أ.د. أحمد محمد وهبان

نظرة نقدية للمشروع السياسي الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

تمثل مصر في المشروع السياسي الإسلامي الإقليم القاعدة‏,‏ إذا ما استعرنا هذا المفهوم من المفكر القومي الراحل نديم البيطار‏,‏ إبان صعود المد القومي والتحرري لمصر الناصرية‏;‏ فمصر هي المؤهله‏,‏ لقيادة المشروع السياسي الإسلامي‏
وتعميم النموذج الذي يمكن أن يفضي إليه حكم الإسلاميين في العالم العربي.
ويرتبط بمصير التجربة الإسلامية في الحكم في مصر مصير ومستقبل تجارب الحكم الإسلامية في العالم العربي سواء تلك التي سبقت مصر أو تلك التي قد تلحق بها, وذلك بحكم تاريخ مصر الحديث والذي تميز بقدرتها علي تصميم وتقديم النموذج الذي يتجاوز في تأثيره حدود مصر, بحكم ثقلها التاريخي والبشري والرمزي إن في علاقتها بالعالم العربي أو بالعالم الإسلامي أو بالعالم أجمع.
ويخطئ من يتصور من الإسلاميين أو من غيرهم, بأن السيطرة علي مقاليد الحكم هي نهاية المطاف, أو أنها تعني اجتياز المشروع الإسلامي السياسي للاختبارات اللازمة للسيطرة علي الحكم, ذلك أن وصول الإسلاميين إلي الحكم تم في لحظة تاريخية ومصادفة تاريخية, أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام2011, والفراغ الذي أعقب انهيار النظام ورموزه, وافتقاد الثورة والثوار للتنظيم ولرؤية لليوم التالي لنجاح الثورة, وهكذا أتيح للإسلاميين الأكثر تنظيما والأوفر قدرة إيديولوجيا وماديا الصعود المفاجئ للحكم, وفق المسار الذي أيدوه ووقفوا بكل قوتهم وراءه رغم معارضة القوي الثورية.
علي النقيض من ذلك فإن السيطرة علي الحكم كشفت عن حجم التحديات والاختبارات التي تواجه المشروع الإسلامي السياسي في المدي المنظور والمتوسط; تلك التحديات والاختبارات التي تمثل الخلفية العميقة والمصدر الرئيسي لارتباك الحكم واهتزاز المؤسسات واستفحال التناقضات والانقسامات في مقدمة هذه التحديات يجيء الانتقال المفاجئ من المثال السياسي والفكري إلي الواقع المعقد بمشكلاته المتراكمة عبر العقود, وهو ما عني أيضا الانتقال من صفوف المعارضة إلي الحكم دون تدرج في ممارسة الوظائف القيادية في المستوي الوسيط او المحلي ودون معرفة بدهاليز الإدارة البيروقراطية في الدولة المصرية العريقة.
يعيب هذا الانتقال أمران الأول أنه تم دون رؤية شاملة, تتسع لتعقيدات الواقع المصري ومشكلاته المتراكمة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا, بل وقفت هذه الرؤية لدي شعارات تستعصي علي الترجمة إلي قرارات وسياسات واقعية; شعارات تقف عند الطقوس والشعائر بأكثر مما تقف عند التشخيص الدقيق للمشكلات وبلورة الحلول الواقعية الممكنة; مثل شعار الإسلام هو الحل أو حتمية الحل الإسلامي أو تطبيق أحكام الشريعة وعديد من الشعارات الأخري التي تضع الإخوان والحركات الإسلامية في مواجهة المجتمع وبعض الشرائح النشطة والفاعلة وكذلك في مواجهة بعض مؤسسات الدولة المصرية.
والحال أن غياب الرؤية أو اقتصارها علي الشعارات, صادر إمكانية تطور هذه الرؤية أو تعزيز مرونتها علي ضوء الممارسة السياسية, وتحمل مسئوليات الحكم, حيث يصعب التنازل عن الشعار الذي يعتقد أصحابه أنهم وصلوا للحكم بسببه.
