نشأة المنظمة الدولية وتطور أدائها وأدوارها من «عصبة الأمم» إ
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العتيبي
دراسة أعدها السفير الدكتور عبدالرحمن محمد الجديع القنصل العام لخادم الحرمين في نيويورك
تعد الأمم المتحدة نتاج تفاعلات دولية متصلة بدأت منذ القرن السابع عشر للميلاد، واتسمت بعدة مظاهر أهمها وجود الصراعات والحروب والتنافس السياسي بين الوحدات السياسية المختلفة خصوصاً تلك القائمة على أساس الدولة – الأمة في القارة الأوروبية.
ولقد أوضحت كتب التاريخ الدبلوماسي أن كثرة الصراعات والحروب قد أدت إلى عقد العديد من المؤتمرات والمعاهدات التي سعت إلى إحلال السلام وبالتالي كان لها دور كبير في تطوير وبلورة قواعد وأصول التنظيم الدولي.
ويأتي في طليعة هذه المؤتمرات الدولية مؤتمر وستفاليا الشهير westphalia الذي عقد عام 1648م، معلناً ولادة النظام الدولي الحدث في مركز الثقل السياسي على الساحة العالمية وهي أوروبا (1) وعلى أساس وجود الدول القومية المتساوية في السيادة، والمستقلة عن أية سلطة عليا روحية كانت أم زمنية.
لقد تطورت فكرة التنظيم الدولي باضطراد منذ ذلك الحين، وذلك من خلال المؤتمرات التي عقدت في القرون اللاحقة مثل مؤتمر فيينا لعام 1815م، الذي عقد بعد انتهاء الحروب النابليونية وإثر هزيمة فرنسا على يد ائتلاف مكون من بريطانيا، هولندا وامبراطورية النمسا – هنجاريا، اسبانيا، روسيا وبروسيا في معركة ووترلو waterloo عام 1815م.
وتلا هذا المؤتمر مباشرة، مؤتمر إكس لاشبيل الذي عقد عام 1818م، والذي نظم أسس العلاقات الدبلوماسية الدائمة ووضع أهم أصول وقواعد المهنة الدبلوماسية.
لقد استطاعت الدول الكبرى – وهي المهيمنة على الشؤون الأوروبية وبالتالي على معظم أنحاء العالم المعروفة – ترسيخ السلام الدولي لا عبر المؤتمرات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية فحسب، بل كذلك من خلال تثبيت عدة مبادئ سياسية تحكم كيفية نظرتها للشؤون الدولية مثل مبدأ توازن القوى الذي أصبح الإطار الذي حكم العلاقات الدولية حتى قيام الحرب العالمية الأولى.
وحال انتهاء هذه الحرب التي تبعها إنشاء عصبة الأمم في مؤتمر فرساي عام 1919م، تراجع مبدأ توازن القوى نتيجة ظهور مبدأ الأمن الجماعي الذي تبنته العصبة وبُني على أساس ان أمن الدولة العضو المحبة للسلام هو جزء لا يتجزأ من أمن بقية الدول الأعضاء في العصبة، وأن أي تهديد للدولة هو تهديد لمجموع الأعضاء الذي ينبغي أن تتعاون وتتساند لصده وردعه.
تمثلت أهداف عصبة الأمم بعدة مبادئ نص عليها ميثاقها، وأهمها تشجيع السلام والمحافظة عليه، ومحاولة منع الحروب وتعزيز التفاهم بين الدول الأعضاء، والابتعاد عن الدبلوماسية والاتفاقات السرية وذلك عن طريق تسجيلها وإيداعها لدى المنظمة، هذا إضافة إلى تناول العديد من المسائل الاقتصادية والاجتماعية التي تهم الإنسانية ككل.
ورغم أن العصبة لم تستطع تحقيق أهدافها عموماً، إلا أنه يمكن القول بأن قيام العصبة كان في وقته أحد أهم المحاولات الدولية الجادة في مجال تنظيم الساحة الدولية في ضوء النتائج المريرة التي سببتها الحرب العالمية الأولى.. لذلك تعد العصبة قفزة نوعية في مجال التنظيم الدولي لأنها كانت التجربة الأولى في تاريخ البشرية التي تم فيها إنشاء منظمة دولية سياسية ذات طابع عالمي ومزودة بأجهزة دائمة (2).
