واجب الشعب تجاه الحاكم
كاتب الموضوع الأصلي: رشدي سليمان 1 3
ماهو واجب الشعوب تجاه حكامها؟
الحاكم له أحوال ثلاثة لا يخرج عنها : إما أن يكون عادلا أو جائرا أو كافرا .
فالأول : الحاكم المؤمن العادل .
وهذا اتفقت الأمة جمعاء على وجوب طاعته في غير معصية الله وعلى حرمة الخروج على ولايته ، وجاءت النصوص المتكاثرة في الثناء عليه :
ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ..” فذكره أولهم .
وفي صحيح مسلم مرفوعاً : “مَنْ أَطَاعَ الأمير فَقَدْ أَطَاعَنِى وَمَنْ عَصَى الأمير فَقَدْ عَصَانِى”.
وأخرج أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : “إِنَّ مِنْ إِجْلاَل الله .. إِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ” ، وقد روي موقوفاً وإسناده أثبت .
وفي آية النساء (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) .
فإن أمر بطاعة الله وجبت طاعته لله ثم لأمر ولي الأمر بها ، وإن أمر بما تختلف في مثله آراء الناس مما فيه تنظيم لحياتهم كأنظمة العمل والمرور والبناء ونحوها وجبت طاعته أيضاً لأن أمور الناس لا تنتظم إلا بهذا ، بل عاصيه عاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان عدلا آمرا بالقسط ، وهذا الجنس من الولاة عزيز عزيز .
والثاني : الكافر كفراً طارئاً أو أصلياً.
والكفر الأصلي واضح كأن يتغلب كافر على بلد مسلم كما يجري في فلسطين وكما جرى في العراق ونحو هذا ، وأما الكفر الطارئ بأن يكون في الأصل مسلم ثم يطرأ عليه الكفر بشرك أكبر أو باستباحة محرم معلوم من الدين بالضرورة وغيرها ، وهذه مرجعها لأهل العلم المتحققين في هذه المسائل من أهل السنة ممن لم يتلوثوا بلوثة الإرجاء فيداهنوا الحكام ، أو يتلطخوا ببدعة الخوارج فيكفروا بالشبهة ، فمن ثبت كفره وجب الخروج عليه حين القدرة بالكتاب والسنة والإجماع .
قال تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء :141]
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : “بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في السر والعلن وعلى النفقة في العسر واليسر والأثرة وأن لا ننازع السلطان أهله ، إلا أن نرى كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان” رواه الشيخان .
والثالث : الحاكم الجائر فهو ليس بعدل ولا كافر .
وهذا تجب مناصحته والأخذ على يديه ويحرم الخروج عليه ، فالواجب هنا يقع في صراطٍ بين الخروج والخنوع ، فإذا كان الخروج في هذه الحال لا يجوز فالخنوع كذلك ، وإذا كان الخنوع لا يجوز فالخروج أيضا كذلك لا يجوز .
وهذه المناصحة درجاتها راجعة إلى السياسة الشرعية فكل ما أمكن إزالة المنكر بالأدنى وجب المصير إليه دون الأعلى ، فإن زال المنكر بمناصحة السر اكتفى به ، فإن لم يتحقق المقصود جهر برفق ، فإن لم جهر واشتدد بحسب القدرة وبحسب مقدار المنكر ، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى منكر أشد أو يثير فتنة الخروج على الحاكم الجائر .
فمن لم يؤد الأمانة أو لم يحكم بالعدل بأن مثلا :
1- ولى شخصا لقرابة أو معرفة وغيرُه أكفأ وأصلح منه ، وقد قال عمر بن الخطاب : من ولى من أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين .
2- أو لم يقسم بيت المال بالعدل بل استأثر به هو أو قرابته أو حاشيته بما ليس لهم من بيت المال ، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح “مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ”.
3- أو ظلم أو بغى ، أو أمر بمنكر أو نهى عن واجب أو نشر الفساد أو حماه فقد قال صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ .”
4- أو لم يقم بأمر الصحة أو التعليم أو المواصلات أو الاتصالات ونحو ذلك ؛ كما يجب .
والمقصود انه انتقص شيئا من ركني الولاية العادلة ولنفترض أنه : استشرى في عهده الفساد السياسي أو الإداري أو المالي أو الاجتماعي أو غيرها .
فعندئذٍ ما الواجب على الشعوب .. على الناس للخروج من هذا المأزق ؟
هل يستسلمون للواقع المرير ، ويكتفون بالحوقلة ، وينتظرون الفرج من الله دون مدافعة وعمل ، هذا خلاف العقل والشرعِ معاً .
فما العمل إذا جار الحاكم على الناس لكن لم يروا الكفر البواح منه ؟
في حديث أم سلمة رضي الله عنها في صحيح مسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيكون بعدي أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة .
وحديث أم سلمة يجمع ركني التعامل مع أئمة الجور ، فلا يجوز منابذتهم بالسلاح ، ولا يجوز السكوت على منكراتهم .
فقوله : “فمن أنكر فقد برئ” أي فقد برئ من تبعات المنكر كاملة وأدى ما وجب عليه دون نقصان .
وقوله : “ومن كره فقد سلم” أي سلم من أن يكون شريكا في المنكر وإن لم يسلم من تبعاته كلها لأنه لم ينكر .
ولكن من “رضي وتابع” فهذا لم يبرأ ولم يسلم بل هو شريك في الإثم مع الفاعل .
وفي صحيح مسلم أيضاً في حديث الأمراء : “ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .”
والجهاد باليد على الأمراء مشروع للقادر ما لم يكن بالسيف نص عليه الإمام أحمد .
وعند الثلاثة قال صلى الله عليه وسلم : “إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده .”
وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”.. ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصرا » ، وفي رواية فيها زيادة “أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم .”
فالواجب هنا أن تمتد جسور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الحكام والشعوب (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران :110] فكل بحسبه :
من كان يستطيع إيصال النصيحة مباشرة إلى المسؤول فهذا واجبه ، فإن كان الرفق أحرى بقبول النصيحة فليترفق ، وإن كانت الشدة أبلغ في تأثير النصيحة فلا عليه فإن “أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ .”
ومن لم يستطع فليوصل نصحه بالبرقية أو الفاكس أو بلقاء مدير المكتب وغير ذلك من الوسائل ، مع تتابع النصح على الحاكم أو من ينيبه بخصوص هذا الفاسد .
فإن لم يجدِ ذلك فيجري التشهير به وفضحه في كل ميدان كما قال تعالى (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء : 148] وسرقة أموال المشاريع العامة من الظلم البين ، وإذا كان الزاني والزانية يأمر الله بالتشهير بهما (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النور : 2] ، فكيف بالفساد المالي وسرقة الملايين التي رصدت لحاجة الناس الضرورية ومرافقهم الهامة من المستشفيات والمواصلات والاتصالات وغيرها ؛ فهذه من باب أولى .
وختاما .. ما أجمل أن نكون كما قال صلى الله عليه وسلم : “خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ ” لا كما في تتمة الحديث “وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ” رواه مسلم ، ومن سنن الله الجارية في كونه أن من أمن العقوبة أساء الأدب حاكماً كان أو محكوماً .
اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا ، وألف بين قلوبنا واجمع كلمتنا على الحق والعدل ، وارزقنا معرفة بمواطن رضاك وقوة فيها وصبراً عليها ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
التوقيع
من الشيخ طلحة مليون سلام