد ركزناها في مظهرين اثنين: المظهر الأول وهو هيمنة فاعل رئيسي واحد على عملية صنع القرار )المطلب الأول( والمظهر الثاني محدودية وهامشية الفاعلين الآخرين )المطلب الثاني(
المطلب الأول: هيمنة فاعل رئيسي واحد على عميلة صنع القرار الدبلوماسي
واقع أن السياسة الخارجية للدولة المغربية ظلت لعقود بعد الاستقلال بعيدة عن أي نوع من النقد أوالتقييم الموضوعي أو المحاسبة إن على المستوى السياسي ممثلا في دور الأجهزة الرقابية، أو على المستوى الأكاديمي من خلال أبحاث او دراسات قانونية ترصد مواطن الخلل وتقيم الأداء العام للدبلوماسية المغربية، ومرد ذلك حسب العديد من الباحثين في هذا المجال إحاطة موضوع السياسة الخارجية المغربية بهالة من القداسة والسرية لم تتح للدارسين مجال الخوض فيه. ورغم كثرة الندوات والأيام الدراسية التي تنظم حول السياسة الخارجية والدبلوماسية المغربية، إلا أنها لم تتطرق لعملية صنع القرار الخارجي المغربي ومحددات السياسة الخارجية، بمعنى أنها صبت كل اهتماماتها على جانب المخرجات (outputs) من هذه السياسة وأغفلت جانب المدخلات (Inputs) الذي يحدد في الواقع توجه السياسة الخارجية لأية دولة.
تقوم الملكية في المغرب بالتدخل شبه المطلق في مجالات السيادة حسب تقليد يرجع إلى ما قبل الاستعمار، والذي تشكل الدولة المعاصرة استمرارا له هذا أمر يرجع إلى للأسرة العلوية الحاكمة ومشروعيتها، وقد مارس السلاطين العلويون سلطة دبلوماسية مهمة تجلت في إدارة المحادثات المتعلقة بمعاهدات السلام والتجارة مع الدول الأجنبية وكذا معاهدات التحالف، وهي الخاصية التي تشترك فيها كل بلدان العالم الثالث حيث يحتل رئيس الدولة مركز الصدارة في صناعة القرار من خلال امتلاكه لمصادر القوة الأمر الذي يضفي على شخصيته الطابع الكاريزمي مما يجعل من عملية صنع السياسة الخارجية متوقفة بشكل مطلق على العقائد الذاتية والمكونات الشخصية لصانع القرار عكس ما هو سائد في الدول الديمقراطية.
في المغرب استطاع الملك الراحل الحسن الثاني أن يطبق المجال المحفوظ في ميدان السياسة الخارجية طيلة مدة حكمه، فغدت عملية اتخاذ القرار متمركزة وشبه مغلقة، ورغم اعتلاء الملك محمد السادس العرش عام 1999 واعتماده مقاربات أكثر ديمقراطية للحكم ومفاهيم جديدة للسلطة إلا أن الملاحظ أن ورش تطوير السياسة الخارجية وعصرنتها ودمقرطتها لم يحظ بالاهتمام والتركيز الملائمين، رغم نزوع الخطاب الرسمي في هذا الشأن إلى اعتماد لغة تدعو إلى الإصلاح والتغيير.
إذا كانت فرضية المجال المحفوظ شكلت الأساس الذي يشرعن للفاعل الواحد احتكار القرار الخارجي، فإن هذه الفرضية باتت تتلاشى في خضم المستجدات التي يعرفها العالم اليوم والتي تتميز بالتعقيد والتشابك الشيء الذي سينتج عنه تراجع في تبني هذه الفرضية، فالدولة تحقيقا للمصلحة العليا المشتركة بدأت تتخلى عن أدوارها التقليدية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية وأحيانا السياسية لصالح فاعلين جدد، وهو اتجاه تكرس بفعل انتشار الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ال
المطلب الثاني: هامشية و محدودية دور الفاعلين الآخرين
بالإضافة إلى الملك، نجد هناك فاعلين آخرين إلى جانب الملك، وهؤلاء نوعان:
النوع الأول: الفاعلين المعنيين بشكل مباشر بالسياسة الخارجية وهما وزير الخارجية والتعاون والوزير الأول.
النوع الثاني: الفاعلين غير المباشرين وهما البرلمان والأحزاب السياسية.
والأكيد هو جود فاعلين آخرين كالوزارات التقنية والقوات المسلحة والرأي العام ووسائل الإعلام، ولكننا نعتقد أن أكثر الفاعلين احتكاكا وتأثيرا في السياسة الخارجية المغربية هما النوعان المشار إليهما أعلاه.
إلا أن أدوار هؤلاء الفاعلين يبقى هامشيا ومحدودا إن على المستوى القانوني أو السياسي.
