واجبات الحاكم المسلم
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله البقمي 8
واجبات الحاكم المسلم
الواجب الأكبر على الحاكم المسلم يتمثل في القيام بأعباء المنصب على أكمل وجه ، وولاية الأمر فى الدولة الإسلامية ما هي إلا وسيلة للقيام بحفظ الدين وسياسة الدنيا به ولا يمكن أن نغفل ما بين الأمرين من تداخل .
الواجبات الدينية للحاكم المسلم :
والدولة الإسلامية القائمة على دين الإسلام لا تتخلى عن هذا الدين ولا تتنصل منه ، ولهذا فهى تقوم على نشره ، والدعوة إليه ، وحث الناس على الالتزام بشرائعه وشعائره ، وتعتبر هذا من أوجب الواجبات ، وحراسة الدين وحفظه لا يتم إلا بأمور عديدة هامة :
1.تبليغ العلم وتعليمه :
لقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين ، وجعل لهذا الحفظ وسائل عديدة ، يقوم بها عباده المؤمنون ، من حفظٍ فى الصدور ، وتدوين فى الكتب ، وتعليم للعلم ، لذلك كان من وسائل حفظ القرآن الكريم : جمعه فى مصحف واحد فى عهد أبى بكر ، وجمع الناس على المصحف الإمام فى خلافة عمان ، وكان من وسائل حفظ السنة : اجتهاد العلماء والمحدثين فى حفظ الأخبار ، وتدوينها فى المسانيد والجوامع والأجزاء .
وينبغى على ولى الأمر أن يباشر عملية حفظ نصوص الدين وتبليغ العلم ، ليوحد الجهود المبذولة فى هذا الشأن ، حتى لا تتعرض للشتات ، ولك أن تتصور الحال لو لم يقم الصديق ومن بعده ذو النورين بجمع القرآن ، وما قام به من بعدهم من خدمة للقرآن الكريم بوضع النقاط والشكل على الحروف لتيسير تلاوته وحفظه ، ولقد كان عمر ابن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلم الناس السنن والفقه ، وهو الذى أمر بتدوين السنة وجمعها ، ولا يتوقف دور الحاكم عند هذا الحد ، بل يجب عليه إنشاء المدارس والمعاهد العلمية ، التى تقوم على نشر العلم ، وإعداد العلماء ، ويجب عليه أن يكفل أرزاقهم ، لضمان تفرغهم لهذا الشأن ، ويجب عليه أن يقيم للناس من يفتيهم فى أمور الدين من العلماء والفقهاء .
ويجب عليه أن يتصدى برجاله من علماء الأمة لنبذ البدع وأهلها ، وإقامة السنن ، ورد شُبه المشككين ، وزيغ المعاندين ، حتى يحفظ الدين على أصوله المستقرة .
ولا يقتصر دور الحاكم على نشر العلم وحفظ الدين داخل حدود الدولة ، بل ينبغى عليه أن يبعث البعوث ويرسل الإرساليات لعرض الدين على الناس وإقامة الحجة عليهم .
2.القيام على شعائر الدين :
من أهم واجبات الحاكم المسلم : القيام على شعائر الدين ، وتعظيمها ، السهر على حمايتها ، فيدعو المسلمين لإقامة هذه الشعائر ، وييسر لهم سبيل أدائها على الوجه الأكمل ، ويعاقب من يهمل فى أداء شىء منها أو يجحدها وينكرها .
وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الخروج على الحكام ما داموا مقيمين للصلاة التى هى من أهم هذه الشعائر، وإن كانوا مفرطين ومضيعين لبعض الحقوق ، فقد أخرج مسلم فى صحيحه : عن أم سلمة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : “ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برىء ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضى وتابع” . قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟ .قال : ” لا ما صلوا ” . وفى حديث عوف بن مالك الأشجعى : قالوا أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : ” لا ما أقاموا فيكم الصلاة ” .
