أ.د. أحمد محمد وهبان

نبذة عن مارتن لوثر

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العيفان

ـ مارتن لوثر ( 1483 ـ 1546).
دولة وطنية من غير نفوذ كهنوتي.

يقول الكاتب الإنكليزي Figgis [24] :” لولا مارتن لوثر فلن يكون لويس الرابع عشر”. بداية يمكن القول أن لوثر شارك في مساندة فكرية للاستبدادية. فقد أنكر أن الكنيسة أسست بغرض التصرف كسلطة لها نفوذ. وبشكل عام قاعدة فكره هي القناعة أو اليقين العميق بأن دناءة الإنسان، شره،خطيئته، تجعل من الصعب التعايش و التعاون العفوي والسلمي بين البشر. والنتيجة أن تدخل الدولة يمكن أن يسمح بالحفاظ على النظام الاجتماعي. وهنا يلتحق لوثر مع ميكيافلي ولكن فقط في هذه النقطة.

حياة وأعمال مارتن لوثر.
درس لوثر القانون في جامعة Erfurt الألمانية،ثم درس علم اللاهوت وأصبح دكتورا في هذا التخصص في Wittenberg. أعطى إشارات أولية بقدوم الإصلاح عندما عرضا وبشكل علني في عام 1517،بيع “صكوك الغفران” من قبل الكنيسة الرومانية. نشر بشكل متقطع منذ عام 1520 ما يسمى “الكتابات الإصلاحية الكبرى” : ( الدعوة إلى النبل المسيحي للأمة الألمانية)، (الأسر أو العبودية البابلية للكنيسة)، (تحليل أو قراءة الحرية المسيحية). قدم ترجمة ألمانية رائعة للكتاب المقدس.بقي زعيما من غير منازع للكنيسة الجديدة حتى موته في عام 1546.

ـ الأفكار السياسية عند مارتن لوثر.
يعود لوثر إلى “التشاؤمية” عند سان أوغستان وسان توماس،ووفقها الطبيعة تعافت أو شفيت بواسطة بفضل رعاية الله،والإنسان يمكنه بشكل واقعي ملاحظة قوانين الله ويعمل بنفسه لخلاصه وخلاص العالم،والعقل لا يستطيع فهم الله، إذا لا بد من الخضوع لقوانينه، ليس لأننا سنفهمها ولكن لأنها قوانين الله.”فنحن جميعا عبيد، بؤساء، مرضى و موتى” كما يقول لوثر.

أما الكنيسة يجب ألا تحصل على سلطات سياسية وقانونية خاصة بها. فإذا كان الخلاص يأتي من خلال الإيمان وحده sola fides فإن الفكرة القديمة لكنيسة تعمل كوسيط للحصول على الخلاص يجب أن تختفي. والكنيسة، كما تشير الكلمة اليونانية ecclesia ليست إلا “شعب الله” Gottes Volk”، أو بمعنى آخر مجلس أو تجمع المؤمنين. وهي لا تتعلق إلا بأعضاء هذا المجلس أو التجمع. وفي هذا الحالة كل المؤمنون لديهم صفة روحية ولديهم القدر على مساندة أخوتهم روحيا، وبالتالي ليس هناك رجل دين، بل الجميع يحملون هذه الصفة ،ويقصد هنا انعدام الوصاية الدينية من أي شخص آخر.

إذا الكنيسة البابوية ليس من حقها الإدعاء بوجود أية امتيازات لها وليس لديها حق بالحصول على الأموال. كما لا يمكنها الحصول على سلطات قانونية وقضائية خاصة تضاف لسلطات الدولة وتكون بهذه الحالة سلطة أخرى ذات نفوذ داخل الدولة.حتى السلطة القضائية داخل الكنيسة نفسها يجب أن تمارس من قبل سلطة زمنية وليست دينية.

كذلك،أطروحة لوثر تلتحق بالأطروحة الأصلية عند سان أوغستان : كل أعمال السلطات الزمنية يجب أن تكون معتبرة كإرادة أو مشيئة سماوية إلهية، يقول لوثر :”الملوك أو الأمراء واجبهم استخدام السلطات التي أعطاهم إياه الله، عليهم الانشغال بكل حاجات شعوبهم من سلام وازدهار. عليهم إلا يستغلوا سلطاتهم وخاصة ضد فيما يتعلق بحرية العقيدة. إذا هنا يضع لوثر حدودا للسلطة المطلقة للملوك، فعلينا ألا نخضع لهم عندها لا يظهرون الرحمة.

هذه الحدود اللوثرية للسلطة تختلف بشكل كبير عن تلك الحدود التي ستضعها فيما بعد التقليد الليبرالية وكما سنراها في الفصول اللاحقة. هذا الاختلاف يأتي من جانبين :
الأول: لوثر،ومن أجل إنشاء هذا الحد في الخضوع الواجب للحكم، لا يستند على بعض القواعد السامية كما هي في القانون الطبيعي، بل يستند على أن الحكومات لن تذهب ضد إرادة الله، وحيث القديسين في الأرض هم متحدثين باسم الله، فالقانون الطبيعي بحد ذاته ليس له أية قيمة.
ثانيا : إذا أكد لوثر حق المسيحي في عدم الخضوع للأوامر الإلحادية للحكومة، فإنه أيضا يدين كل مقاومة حقيقية. فالعقوبات الناتجة عن عدم الخضوع يجب ألا نتجنبها لأنها تجارب من عند الله ” علينا ألا نقاوم الطغيان، بل الألم مع الصبر”. ( المرجع السابق، صفحة 17).

أخيرا، أفكار مارتن لوثر ساعدت في ظهور الملكية المطلقة في أوربا الشمالية ،ألمانيا،اسكندنافيا وفي مناطق أخرى، وبشكل أقل بكثير في إنكلترا. وجاءت كتابات كل من Philippe Melanchton (1496 ـ1540) في ألمانيا، و William Tyndale (1495 ـ 1536) في إنكلترا، لتطور بشكل كبير المبادئ و نتائج الأفكار السياسية عند مارتن لوثر. هذان الكاتبان اقتسما مع غيرهم أيضا، أفكار سيد Wittenberg والتي تقول بأن النظام الاجتماعي هو مشيئة الله أو بمشيئة سماوية ومن الخطأ القيام بثورة ضده.

Leave a Comment