ميكيافلي ( 1469 ـ 1527) حياته-أعماله
كاتب الموضوع الأصلي: منصور الزهراني 5
ميكيافلي ( 1469 ـ 1527)
حياته
ولد في فلورنسا وينحدر من عائلة قديمة في هذه المدينة الإيطالية. شغل أول منصب سياسي له في عام 1494 بعد سقوط الديمقراطية الثيوقراطية في Savonarole، لقوم سلطة جمهورية كلاسيكية مكانها قادها منذ عام 1502 Gonfalonier وكان ميكيافلي رجل الثقة في هذا النظام الجديد. أما مهمته فكانت “سكرتير” (لجنة العشرة من أجل الحرية والسلام)، وهي شكل من أشكال وزارة الداخلية والحرب.خلال أربعة عشر عاما قضاها في خدمة الجمهورية تم تكليفه بالعديد من المهام الدبلوماسية في فرنسا وروما، أيضا عمل في المسائل العسكرية حيث حصل من حكومة فلورنسا على قرار بإنشاء جيش وطني دائم. شغل ميكيافلي ثلاث مرت مناصب رسمية هامة، في عام 1520، 1521 و 1525.
أعماله
1ـ كتاب “الأمير”. وهو الأكثر شهرة، ولكنه ليس الأكثر أهمية من بين أعماله.كتبه بين عامي 1513 و 1514.
2ـ “خطاب حول أو عشر كتب”، كتبه بين عامي 1513ـ1519. وهو الكتاب النظري الأساسي عند ميكيافلي.
3 ـ “تاريخ فلورنسا” ( Storie Fiorentine) كتب بين 1520 و 1526. يتحدث الكتاب عن الفترة من 1251 إلى 1492. ويتحدث فيه عن الأحداث التي حصلت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
4ـ كتب ميكيافلي أيضا وبين عامي 1513 و 1520 كتابا في غاية الأهمية عن “فن الحرب”.
يعتبر الكثير من علماء السياسة أن ميكيافلي حتى ولو كان أو “اعتبر” منظرا سياسيا، إلا أنه لا يمتلك نظاما مفهوميا متطورا بشكل كلي أو شامل أو أنه متماسك.ففي جميع أعماله التي كتبها مستفيدا من خبراته العملية والوظائف التي مارسها يظهر وكأنه كتب فقط كمستشار للحكومة،الأمير، الباباوات أو القضاة في فلورنسا. ولكن يمكننا القول من جهة أخرى أنه بحث عن قوانين دائمة للحياة السياسية.
أـ الواقعية.
رفض ميكيافلي كل أوهام المثالية :” بما أنني أحاول كتابة أشياء يمكن الاستفادة منها لمن ينتظروها، فإنه يظهر لي أكثر إقناعا أن أتبع الحقيقية الواقعي للأشياء وليس كما نتخيلها”. وبسبب منهجه “الواقعي” اعتبر ميكيافلي من قبل العديد من الكتاب المعاصرين كأب “لعلم السياسة”. وربما يكون هذا التصنيف له ناتج عن أن ميكيافلي كان أول من فصل الأشياء السياسية عن جميع الأشياء الأخرى، الدين،الأخلاق و الاجتماع.
ب ـ الطبيعة الإنسانية وفق ميكيافلي.
أفكاره تستند في الكثير منها على التشاؤم، وهي رؤية رما ارتبطت بعد الاستقرار و حالة انعدام الأمن ثم العنف الذي عرفته إيطاليا في زمنه. يعتقد ميكيافلي أن البشر هم هكذا بطبيعتهم في كل زمان ومكان وهذا شيء من المستحيل تغييره أو إصلاحه:” منافقون، جشعون وشرهون للحصول على الربح”.( من كتاب الأمير، الفصل السابع عشر، الصفحة 339). أيضا بالنسبة له جميع البشر هم طغاة، والفرق بين إنسان عادي وطاغية، هي أن الثاني لديه الوسائل بينما الأول لا يملكها كي يصبح طاغية ولكنهما متماثلان في الطبيعة.
بالإضافة لذلك، يرى ميكيافلي أن الفضائل غير موجودة. وفقط هي الضرورة التي تقود إنسانا ما ليكون جيدا في بعض الأحيان، وهو لن يكون ذلك أبدا بشكل عفوي. وإذا اقتنعنا بعكس ذلك سيكون هذا وهما خالصا. ولا يتردد في وصف الإنسان بأنه حيوان، أسد أو ثعلب، وفق الظروف. وهنا يقول أننا نستطيع الحكم بالقوانين على ما هو إنساني في الإنسان،و بالقوة على ما هو من “خاص بالحيوانات”. وعندما القوانين لا تكفي علينا ألا نتردد في استخدام القوة، وعلى الأمير أن يعرف استخدام هذه أو تلك.(الأمير،الفصل 18،صفحة 341).
