وحدة مصر وسوريا 1958م
كاتب الموضوع الأصلي: راشد سعد القحطاني
المادة : 1
الشعبة : 27337
التحضير : 37
أكدت التجربة، تجربة الوحدة المصرية – السورية، وانتكاستها، كما يتأكد اليوم بعد مرور خمسين عاماً أن ”الوحدة” طريق إلى التحرير. أي أنها ليست الطريق الوحيد من ناحية، كما أن فلسطين المحررة ولو في حدود يونيو/ حزيران 1967 طريق أيضاً إلى الوحدة، التي أصبح ثابتاً أنها هدف تتعدد الطرق وصولاً إليه. وكان هذا أحد دروس نكسة تجربة .1958 وقد عدد عبدالناصر في ”الميثاق الوطني” في 1962 الدروس التي استقاها من التجربة، علماً أن قوى سياسية نبهت مقدماً إلى بعض هذه الدروس.. أعني بذلك الشيوعيين في مصر وسوريا.
مرة أخرى، المسيرة طويلة والتجربة كبيرة، وما هذه الخواطر إلا وقفة عابرة في مناسبة تستحق التوقف أمامها طويلاً وعميقاً. ومن دون أن نغوص في تفصيلات ليس هذا مجالها، فقد جرى الحديث في المقال الماضي عن الوضع الإقليمي خصوصا الموقف الإسرائيلي إزاء الوحدة المصرية – السورية، وننتقل اليوم إلى الإطار الدولي الذي جرت في ظله عملية الوحدة، خصوصا الموقف الأميركي. ومن الغريب أنه صدرت في القاهرة منذ أشهر دراسة تاريخية تحاول أن توحي وكأن عبدالناصر أبرم الوحدة مع سوريا بإيعاز من الولايات المتحدة الأميركية، أو حتى خدمة لمصالحها، ولإبعاد سوريا من الوقوع في قبضة الشيوعية. قد لا يكون هذا الاتجاه جديداً بنسبة مئة في المئة، ولكن الجديد فيه أنه يحاول أن يوحي باستناده إلى وثائق أميركية، وتحديداً إلى وثيقة ما، علماً أن دولة في حجم ووزن الولايات المتحدة تتعدد أجهزتها، وهيئاتها وفروعها التي تصدر عنها ”وثائق”، ولذلك تتعدد الوثائق بشأن الحدث الواحد، ومن جمع الوثائق ومقارنتها ومن تحديد القرار الذي تم اتخاذه يمكن التعرف على الوثيقة أو الوثائق التي حددت سياسة أميركا تجاه حدث ما. ولعل هذا يتضح من المقارنة بين هذه الدراسة التي صدرت أخيراً، ودراسات أخرى.
والدراسة التي أعنيها كتبها أستاذ تاريخ هو الدكتور محمد عبدالوهاب سيد أحمد، وعنوانها: ”العلاقات المصرية – الأميركية من التقارب إلى التباعد 1952 – .”1958 ويكفي أن نقف أمام سطور في الفصل الأخير من هذه الدراسة، والتي جاء فيها ما يأتي[1]:
”مع نهاية 1957 وبداية 1958 وبالتحديد في يناير/ كانون الثاني ,1958 توصل مجلس الأمن القومي الأميركي (NSC) إلى خلاصة بأن عبدالناصر حقق نجاحات لا يستطيع أحد في المنطقة أن يباريه فيها، وأنه القوة الوحيدة القادرة على إدارة الأمور في منطقة الشرق الأوسط. لقد أصبح واضحاً أن التيار القومي الذي يقوده عبدالناصر هو التيار السائد في التعامل مع المنطقة. وأن إنقاذ المنطقة من التيار الشيوعي المتمركز في سوريا ”يمكن أن يترك لعبدالناصر للقضاء عليه دون تردد” ”ولم يعد في الإمكان أن تترك سوريا تلاعبها أهواء ضغوط خارجية وقوى داخلية تتربص بها، والقوى الحاكمة ليست قادرة على مصارعة الأهواء، فنظروا جميعاً إلى عبدالناصر لعله يكون المخلص لهم والمحافظ على ما كان لهم من تاريخ. تلاقت مصالح حكام سوريا من الساسة التقليديين مع المصالح الأميركية، وقد أثبتت الأيام والتجارب أن عبدالناصر وتيار القومية العربية هما القادران على التدخل للإنقاذ في آخر لحظة. وتردد عبدالناصر في قبول عرض الساسة السوريين بالوحدة وبات يحسب حساباته. وطبقاً لرواية ريموند هير السفير الأميركي في مصر، الذي كانت تربطه علاقة مودة مع عبدالناصر طبقاً لما قاله للمؤلف ”بأن مصر لم تكن على استعداد للقيام بهذا الدور ولا قادرة على الوحدة مع سوريا، ولكنه سوف يقبل هذا إنقاذاً لسوريا من الشيوعيين”.