أولا: على المستوى القانوني
في نظام تكون فيه السلطة متمركزة في يد الملك، فإن وظيفة وصلاحيات الحكومة ممثلة بالوزير الأول تكون محدودة، فالامتيازات التي يمنحها لها الدستور تعتبر ضئيلة نظرا لارتباطه المباشر برئيس الدولة الذي يعينه ويعفيه من مهامه في أية لحظة (الفصل 24 من الدستور) ودون إبداء الأسباب.
كما أن السلطات التي يملكها الوزير الأول هي أساسا سلطات تنفيذية بالقياس مع سلطات الملك التي تعتبر تقريرية.
ولا تعدو مساهمات الوزير الأول في مجال السياسة الخارجية وفي تكوين الإرادة الدولية للمغرب رمزية وتمثيلية من خلال إجراء المفاوضات باسم المغرب أو التوقيع على المعاهدات وتمثيل المغرب في المؤتمرات الدولية ولقاءات القمة متعددة الأطراف واجتماعات المنظمات الدولية التي تعقد على مستوى الملوك والرؤساء.
نفس الأمر ينطبق على وزارة الخارجية التي يخلو المرسوم رقم 2.94.864 الصادر بتاريخ 15 فبراير 1995 المنظم لاختصاصات وزير الخارجية من أي إشارة إلى أي دور في صناعة القرار الدبلوماسي إلا في نطاق ضيق جدا وهو المتعلق بتأويل المعاهدات والاتفاقات والوثائق القانونية الدولية الأخرى التي تلزم المغرب وباتفاق مع السلطات المعنية.
أما بالنسبة للأحزاب السياسية، فقد عرف دورها في مجال السياسة الخارجية العديد من نقط الانعطاف حيث اختلف حجم تأثيرها منذ الاستقلال إلى الآن.
فخلال الأربع سنوات الأولى للاستقلال 1960-1956، أثر حزب الاستقلال بشكل حاسم في تحديد المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية عن طريق بلورة خطاب وطني يضع في أولوياته الوحدة الترابية.
خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 1974 شهد المغرب تحصينا للسلطة الملكية التي ظهرت انعكاساتها جلية في السياسة الخارجية، فأخذ كل من حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية يفقدان التأثير الذي مارساه في رسم وتنفيذ السياسة الخارجية.
وقد استمرت هذه الوضعية في المراحل اللاحقة حيث ظل دور الأحزاب السياسية محدودا في المشاركة في حملات شرح وتفسير الطرح المغربي الرسمي حول قضية الصحراء المغربية، والمساهمة في تنفيذ بعض جوانب السياسة الخارجية المغربية المحددة سلفا من طرف الملك. وقد تكرس هذا الوضع في تجربة التناوب حيث ظل وزير الشؤون الخارجية يعين من خارج الأحزاب السياسية، وهو نفس الشرط الذي ظل الملك الراحل الحسن الثاني يؤكد عليه في المحاولات الأولى لتحقيق التناوب مع بداية عقد التسعينات.
ثانيا: على المستوى السياسي
إن طبيعة النظام السياسي المغربي يرتكز على معطى سياسي مهم، ألا وهو الحفاظ على حد أدنى من التوازنات بين مختلف الفاعلين السياسيين، والعمل باستمرار على ضبط المشهد السياسي والتحكم في تفاعلاته ومكوناته، الشيء الذي لا يسمح بإفراز حكومات سياسية بامتياز تتمتع بصلاحيات واسعة ومحددة تساعد على تبني رؤى واستراتيجيات واضحة في مختلف القطاعات ومن بينها مجال السياسة الخارجية.
لذلك فإن الحفاظ على وزارة الخارجية والتعاون ضمن وزارات السيادة بحيث لا يعين الوزير من أي حزب سياسي، لا يساهم في ترسيخ ثقافة المراقبة والمحاسبة المؤسسة على الاعتبارات الديمقراطية والتمثيلية ذات الشرعية المعتبرة.
أما بالنسبة للأحزاب السياسية، فإن العديد من الأسباب الذاتية تحول دون “تفويضها” بالاختصاص في مجال صنع السياسة الخارجية أو المساهمة في تدبير الملفات الخارجية أبرزها: قلة تجربة الأحزاب في هذا المجال وعدم توفرها على الكفاءات الدبلوماسية المؤهلة بالإضافة إلى عدم توفرها على رؤى واستراتيجيات واضحة ترصد مكامن الخلل وتستشرف المستقبل بناءا على معطيات متعددة الأبعاد، ولا تستطيع التحلل من الهواجس السياسيوية والانتخابية في إعداد برامجها.
المبحث الثاني: الفاعلون الجدد في السياسة الخارجية المغربية
إذا كانت التعريفات التقليدية لمفاهيم الدبلوماسية والسياسة الخارجية تجد مرجعيتها في اختصاص الدولة في هذا المجال، فإن التحولات الدولية المتسارعة خلال العقدين الأخيرين قد أفرزت بروز فاعلين جدد في الحقل الدبلوماسي إلى جانب الدولة. كما أن تعقد وتنوع العلاقات الدولية المعاصرة فرض على الدول ضرورة البحث عن قنوات دبلوماسية جديدة تساعدها على تجاوز النقص الذي يمكن أن يعتري الآليات الدبلوماسية التقليدية، هذه الأخيرة أصبحت لا تتلاءم والتطورات الكبرى التي يعرفها العالم خاصة على المستوى التكنولوجي والإعلامي. وهكذا فقد برزت إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، دبلوماسية موازية تباشرها هيآت حكومية وغير حكومية في تكامل مع الدبلوماسية الكلاسيكية.