ت ـ الميكيافلية Machiavélisme
عندما لا يحدث أي وهم فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية فإن رجل الدولة سيستطيع الحفاظ على الحد الأدنى من النظام الاجتماعي، هكذا يرى ميكيافلي. وبما أنه لا يوجد في المجتمع سوى القوة،المصالح و الأنانية، وليس هناك قيم للعدالة والأخلاق تسمح بإبقاء القيم في حالة تناغم مع المصالح، فإن المشكلة التي على رجل الدولة حلها هي الحفاظ وبشكل مصطنع على التوازن بهدف وضع حدود لتبادل المصالح.وكل فكرة تهدف لإقامة “العدالة” تركها ميكيافلي أو في أحسن الأحوال تجاهلها.
ويبدو أن ميكيافلي في فكره السياسي يفضل ما يدعوه المعاصرون “بالبراغماتية”. حيث أنه لا يوجد مبادئ أخلاقية أو قانونية يمكن فرضها بشكل دائم، فإن القيادة لشؤون الحكم عليها أن تسترشد باعتبارات عملية خالصة، وبقدر تغير الظروف فإن قرارات الحكم يمكنها أن تتغير.” على الأمير أن يكون جاهزا ليدور مع رياح الحظ وتقلبات الأشياء التي يقودها”. ( الأمير ، الفصل 18، الصفحات 341 ـ 342).
المعيار القاطع، في السياسة، ليس أن تكون جيدا أو شريرا، وليس أيضا أن تكون ضعيفا أو قويا، ولكن سعيدا أو كئيبا في هذه السياسة. وهنا يؤكد ميكيافلي على أن الغاية تبرر الوسيلة، فليس المهم ما يفعله رجل الدولة في مراحل اتخاذ القرار بل المهم هو نتيجة هذا القرار. إن كل أفكار ميكيافلي تتمركز ضمن هذا المنطق أو النظام. ولكنها تختلف وفق ما يمكن أن نسميه أو نعتبره بالسياسة الداخلية أو بالسياسة الخارجية.
ث ـ السياسة الداخلية.
يفضل بالنسبة للحاكم أن تخافه الناس لا أن تحبه. شيء مثالي أن يكون محبوبا، ولكن، إذا من الواجب الاختيار بين الوسيلتين، الأفضلية يجب أن تعطى إلى الخوف. وهذا يبرر ويعود إلى الطبيعة العميقة للإنسان. ( الأمير، الفصل 17، الصفحة 339). بمعنى آخر، الأمير الواعي أو المتيقظ عليه أن يوجد وفق ما يريد هو، وليس على ما يريد الآخرون، ومن هنا تأتي أفضلية الخوف كأداة في السلطة. (المرجع السابق، الصفحة ، 341). واقعية ميكيافلي وتفكيره حول إستراتيجيات فعّالة للتوازن بين القوى الاجتماعية تقوده يعلن عن الأطروحة التالية : أحيانا، الحكام، ومن أجل تهدئة الشعب، عليهم ألا يترددوا في تقديم “كبش المحرقة” والذي سيخدم في مخرج من غرائزه العدوانية وبالتالي إيجاد حل لراحتهم ولجميع المواطنين. في الواقع هذه التفكير الميكيافلي حول التضحية بأحد المواطنين من قبل الدول هو ما يمكن أن نسميه “بجريمة الدولة”. فهو يعطي الشرعية للحكام بتصفية المعارضة من خلال ارتكاب الجرائم، ومن غير تقديم هؤلاء للعدالة، لذلك ندرس الفكر السياسي الميكيافلي هنا كجزء تابع لمرحلة الحكم الاستبدادي أو المطلق. ( يمكن مراجعة “الأمير” الفصل 17، الصفحة 338).
