أ.د. أحمد محمد وهبان

هل فشلت التجربه الاشتراكيه..؟

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الحركان

ما تزال المناقشات والطروحات التي قدمت، إلي الآن، قاصرة عن تفسير فشل التجربة الاشتراكية في كل من الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية، وعاجزة عن الإحاطة بكل العوامل الكامنة وراء هذا الفشل. إن هذا الموضوع يستدعي المزيد من البحث والمناقشة، والمزيد من التأني قبل التسرع في تقديم الأحكام والاستخلاصات. وعلي عكس التوجه السائد حتي الآن لعدد غير قليل من الباحثين والمفكرين والسياسيين الذين سارعوا لتقديم تحليلات بسيطة وأحياناً سطحية، ترجع ما حدث من فشل للتجربة الاشتراكية إلي مؤامرات إمبريالية خارجية، أو ترجمة إلي دور فرد خارق (غورباتشوف)، استطاع أن يغير مجري الأحداث، إن هذا التوجه التبسيطي لتحليل ما جري لا يكفي، بل لا بد من الغوص في عمق الأحداث، واعتماد منهج مناسب للاقتراب من حقيقة ما جري وما يجري، وتحليل التناقضات والتعقيدات التي اكتنفت تطور ثورة تشرين الأول (أكتوبر) في عام 1917 في الاتحاد السوفييتي عبر مسار علي مدي أكثر من سبعة عقود، وهذه مهمة ليست بالمهمة السهلة وبخاصة عندما يكون التاريخ الذي سيضعنا علي تماس مع ما جري خلال هذه الفترة لم يكتب بموضوعية وشمولية ويبقي تاريخاً ناقصاً فرض عليه أن يبقي في خدمة السلطة بشكل مباشر.
أين تكمن نقطة الانكسار (لحظة الانعطاف) والتراجع، في التجربة الاشتراكية التي انهارت في الاتحاد السوفييتي وباقي دول أوروبا الشرقية؟ لتحديد نقطة الانكسار أهمية كبيرة. يُعد بعضهم أن لحظة الانكسار تبدأ مع انتصار ثورة 1917 في الاتحاد السوفييتي، وآخرون يرون أنها تبدأ مع استلام ستالين للسلطة في أواخر الثلاثينيات، وفئة ثالثة تري أن الانعطاف بدأ عندما تسلم غورباتشوف السلطة في نيسان (ابريل) 1985. وهناك من يري أن نقطة الانعطاف تبدأ مع انقسام الحركة الشيوعية العالمية (الخلاف السوفييتي ــ الصيني). وهناك من يجعل المحور الاقتصادي داخل الاتحاد السوفييتي هو المسؤول عن الفشل ومع بداية تراجع الاقتصاد بدأت لحظة الانعطاف والتراجع وبخاصة عندما وصلت القوي المنتجة إلي نقطة تتطلب حلولاً جذرية وجديدة للمشكلات الاقتصادية الجديدة التي ظهرت.
ولفهم ما جري من فشل للتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ودور أوروبا الشرقية يجب أن نفهم عالمية الصراع بين القوتين الأساسيتين الموجودتين علي كوكبنا (الرأسمالية والاشتراكية). ذلك لأن الكـرة الأرضية اليوم واحدة أكثر من أي وقت مضي. وهذا يسمي الظرف الخارجي المحيط بالتجربة. إن إمكان الفشل للتجربة الاشتراكية ما كان ليتم دون وجود الظرف الخارجي (التآمر) والتآمر الخارجي لم يكن قادراً علي تحقيق أهدافه لولا وجود الإمكانات والتربة التي تسمح له بذلك.
إن ما حصل في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية من فشل للتجربة الاشتراكية ليس شيئاً مفاجئاً أو طارئاً. انه تراكم طويل ومعقد لمشكلات عديدة ظهرت ولم تواجه أو ظهر عجز في مواجهتها أو حلها، الأمر الذي أدي في النهاية إلي الانهيار السريع المريع الذي حدث في المعسكر الاشتراكي. إن فشكل التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي لم يكن يعني فقط تغيير الخيار من نظام اقتصادي اجتماعي قائم إلي نظام اقتصادي اجتماعي آخر، وإنما يعني أيضاً تغيير البني والإدارات الاقتصادية، وتغيير الاختصاصات الإدارية للدولة، وكذلك التراجع عن دور القوة العظمي وترك الساحة للنظام الرأسمالي والرأسمالية الدولية بقيادة الإدارة الأمريكية.
(لذلك انهار حلف وارسو، والأنظمة الاشتراكية في دول أوروبا الشرقية، وتمزق الاتحاد السوفييتي ووصل التمزق والحروب الأهلية علي نطاق ضيق أو واسع إلي جمهورياته، ودخلت عمليات التخريب الرأسماليـة الدولية إلي كل أراضي الكتلة الاشتراكية السابقة، فانهارت العملات وهدرت الثروات، التي بنيت بعرق وتضحيات أجيال عديدة من شعوب تلك البلدان، ومن جملة ذلك بيعت بأبخس الأثمان 11000 مؤسسة من أكبر المؤسسات الصناعية في روسيا، وتستمر تصفية الملكية الجماعية بمعدل 800 مؤسسة في الشهر، وتجري حركة مشابهة في بولونيا وهنغاريا وسلوفاكيا وتشيكيا، الخ…).

