ولايه العهد في النظام السياسي الاسلامي
كاتب الموضوع الأصلي: ناصر بن تنيبيك
تُعتبر ولاية العهد من أهم وأخطر المستجدَّات على المنظومة السياسية الإسلامية، ولقد كانت لها مبرراتها في الظهور، نتيجة التوسع الذي شهدته الخلافة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، ومن ثَمَّ تَنَوُّع الأجناس والأعراق داخل هذه الدولة.
وَوَلِيُّ العهد في الإسلام يدلُّ على الشخص الذي يعهد إليه الخليفة أو الحاكم بتولي الحكم بعد وفاته؛ سواء بالنص عليه وحده، أو على أكثر من شخص على التوالي، وقد وافقت بعض المذاهب الفقهية على جواز عقد البيعة من الخليفة لولد أو والد؛ وذلك لأنه “أمير الأمَّة نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلب حكم المنصب على حكم النَّسب، ولم يجعل للتُّهمة طريقًا على أمانته، ولا سبيلاً إلى معارضته، وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده”[1].
استحداث ولاية العهد في الإسلام
وأول من استحدث ولاية العهد في الإسلام الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان t (ت60هـ)، وقد كان هذا الأمر اجتهادًا منه، وكانت الدوافع الملحَّة كثيرة؛ إذ كان أول هذه الدوافع لأخذ العهد من بعده لابنه يَزِيدٍ هو خوفه من الاختلاف، الذي قد يطرأ على الأمة من بعده، خاصة وأن أهل الشام وهم العنصر الأقوى في الدولة حينئذ كانوا مؤيدين لمعاوية t وابنه يَزِيدٍ[2].
والحق أن معاوية بن أبي سفيان t قد استوثق من مبايعة الناس في كافة الأقاليم لابنه يَزِيدٍ، غير أن هناك ثلاثة نفر من الصحابة وأبناء الصحابة[3]لم يوافقوا على ذلك، إلا أن إجماع الأمة كان ظاهرًا جليًّا ليزيد بن معاوية، وهذا الإجماع دون شك كان الهدف الأسمى الذي سعى إليه معاوية t، هذا الاجتهاد من معاوية t كان لدَرْء مفسدة اختلاف الأمة، والتي كانت مُقَدَّمة عنده على أي شيء آخر.
العلاقة بين ولاية العهد والبيعة
وعلى الرغم من أن مؤسسة الخلافة قد سارت على ولاية العهد منذ معاوية بن أبي سفيان t، بيد أنها لم تتجاهل نظام البيعة، أو رضا الرعية عن حاكمهم الجديد، فكانت كل ولاية عهد مصحوبة ببيعة تأكيدًا على رضا الأمة في هذا الأمر، وقد أوضحنا ذلك في المقالين السابقين.
صفات من يتولى ولاية العهد
وقد راعى الأمويون منذ معاوية t في الشخص الذي سيكون وليًّا للعهد أن يتَّصف بالصفات النبيلة والأخلاق الكريمة، أما أصحاب المجون والسير السيئة، فكانوا يلومونهم وينهونهم عنها، ويُخَوِّفونهم باستثنائهم من ولاية العهد وعدم المبايعة لهم، ومن ثَمَّ وجدنا معاوية t يُحَدِّد الصفات التي يجب أن يتحلَّى بها الخليفة أو من يتطلع إلى الخلافة مثل: الصدق والجود والحلم والعفة والشجاعة[4]، وكان يرى أن الحلم والكرم من أهم الصفات التي يجب توافرها فيمن يقوم بالحكم؛ حيث إن الحلم يمنع الخلاف ويُوَحِّد الصفوف، وبذلك يقول ليزيد: “أي بني، إنه لا يكون مع الحلم ندامة”[5].
ولم يكن تولية الابن الأكبر قانونًا مطردًا، بل حرص الخلفاء على أن يُغَيِّروا ولاية العهد إلى الأصلح من الأبناء، وأحيانًا من خارج الفرع المالك في الأسرة الحاكمة.