ولاشك أن إقامة الصلاة أشمل وأعم من مجرد تأديتها ، فإقامتها تفيد أداءها على الوجه الأكمل بأركانها وسننها ، وتفيد الأمر بتعليمها وتعاهدها ، ورعاية المساجد والأئمة ، وتعزيز تاركها على الوجه الذى بينه أهل العلم .
ومثل هذا يقال عن الزكاة وعن الحج إلى بيت الله الحرام ، فيقوم ولى الأمر بتحصيل الزكاة من الأغنياء ، ودفعها إلى مستحقيها عن طريق معاونيه من المصدقين أو العاملين عليها ، ويأخذها قهراً ممن يمنعها ويعزره التعزيز المناسب ، بل ويقاتل الطائفة المجتمعة على منعها ، كما فعل الصديق رضى الله عنه .
ويقوم الحاكم برعاية البلد الحرام وتهيئته لاستقبال الحجيج ، وتيسير سبل المواصلات والعناية بأمن الطريق .
ويقوم – أيضاً – بتحرى رؤية هلال رمضان وشوال وذو الحجة ، ويُعين للناس من يقوم على أمر التعليم والفتوى وذلك لتيسير إقامة هذه الشعائر .
3.الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر :
وهو واجب على المسلمين بحسب قدرة كل واحد منهم ، ولاشك أن الحاكم أكثر قدرة على تغيير المنكرات من غيره بما يملك من سلطة ، وبما له من حق الطاعة ، ويعين الحاكم من يساعده فى أداء هذا الواجب من الولاة والعمال ، ولقد عرف المسلمون الأوائل وظيفة المتحسب ، وهو الذى يتولى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مستعملاً لسلطة الحكم فى ذلك .
الواجبات السياسية للحاكم المسلم :
وهذه الواجبات ليست منفكة عن الدين ، بل هى حفظ له ، وسياسة للأمة به ، ومن أظهر هذه الواجبات :
1.إقامة العدل وفق أحكام الشرع :
تكلمنا من قبل عن العدل كأساس للحكم فى الدولة الإسلامية ، وقلنا : إن الحكم بما أنزل الله ، وبما شرع ، هو أساس العدل فى الإسلام . ” لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ” (الحديد : 25 ) .
والإمام العادل ، هو : الذى يتبع أمر الله تعالى ، فيضع كل شىء فى موضعه الذى أمر به الله من غير إفراط أو تفريط .
ولإقامة العدل فى الدولة الإسلامية مظهران :
الأول:تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين ، وقطع الخصام بين المتنازعين ، حتى تعم النصفة ، فلا يتعدى ظالم ، ولا يضعف مظلوم ، وهذا أحد المظاهر الهامة فقرار العدل ، حتى لا تعم الفوضى .
وعلى الإمام تعيين القضاة الذين يتولون ذلك ، وإنشاء المحاكم ، وبيان الإجراءات التى تنظم عملية التقاضى .
الثانى :إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك .
2.الحفاظ على الأمن العام والسكينة والنظام :
فيجب على الإمام أن يعد العدة لحماية المواطنين ، وضمان أمنهم وسلامتهم ، وتعيين القائمين على ذلك .
3.الدفاع عن الدولة والدين :
يجب على الإمام أن يعد العدة للجهاد وتأمين دولة الإسلام من أى اعتداء ، وعليه أن يتخذ الوسائل اللازمة لذلك مثل تجهيز الجيوش وتطويرها ، وتحصين الثغور ، قال تعالى “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ” ( الأنفال : 60 ) .
4.توجيه السياسة المالية للدولة وفق الضوابط الشرعية :
فالسياسة المالية عبارة عن موارد الدولة ومصارفها ، والأمام مسئول عن توجيه هذه السياسة فى حدود ما شرعه الله تعالى .
وهذا الواجب لا يقع على عاتق الإمام ومعاونيه فحسب ، بل يجب على عموم المسلمين أن يتعاونوا مع ولاة الأمور فى سبيل تحقيق ذلك ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ” (النساء : 58 ) .