لكن الآمال التي عقدت على العصبة من حيث استتاب الأمن والسلام الدوليين ومنع الحروب اعتماداً على مبدأ الأمن الجماعي، والتزام الدول الأعضاء بعدم اللجوء للقوة في نزاعاتها، وباحترامها القانون الدولي ومبادئ الحق والعدل الدوليين، سرعان ما تبخرت في ضوء العديد من الوقائع على الساحة الأوروبية.. إذ تبلورت منذ عام 1919م، العديد من العقائد المتطرفة التي حاولت تغيير الأوضاع القائمة في أوروبا والعالم اعتماداً على شعارات وأساليب عمل بنيت على التعصب الفكري والاجتماعي والقومي وتمثلت في الشيوعية والنازية والفاشية.
ونتيجة السياسات التي اتبعها أنصار هذه العقائد والتحالفات فيما بينهم أصبح هناك خلل واضح في استقرار الأوضاع على الساحة الدولية عموماً وعلى الساحة الأوروبية بوجه خاص، ما أضعف من جدوى الترتيبات السياسية والقانونية والأرضية التي عكستها نتائج الحرب العالمية الأولى، وأدى إلى وجود هوة كبيرة بين مصالح الدول المتطرفة ومتطلبات الاستقرار والأمن والسلام الدولي، الأمر الذي أشعل لهيب الحرب العالمية الثانية وأذن رسمياً بموت عصبة الأمم كهيئة دائمة تستطيع تحمل أعبائها التي أنيطت بها.
لقد دفع قيام الحرب العالمية الثانية بالدول المتحالفة ضد المانيا وايطاليا الفاشية بقيادة كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي التفكير بإيجاد منظمة دولية جديدة تحل محل عصبة الأمم التي انهارت حال اندلاع الحرب.
ميلاد الأمم المتحدة
تبلورت فكرة الأمم المتحدة إثر عدة اجتماعات عقدت أثناء الحرب لعل من أهمها اجتماع واشنطن عام 1942م، الذي ضم 26 دولة متحالفة تعهدت آنذاك بأنها ستواصل الحرب ضد دول المحور.. وقد تلا ذلك إعلان موسكو، عاصمة الاتحاد السوفياتي، بتاريخ 30 أكتوبر، 1943م، والذي اتفق عليه بين وزراء خارجية الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبريطانيا والصين.. ولقد أوضح الإعلان تعهد الدول الأربعة ببذل الجهود لإنشاء منظمة دولية شاملة تقوم على أساس السيادة والمساواة بين كل الدول المحبة للسلام، وتكون مفتوحة العضوية لكافة الدول كبيرها وصغيرها، من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين (3).
واستمرت المشاورات بين الحلفاء لبلورة فكرة إنشاء المنظمة الدولية بشكل اكتسبت معه أهمية ملحوظة وذلك حين ادرجت على جدول أعمال اجتماع طهران في 28 نوفمبر، 1943م، الذي عقد بين الرئيس الأمريكي روفيلت والسوفياتي ستالين والبريطاني تشرشل.
وفي عام 1944م، دعت الولايات المتحدة الأمريكية لعقد مشاورات حول الموضوع نفسه في دومبرتون أوكس Dumbarton Daks في منطقة واشنطن، العاصمة الأمريكية، وفي هذا اللقاء الذي شاركت فيه كل من بريطانيا والصين والاتحاد السوفياتي، تمت مناقشة صيغة مشروع الميثاق العتيد لهذه المنظمة، ووضعت مسودة له وزعت على الحلفاء في الحرب.
وكان الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفيلت هو من أطلق اسم «الأمم المتحدة» على هذه المنظمة الجديدة (4).
وشكلت الصيغة المقترحة لمسودة الميثاق من قبل الدول الأربعة الكبرى أساس المناقشات التي تمت في مؤتمر سان فرانسيسكو الذي عقد في عام 1945م، الذي نجم عنه التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة من قبل إحدى وخمسين دولة، معلناً بذلك ميلاد الأمم المتحدة، المنظمة الدولية العالمية الطابع.