أما الأمر الثاني الذي عاب هذا الانتقال فيتمثل في أن الانتقال من المثال إلي الواقع والاصطدام بتعقيد المشكلات ومضاعفات ومسئوليات الحكم, لم يقترن به تحفيز خلق وصياغة رؤي وإسهامات واجتهادات تواكب هذا التعقيد وتتعامل معه وتحول دون تراكم هذه المضاعفات, بل علي العكس اقترن ذلك إما باعتبار هذه التعقيدات تتم بفعل فاعل, أو من قبل مؤامرة تحاك خيوطها داخليا وخارجيا, أو بتبني سياسات سبق للنظام السابق تبنيها وثبت عدم فاعلياتها.
وفي الحالين تراكمت المشكلات وتعمقت الانقسامات وارتفعت وتيرة الاحتجاجات الشعبية والمطلبية, وانفصل مسار الحكم والسلطة عن مسار الثورة ومطالبها, وأصبح التعويل علي عنصر الزمن ضروريا في غياب آفاق الحلول, وفي انتظار إنهاك المعارضين والمحتجين في نهاية المطاف وقبولهم وتسليمهم بالأمر الواقع الجديد.
أما التحدي الثاني فيتعلق بضرورة التكامل بين الإسلام والعصر, أي أن يقدم الإسلام والإسلاميون الذين يتخذونه مرجعية إسهامه الكوني للحضارة الحديثة بالقدر الذي يستفيد به المسلمون من الحضارة العالمية المعاصرة; ذلك أن المعادلة التي حكمت العلاقة بين الإسلام والعصر الحديث, هي بوضوح علاقة المستقبل والمرسل, الأول بصفته متلقيا غير فاعل والثاني باعتباره الفاعل والمؤثر والمنتج إن للقيم أوان للسلع المادية, وهو الأمر الذي يفترض أن تكون بداية حكم الإسلاميين نقلة نوعية في طبيعة هذه العلاقة وآلياتها وإعادة هيكلة هذه العلاقة, بحيث يكون العالم الإسلامي مساهما في تعميق الجانب الروحي والمعنوي في الحضارة وإغناء الحداثة والعصرنة عبر إيجاد تكامل بين الجوانب الاخلاقية والجوانب المادية تماما بذات القدر الذي تزودنا به الحضارة الحديثة من مقومات لتعزيز وترقية الوجود المادي والمعيشي.
وهذا الامر بالتأكيد يقتضي النظر إلي الإسلام ليس فحسب كعقيدة, ولكن أيضا بنظرة تاريخية, تمكننا من فهم الإسلام التاريخي والحضاري, وكيف كان معلما لأوروبا في الفلسفة والمنهج العلمي والتراث اليوناني, واقتباس الديناميات الفكرية والعقلية التي مكنت الإسلام والعلماء المسلمين من شغل هذه المكانة الريادية وثالث هذه التحديات يكمن في الفصل بين مسار الثورة ومطالبها ومسار السلطة ومتطلباتها, وهذا الفصل تعسفي إلي حد كبير وهو ما يفسر قول الكثيرين من النشطاء والثوار حول اختطاف الثورة من قبل الإسلاميين, وهذان المساران مرتبطان ارتباط السبب بالنتيجة, فوصول الإسلاميين إلي الحكم لم يكن ممكنا إلا في سياق التداعيات والمناخ الذي خلقته الثورة, والسلطة والثورة في مصر ما بعد الثورة لا ينفصلان بل يمثلان وجهين لعملة واحدة فالسلطة ينبغي أن تكون معبرة عن الثورة ومطالبها.
في حين أن واقع الحال وطوال الشهور التي أعقبت انتخاب الرئيس بقيت مطالب الثورة عالقة علي الأبواب, وعندما تذكر فلمجرد إبقاء الأمور علي ما هي عليه وتأمين السير في المسار الذي تحدد بمعزل عن الثوار وممثليهم السياسيين, وبمعزل عن المطالب الشعبية, لقد اختزل هذا المسار الثورة في صندوق الانتخاب واعتبر هذا الصندوق أنه كل الثورة وليس جزءا منها وأصبح القائلون بغير ذلك جزءا من الثورة المضادة. وما لم يتمكن الإسلام السياسي من صياغة أجوبة واضحة ومتوازنة لهذه التحديات فإنه من الصعب القول بنجاح المشروع.
إن غياب النقد والتقييم والمراجعة واحتجاب فضيلة الاعتراف بالأخطاء تمثل المرجعية المثالية للاستمرار في الارتباك وتآكل المصداقية, والوصفه النموذجبة للفشل وإعادة إنتاجه.

Leave a Comment