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان” ( المائدة : 2 ) .
فعلى الإمام ونوابه : أن يعطوا كل ذى حق حقه ، وعلى الرعية أن يؤدوا ما عليهم من حقوق ، ولا يجوز لهم أن يمنعوا ما يجب عليهم دفعه إليه من الحقوق حتى وإن كان ظالماً ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم : ” أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ” ( مسلم ) .
وقال : ” إنكم سترون بعدى أثرة وأموراً تنكرونها ” قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : ” أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم ” ( مسلم ) .
وهذا من قبيل طاعتهم فى طاعة الله ، ومعصيتهم فى معصية الله ، مع استمرار النصح لهم ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأمور ما لا يستحقون ، فيكونون من جنس من قال الله فيهم ” وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ” ( التوبة : 58 ) .
وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم ، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ، وليسوا ملاكاً ، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول : ” إنى والله لا أعطى أحداً ولا أمنع أحداً ، وإنما أنا قاسم أضع حيث أُمرتُ ” ( البخارى ) .
وواجب على ولى الأمر أن يحاسب ولاته وعماله حساباً دقيقاً ، حتى يقيم عوجهم ، ويصلح أخطاءهم ، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يستوفى الحساب على العمال ويحاسبهم على المستخرج والمصروف .
5. تعيين الولاة والموظفين ورسم السياسة العامة للدولة :
فالولاية أمانة ، وعلى الإمام يقع عبء هذه الأمانة ، فيجب عليه أن يولى على كل عمل من الأعمال أصلح من يجده لهذا العمل دون محاباة ، وإلا كان خائناً مضيعاً لأمانته .
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” ( الأنفال : 27 ) .
وقد دلت سنة النبى صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها فمن ذلك ما رواه البخارى عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ” . قيل : يا رسول الله : وما إضاعتها ؟ قال : ” إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ” .
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لأصدق الناس لهجة : ” يا أبا ذر إنك ضعيف ، وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها ” . مسلم
وعلى الإمام يقع عبء رسم السياسة العامة للدولة والعمل على تنفيذها ، وذلك فى إطار الشرعية الإسلامية ومع مراعاة المبادئ الإسلامية العامة ، كمبدأ الشورى والعدل ، وللإمام فى ذلك سلطة تقديرية واسعة حيث لم تأت الشريعة بتفصيلات ذلك وإنما جاءت بمبادئ عامة وقواعد كلية .
والإمام مسئول أمام جماهير المسلمين بصفة عامة ، وأمام أهل الحل والعقد بصفة خاصة ، وللأمة أن تحاسبه عن أعماله ، ولنا فى ذلك مبحث آخر
حقوق الحاكم المسلم وواجباته
الحق والواجب وجهان لعملة واحدة ، فكل حق مشروع يقابله واجب يتعين أداؤه ، وأوامر الدين ونواهيه تتضمن فى الكثير منها واجبات على طرف من الأطراف فى طيها حقوق لطرف آخر . وهذا ما نراه واضحاً فى علاقة الحاكم المسلم بالأمة ، فللأمة حقوق على الحاكم تندرج جميعاً تحت حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، وللحاكم حقوق على الأمة تتمثل فى وجوب طاعته ومناصحته ومناصرته وكفالته .
أولا : حقوق الحاكم المسلم :
1. الطاعة :بينا – من قبل – أن طاعة أولى الأمر مبدأ من مبادئ الحكم الإسلامى ، وأساس من أسسه : ” يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ” (النساء : 59 ) .
وطاعة الحاكم فرع من إمامته : ” إنما جعل الإمام ليؤتم به ” وحق من حقوقه بنص القرآن وصحيح السنة ، فرضها ذلك الوضع القيادى الذى يشغله الحاكم ، فالأمة : لا بد لها من قائد يسوسها بشرع الله تعالى ، وإلا تعرضت للتخبط والضياع .