التجربة الاشتراكية السرفييتية
لقد كان لانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية الدور الأول في إنتاج نظام اقتصادي عالمي جديد بدت السيطرة فيه لثلاثي مؤلف من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان وبزعامة الولايات المتحدة. وتسيطر النخبة في هذه الدول علي النشاط الاقتصادي العالمي والأدوات الاقتصادية الممثلة في البنوك المركزية، والبورصات، والبنوك الخاصة، والاحتكارات الإنتاجية والتجارية علي الصعيد العالمي من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية التي ظهرت إلي الوجود حديثاً. ويمكننا توضيح السيطرة الاقتصادية لهذه الدول بالمؤشرات التالية: يسيطر علي الاقتصاد العالمي حالياً نحو 37 ألف شركة متعددة الجنسية إضافة إلي فروعها التي يبلغ عددها في مختلف أنحاء العالم نحو 170 ألف فرع تعمل في المجالات كافة. وتستحوذ خمسة بلدان رأسمالية متطورة علي نحو 172 شركة من أصل 200 شركة من أكبر الشركات المتعددة الجنسية.
إن التوزيع الراهن للدخل العالمي ينطوي علي اختلال هائل يتفاقم مع مرور الزمن، فبينما كان نسبة دخل الخمس الأغني من سكان العالم إلي دخل الخمس الأفقر لا تزيد علي 30 ضعفاً في عام 1960 أصبحت في بداية التسعينيات في هذا القرن تتجاوز 150 ضعفاً. ويصبح التفاوت أكبر بكثير إذا تمت المقارنة بين أغني دول الشمال بأفقر دول الجنوب. ففي سويسرا بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي عام 1989 أكثر من 29800 دولار فقي حين لم يتجاوز الثمانين دولاراً في موزمبيق.
(إن النظام الرأسمالي في مراكزه يعيش جملة معقدة من الأزمات العميقة التي لا قبل له، بسبب من طبيعته، بعلاجها، وبالأحري تجاوزها أزمات داخل كل بلد تضغط باتجاه تفجير أزمات فيما بين الدول والمراكز الإمبريالية الكبري، أزمات إذا لم تكن تهدد الآن أو في المستقبل المنظور مصير هذا النظام، إلي أن خطورتها التي تتركز علي شعوب الأطراف، بما فيها اليوم شعوب الاشتراكيات المنهارة، لا حدود لها، من حيث قتل هذه الشعوب بالحروب والمجاعات والأمراض والتمزق وغيرها).
كما يبدو التناقض والصراع داخل الرأسمالية، داخل النظام الرأسمالي تشتد المنافسة والمزاحمة بين الأقطاب الثلاث (أمريكا، الاتحاد الأوروبي، اليابان) وبين الأقطاب وأنصاف الأقطاب (منها النمور السبعة)، وبين الأقطاب وأنصاف الأقطاب من جهة ودول العالم الثالث والعالم الرابع من جهة ثانية. هذه المنافسة التي تتحول غالباً إلي حروب اقتصادية، منها ما حصل بين الولايات المتحدة واليابان فيما يتعلق بتصدير الرز الأمريكي إلي اليابان وتصدير السيارات اليابانية إلي أمريكا. والاختلاف التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

Leave a Comment