وكانت المملكة العربية السعودية إحدى الدول المؤسسة للأمم المتحدة، حيث شاركت في هذا المؤتمر وإلى جانبها بعض الدول العربية وهي مصر والعراق ولبنان.
ومنذ إنشائها كبديل للعصبة، أضحت الأمم المتحدة إطاراً مؤسسياً دائماً له ثقله الواضح على الساحة الدولية بسبب عدة مزايا هامة منها:
٭ عالمية العضوية في المنظمة.
٭ ابتعادها عن الهيمنة الأوروبية.
٭ اتباعها لمبدأ الاقتراع العلني.
٭ احترامها لمقتضيات الإجماع والأغلبية.
٭ تمتعها بمرونة واضحة بالنظر إلى الأجهزة الرئيسية التابعة لها والمهام المناطة بها.
٭ اهتمامها بكثير من الأمور الاقتصادية والاجتماعية والحضارية إلى جانب الشؤون السياسية الدولية.
وينبغي التنويه كذلك بحرص الأمم المتحدة على تعزيز المناداة بالعديد من المبادئ الأساسية في المجتمع الدولي لعل في طليعتها حق تقرير المصير للدول، وحقوق الإنسان التي شكلت فيما بعد أهم أولياتها السياسية والاجتماعية على الساحة الدولية.
وإضافة إلى ذلك أعطى ميثاق الأمم المتحدة للأمين العام وبوضوح صلاحيات أوسع من تلك التي نص عليها ميثاق العصبة لأمينها (5).
وفي ضوء هذه الحقائق أصبحت الدول تتطلع إلى هذه المنظمة الجديدة بتفاؤل وآمل أن تستطيع تحقيق متطلبات النظام الدولي في مختلف الميادين وتحت كافة الظروف السياسية أو الأزمات الدولية.
لقد جسد الميثاق في مادته الأولى أهداف الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين وفي تعزيز العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون في كافة الميادين الأخرى، وتنسيق الأنشطة الدولية وتوجيهها لخدمة أهداف هذه المنظمة.
وأكدت المادة الثانية من الميثاق على أن المبادئ التي تلزم الدول الأعضاء بالتقيد بها هي:
1 – مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء.
2 – تنفيذ الالتزامات بحسن نية.
3 – حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية.
4 – تحريم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
5 – معاونة الأمم المتحدة فيما تتخذه من اجراءات.
6 – تنظيم العلاقات مع الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة.
7 – الامتناع عن التدخل في المسائل التي تتعلق باختصاص الشؤون الداخلية للدول.
في ظل هذه المبادئ والأهداف تطلع العالم مجدداً إلى هذه المنظمة الفتية لكي تلعب دورها المأمول في حفظ الأمن والسلام الدوليين، وفي تحقيق الاستقرار في مختلف بقاع العالم.
وفوق هذا كله، كان الميثاق مصدر أمل للعديد من الشعوب التي كان بعضها يرزح تحت وطأة نظم استعمارية ظالمة، حيث أكدت الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن العلاقات الودية بين الأمم تقوم على أساس مبادئ المساواة في الحقوق بين الشعوب وفي مقدمتها حق هذه الشعوب بتقرير مصائرها واتخاذ كافة التدابير الملائمة لتعزيز السلام العالمي.
ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن ترى مختلف الدول أن تأكيد الأمم المتحدة على مسألة حق تقرير المصير هو اعتراف ملموس بحرص هذه الهيئة العالمية على تحرير العالم من قبضة الاستعمار وتخليص شعوبه من أغلال الاستعباد والهيمنة الأجنبية.
المراجع:
1 – James E. Doughefy and PFaltzgraff. Contending Theories of International Relations (New York longmans, 7991). P. 19.
2 – حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن (الكويت: عالم المعرفة، أكتوبر 1995م)، ص 22.
3 – A. LeRoy Bennet, International Organizations, (New Jersey, Englewood Cliffs: Printice Hall, 5991) P. 74
4 – Amos yoder, The Evolutions of the United Nations system, (washington DC: Tayler and Francis, 7991) P. 62
5 – المرجع السابق، ص 29.