ولا يشترط فى الطاعة أن يكون الحاكم قد وصل إلى السلطة بالطريق المشروع ، ولا أن يستكمل الشروط المطلوبة، فطاعة المتغلب وغير مكتمل الشروط واجبة ، وطاعة الإمام الجائر واجبة ، وطاعة الإمام الجائر واجبة ، كما نص على ذلك الأئمة والفقهاء ، وذلك الأئمة والفقهاء ، وذلك حتى تُحفظ للأمة وحدتها ، وللشريعة سيادتها ، والطاعة تكون فى المعروف ، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، والمعروف الذى تجب فيه الطاعة هو : ما وافق الشرع ولم يخالفه ، وهى دائرة واسعة لا تقتصر على مجرد تنفيذ الأوامر الشرعية ، بل تمتد لتشمل الأمور التى تنبنى على الاجتهاد ، وعلى هذا : فلو أمر الحاكم بأمر لا يدرى وجه المنفعة فيه ، فالواجب على الرعية : طاعته ، ما لم يعلموا كونه معصية ، لأن اتباعه فى محل الاجتهاد واجب كالقاضى .
والمعصية التى يمتنع فيها المسلم عن الطاعة هى : المعصية التى تدل نصوص الشرع على تحريمها ، أما ما يدخل فى نطاق الاجتهاد والتأويل ، فيجب على المسلم فيها طاعة الحاكم وإن كرهها : ” على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ” متفق عليه ، هذا وقد سبق أن فصلنا هذه المسائل فى موضع سابق فليراجع .
2. المعاونة والنصرة والتأييد: وهذا الحق بديهى ، بل هو لازم من لوازم الطاعة ، فطالما ارتضى المسلمون إماماً، فينبغى عليهم التعاون معه فى تحقيق مقاصد الإمامة وواجبات الشرع ، والطاعة صورة من صور المعاونة والتأييد ، كما أن المعاونة والنصرة والتأييد من لوزام الطاعة .
ومن مظاهر النصرة والتأييد : عدم الخروج على الإمام ، وعدم معاونة الخارجين عليه ، وعدم السكوت عليهم سواء كانوا من : البغاة أو المحاربين لقول الله تعالى : “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ” (الحجرات : 9 ) .
والنبى صلى الله عليه وسلم يوجب القيام فى وجه الخارجين على الإمام فيقول : “من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ” .
“من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ” رواهما مسلم .
وكذلك ينبغى على المسلمين بذل المحبة والتقدير لإمامهم وحاكمهم الذى يقودهم إلى ما فيه الخير والصلاح ، ويتحرجون من إهانته وسبه ، فهو يقوم فيهم مقام أحب الخلق إليهم – رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيجب أن يوفى حقه من المحبة والتقدير ، ومن لوازم ذلك : الدعاء له بالهداية والتوفيق والسداد ، عسى الله أن يستجيب لهم ، فيعم النفع جميع المسلمين ، وعلى هذا كان هدى السلف الصالح مع الأمراء .
قال الفضيل بن عياض : لو كانت لى دعوة مستجابة لجعلتها للإمام ، لأن به صلاح الرعية ، فإذا صلح أمنت العباد والبلاد .
3. النصيحة :وهى واجب على الإمام تجاه الرعية ، وواجب على الرعية تجاه الإمام ، لذا يعبر عنها أحياناً بصيغة المفاعلة – المناصحة – وهى مما يحبه الله ويرضاه لجماعة المسلمين ، لذا قال النبى صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، ويكره لكم ثلاثاً : يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ” رواه مسلم ، وقد سبق أن فصلنا هذه المسألة فى مقال مستقل فليراجع .
4. تحديد راتب مالى من خزينة الدولة :
للإمام الحق فى قبض ما يكفيه من بيت مال المسلمين ، وذلك لأنه يعمل ويحترف للمسلمين ، فهو أجير يتفرغ لخدمة المسلمين ، ولأداء الواجبات الملقاه على عاتقه ، فوجب على المسلمين أن يوفروا له ما يسد حاجته نظير تفرغه لهذا العمل .