إن هذه رؤية ذات جانب واحد تجاه حدث متعدد الجوانب، واعتمدت على رواية تتناقض مع الكثير من روايات ووثائق أميركية وأحداث سبقتها ولحقتها، وهي تتغافل عن إمكانية أن يكون عبدالناصر نفسه قد حاول – من خلال اتصالات سرية – أن يوحي لأميركا أنه ذاهب إلى سوريا لإنقاذها من السقوط في يدي الشيوعيين. فقد سعى عبدالناصر جاهداً منذ بداية 1957 لتوثيق العلاقات الرسمية مع سوريا إلى أقصى حد ممكن. ولعل هذا ما تؤكده مذكرات الرجلين اللذين أوكل إليهما القيام بهذه المهمة، وهما محمود رياض سفير مصر في سوريا وعبدالمحسن أبو النور ممثل القيادة العسكرية المشتركة في دمشق. وفي الوقت نفسه، فإن ورقة أخرى لمجلس الأمن القومي الأميركي الذي اعتمد عليه الدكتور محمد عبدالوهاب عبرت عن اتجاه نقيض لما ذكره، وهي ورقة مؤرخة في 16 يناير/ كانون الثاني ,1958 وقد ذهبت إلى أن الوحدة المصرية – السورية ”في نظام حكمها الحالي من شأنها أن تهدد لبنان والأردن والعراق والسعودية فتبتلعها الواحدة بعد الأخرى. لذا فإن الاتحاد الفدرالي سيكون مناقضاً لمصالحنا[2]”.
ومن الواضح أنه كانت هناك تناقضات وذبذبات في تحليلات المسؤولين الأميركيين والأجهزة الأميركية تجاه عبدالناصر وسياساته، ولكن ظل جوهر السياسة الأميركية تجاهه ثابتاً ”وكان يقضي بعدم الثقة بعبدالناصر وإبقائه تحت التجربة إلى أن يعترف بمصالح الولايات المتحدة المشروعة في الشرق الأوسط[3]”. وإذا كان تغيير ما قد حدث في هذا الاتجاه، فإنه جاء بعد قيام الوحدة المصرية – السورية، وفي أواخر ,1958 أي بعد ثورة يوليو/ تموز العراقية، وبعد فشل الإنزال الأميركي في لبنان والبريطاني في الأردن. وقد كتبت مجلة ”نيوزويك” الأميركية في عددها الصادر في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 أن الهدف من استخدام هذه القوات هو دعم نظم الحكم المؤيدة للغرب في هذين البلدين، ومنع انتقال تأثيرات الثورة العراقية إلى بلاد أخرى ”وإحباط آمال القاهرة في توسيع نطاق الجمهورية العربية المتحدة[4]”.
ومع تعدد الأحداث وتقلبها، فإن موقف جون فوستر دالاس وزير خارجية أميركا تجاه عبدالناصر والوحدة ظل ثابتاً، إذ كان يعتقد أن الوحدة المصرية – السورية تخدم المصالح السوفيتية في المنطقة، كما كان يرى أن عبدالناصر، رجل يصعب التعامل معه، ولا يفصح عن نياته كاملة، ولا يمكن الاعتماد عليه، وينبغي ”تشجيع وإيجاد الفرص لقيادة مصرية جديدة أكثر تفهماً وإيجابية”. واستخلص أحد رجال الاستخبارات الأميركية أنه فهم هذا على أنه يعني تدبير انقلاب في مصر. وفيما بعد، وفي ,1961 لم يأت الانقلاب من داخل مصر، بل ضد مصر، وضد العرب الوحدويين جميعا، لقد كان انقلاباً على الوحدة، ولم يكن وليد أخطائها فقط، بل كان أيضاً نتاج التآمر الخارجي الذي لم تكن الأصابع الأميركية بعيدة عنه.
وإذا كانت الوحدة بين مصر وسوريا قمة المد للحركة القومية العربية، فإن الانفصال في 1961 كان قاع الجزر في هذه الحركة، ومن يومها لاتزال تدور في نقطة القاع التي اتسعت أكثر في 1967 و1977 و1990 و,2003 ومايزال البحث جارياً عن مخرج ينتشل العرب من حالة الركود الوحدوي الذي جعل بعض أعداء الوحدة والعرب يتحدثون عن ”موت القومية العربية”، بينما تتعالى أصوات هنا وهناك تدعو إلى تجديد الحديث عن هذه القومية، بل وعن الوحدة.. ولاتزال إلى هذه اللحظة مجرد أحاديث.