وبالنظر للتحديات التي يواجهها المغرب على المستوى الخارجي، والمتمثلة في تحدي كسب معركة الوحدة الترابية من خلال ملف الصحراء المغربية، ومواجهة المنافسة الجزائرية “المتطرفة” في الأسلوب والأهداف، وكذا تأسيس علاقة المغرب مع شركائه الأوروبيين والأمريكيين والعرب -إلى حد ما- على اعتبارات المصلحة الوطنية أولا إلى جانب الشفافية والوضوح، فإنه من الأكيد القول بعجز ومحدودية الآليات الدبلوماسية التقليدية في مواجهة هذه التحديات، وذلك من خلال آليتين اثنتين:
الأولى وهي إعادة بلورة دور فاعلين تقليديين ولكن بصيغ عصرية جديدة وهؤلاء يمكن حصرهم في : الدبلوماسية البرلمانية والدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الشعبية.
والثانية وهي فتح المجال أمام فاعلين جدد – بمعنى الكلمة- بقصد المساهمة في تطوير أداء الدبلوماسية المغربية، على سبيل المثال لا الحصر: وسائل التكنولوجيا الحديثة خاصة الفضاءات الافتراضية، المجتمع المدني، التشكيلات الترابية للدولة كالجهات والمدن والجماعات المحلية، والأفراد.
من هذا المنطلق ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، المطلب الأول: فاعلون تقليديون بأدوار جديدة، والمطلب الثاني: اتجاهات حديثة من خلال فاعلين جدد.
المطلب الأول: فاعلون تقليديون بأدوار جديدة
يحتل موضوع تأهيل الجهاز الدبلوماسي المغربي سلم أوبويات أجندة الإصلاحات التي دشنها المغرب خلال العقد الأخير في مجال تدبير سياسته الخارجية، نظرا لما تشكله الدبلوماسية من دعامة للدفاع عن المصالح الوطنية على الصعيد الدولي، كما أنها تعتبر اليوم آلية اساسية لدعم التنمية الداخلية من خلال تحفيز الاستثمار الأجنبي وتوسيع مجالات التعاون الدولي. ولا يشكل النغرب استثناءا في إعادة تأهيل الجهاز الدبلوماسي، بل أصبحت مختلف الدول عبر العالم تتوجه لتكييف دبلوماسيتها مع المتغيرات العالمية الجديدة
وقد فرضت عدة عوامل هذا التوجه العالمي لإعادة تنظيم وتأهيل الجهاز الدبلوماسي التقليدي والتي يمكن إجمالها في العناصر التالية:
v الإصلاحات التي طالت الإدارة العمومية بأسرها، والتي أصبحت على رأس الأولويات في مختلف الدول عبر العالم خلال السنوات الأخيرة، وذلك قصد تطبيق معايير الحكامة الجيدة.
v تنامي مطالب المواطنين بشفافية تدبير الضايا الدولية، وبالحصول على المزيد من المعلومات في هذا المجال.
v اضطرار وزارات الخارجية للتواصل مع عدد واسع من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين الذين يتقاسمون معها بعض الاهتمامات بالشؤون الخارجية.
v تغير الاحتياجات الخاصة لوزارة الخاررجية من الموارد البشرية، حيث أصبح التوظيف في المجال الدبلوماسي يأتي من مجالات واسعة أكثر من ذي قبل. كما أن وزارات الخارجية تحتاج اليوم إلىى موظفين لهم مؤهلات عامة وخاصة في الوقت نفسه.
v التخفيضات التي أصبحت تطال ميزانية وزارة الخارجية عبر العالم مما يفرض عليها القيام بعمل أكثر وبموارد بشرية ومالية أقل.
v تطبيق تقنيات الإعلام والتواصل الجديدة نتج عنه إندماج وزارات الخارجية مع شبكات سفاراتها عبر العالم، الأمر الذي نتج عنه بدوره تغير نوعي في الطريقة التي تدار بها العملية الدبلوماسية.
انطلاقا من هذه المعطيات الموضوعية، يمكن إجمال الفاعلين التقليديين الذين عرفوا تحولات وظيفية في مجال الدبلوماسية المغربية فيما يلي:
الدبلوماسية البرلمانية
من الناحية القانونية، تشير بعض مواد القانون الداخلي للبرلمان إلى أن اتصالات المجلس وعلاقاته الخارجية تجري بواسطة الرئيس[19]. وهذا يدل على أن الرئيس هو الممثل القانوني الأول للمجلس في علاقاته الخارجية.