وقد جعل الله تعالى للعاملين على الصدقات سهماً منها نظير عملهم : “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ” ( التوبة : 60 ) الآية ، والحاكم أحد هؤلاء العاملين ، ليس على الصدقات وحدها ، وإنما على سائر الولايات فى الدولة الإسلامية ، فصار من حقه على الدولة : أن يحدد له راتب يكفيه وأهله ، ليتفرغ للمهام الموكولة إليه .
وقد فطن المسلمون الأوائل إلى هذه الحقيقة فى وقت كان الحاكم فيه يملك البلاد والعباد فى شتى بقاع الأرض ، بينما تقنع الرعية بما يجود به عليهم .
عن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها ، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له : أين تريد يا خليفة رسول الله ؟!
قال : السوق
قلا : تصنع ماذا ، وقد وليت أمر المسلمين ؟!
قال : فمن أين أطعم عيالى ؟
قالا : انطلق حتى نفرض لك شيئاً ، فانطلق معهم ، ففرضوا له .
وعن عائشة قالت : لما ولى أبو بكر قال : قد علم قومى أن حرفتى لم تكن لتعجز عن مئونة أهلى ، وقد شغلت بأمر المسلمين ، وسأحترف للمسلمين فى مالهم ، وسيأكل آل أبى بكر من هذا المال . رواه البخارى .
وهذا الراتب إما : أن يحدد سلفاً فينظمه قانون ، وهذا الذى استقر عليه الأمر فى الدول المعاصرة جمعياً ، وإما : أن يخضع للاجتهاد من أهل الحل والعقد لتحديد ما يستحقه الحاكم ، وهذا يكون قبل سن مثل هذا القانون .
ولا يجوز للحاكم أن يعمل ، أو أن يتربح من طريق آخر بأى حال من الأحوال ، وإن اكتسب شيئاً ولو بطريق الهدية ، فهو لبيت مال المسلمين .
عن حميد بن هلال قال : لما ولى أبو بكر قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : افرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه .
قالوا : نعم ، بُرداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما ، وظهره إذا سافر – يعنى وسيلة المواصلات – ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف ، قال أبو بكر : رضيت .
وعن المستورد بن شداد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة ، فإن لم يكن له خادماً فليكتسب خادماً ، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً ، فمن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق ” .
قال الخطابى : هذا يتأول على وجهين : أحدهما : إنما أباح له اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التى هى أجر مثله ، وليس له أن يرتفق بشىء سواها .
والوجه الآخر:أن للعامل السكنى والخدمة ، فإن لم يكن له مسكن وخادم ، استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله، ويكترى – يستأجر – له مسكن يسكنه مدة مقامه فى عمله .
وفى هذه الحالة يكون المسكن ملكاً للدولة تسترده فى حالة انتهاء مدة الولاية .
هذا عن حقوق الحاكم المسلم ، أما : عن واجباته ففى المبحث القادم إن شاء الله .
—————————
(1) رواه البخارى ( 7217 ) ، ومسلم ( 1823/11 ) من حديث ابن عمر .
(2) رواه البخارى ( 114 ) ومسلم ( 1637/22 ) عن ابن عباس .
(3) رواه البخارى ( 3668 ) .
(4) رواه البخارى( 7207 ) من حديث المِسوَر بن مخرمة .
(5) رواه الطبرى فى ” تاريخه ” ( 4/427 ) وذكرها ابن الأثير فى ” الكامل ” ( 3/98 ) .
(6) رواه البخارى ( 6830 ) من حديث ابن عباس .
(7) رواه أحمد فى ” المسند ” ( 1/114 ) بسند فيه جهالة .
(8) رواه البخارى ( 7219 ) من حديث أنس .
(9) المنتقى من مناهج الاعتدال ص 58 ، وهو اختصار الحافظ الذهبى لكتاب منهاج السنة لابن تيمية