ج ـ ميكيافلي بين الملكية والجمهورية ؟
ساند ميكيافلي و بشكل متزامن في كتابه “الأمير” وكتاب “خطابات”، الأطروحات الملكية و الجمهورية، لدرجة أن العديد من المحللين اعتقدوا أن أطروحاته غير متماسكة. في الواقع مسألة نموذج أو شكل الحكم كان ثانويا بالنسبة له. فقد كان في البداية مدفوعا بمسألة الاستقلال الإيطالي، إذا إنها الدولة كمجسدة للأمة، التي اهتم بها في المقدمة. ولكن بواسطة من هذه ستؤسس ويتم حكمها ؟
في ” الأمير” يتحدث ميكيافلي عن الحل الملكي. ولكن في كتاب “خطابات” يظهر وكأنه جمهوريا. في الحالتين، الدولة الميكيافلية عليها وفي جميع الظروف أن تحكم من غير اعتبارات للقوانين أو الأخلاق. فروح الجمهورية الرومانية التي تم تحليلها في كتاب “خطابات” هي نفسها المملكة الفرنسية والإسبانية، أو بمعنى آخر سلطة سياسية مطلقة. ولكن يمكننا القول أن ميكيافلي اعتقد أن الجمهورية ليست شكلا جيدا للحكم في إيطاليا آنذاك، وهي على كل فكرة كانت سائدة بشكل واسع في ذلك العصر. إذا بالنسبة للدولة يجب أن تكون خاضعة لرجل واحد فقط يظهر قوة لا تعادلها قوة أخرى في الدولة. ( من كتاب”خطابات” الفصل 9، الصفحة 405). أما السلطة التنفيذية يجب أن تكون واحدة غير مقسمة لاسيما في أوقات الأزمات.
من جهة أخرى لا يتردد ميكيافلي في القول أن التعددية فيها إيجابيات كثيرة، وخاصة التعددية في ظل”جمهورية”. فأفضل القوانين في روما كما يقول، كانت ثمرة للتعددية. ولكن على هذه التعددية أن تتماشى مع اختيارات الحكام.
ح ـ ميكيافلي و القومية.
كان ميكيافلي يشعر بالإهانة بسبب الحالة التي تعيشها بلاده أمام الغزو الفرنسي و الإسباني،التي الدول التي اعتبرها أقل حضارة من إيطاليا وهي في نفس الوقت أقوى منها لأنها استطاعت أن تبني وحدة وطنية. من هنا أراد تحقيق الوحدة الوطنية في إيطاليا. قدم ميكيافلي مفهومه للأمة كشخصية مجردة وهي في نفس الوقت أسمى من الفرد الذي يكونها وأيضا لها طابع دنيوي خالص. هذه الأمة هي شيء آخر غير الفرد فليس من شانها الخضوع لأي أخلاق أو قانون. الفكرة الأهم عند ميكيافلي فيما يتعلق بالشعور القومي كانت في إنشاء جيش وطني مؤلف من جميع المواطنين وليس من ميلشيات. أيضا وقف ميكيافلي إلى جانب استخدام جميع الوسائل في العمل الدبلوماسي ضد العدو خاصة إذا كنا لا نملك القوة لمحاربته. فالأمة هنا ليست مضطرة لاحترام كل أنواع المعاهدات و الاتفاقيات التي وقعتها من أمة أخرى.
أخيرا وفيما يتعلق بميكيافلي ،نستطيع القول أن أفكار ميكيافلي السياسية لاقت إعجابا كبيرا من قبل أنصار الحكم الاستبدادي المطلق في مختلف الدول الأوربية، فالملوك الذين ترددوا في السير خلف شعار “الغاية تبرر الوسيلة”، وجدوا في كتاباته الوسيلة التي حررتهم من هذا التردد. أما في القرن العشرين فحصلت أفكاره على قوة أكبر عند اليمين المتطرف كما عند اليسار المتطرف. وحتى في القرن التاسع عشر لاقت ترحيبا عند ما يسميهم مؤرخ الأفكار السياسية Philippe Nemo ” بأسياد الشك” ماركس ونيتشه، إلى منظري التوتاليتارية الذي أخذوا أيضا من أفكاره. واستخدمه كمرجع كل من الفلاسفة Pareto, Sorel , Maurras ، كما كان مشهورا في الأوساط الجامعية الفرنسية كمفكر سياسي كبير وخاصة عند المفكرين المقربين من الماركسية. ونذكر هنا أن المنظر الماركسي الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي اعتبر أن النظرية الميكيافلية في كتاب “الأمير” هي أول نظرية “للثورة”، وقد كانت “اليعقوبية” في فرنسا الثورة الفرنسية وروسيا البلشفية التجسيدات التاريخية الأولى لكتاب ” الأمير”.